المسار الثقافي ومخاطر الإنحدار
علي عزيز السيد جاسم
يحتفل المواطنون في اسبانيا والعالم ولاسيما في مدينة نيويورك الامريكية في الخامس عشر من شهر حزيران من كل عام بذكرى ميلاد الشاعر الفرنسي فيدريكو غارسيا لوركا الذي ولد عام 1898 واغتيل عن عمر ناهز 48 عاما على يد الجهاز البوليسي الاسباني.ولعل معاناة الشاعر لوركا وابداعه يتواءم مع معاناة الشعراء الكبار جميعا اينما وجدوا واي ما كانت التصنيفات التي وجدوا انفسهم عليها من دون ان يختاروها ولربما بعضهم اختار ان يغيرها في حياته بحسب ما يريده هو لنفسه لا بحسب ما يفرض او فرض عليه ، وبصرف النظر عن المكان الجغرافي الذي عاشوا فيه ، فاوجاع الشاعر ومشاعره وعواطفه وخلجاته وما يعتريه من حالات تجاذب وتنافر واستجابة ورفض و المزيج الكوني من المتناقضات والتوافقات جعلت صفة الشاعر بهذا الفضاء الرحب الذي يلتقي فيه الشعراء عبر الاثير ليعبر كلا منهم بحسب لغته واسلوبه وشاعريته عن مكنوناته وابداعاته.
وتؤدي الاجواء السياسية والمجتمعية والاقتصادية والثقافية بشكل عام ادوارا مؤثرة على مسيرة الشاعر وادواته وتطبعاته الزمكانية لتضفي صبغة معينة على لونه الشعري الذي يمتاز به لكن ما اريد تسليط الضوء عليه هو تطابق الابداع الشعري لدى الشعراء مع فارق الوسط المتلقي ومدى التاثير به ، فلوركا على سبيل المثال لا الحصر
عانى هموم شعبه ووقف بشعره ضد الطبقية والتمييز العنصري والاعتداء على حريات الاخرين ونفوره من الرأسمالية و حصر وتحجيم الطبيعة الخلاقة لكنه ـ اي لوركا ـ استطاع ان يترك انطباعا تحول الى سلوك وموقف لدى مريديه ولاسيما الاسبان في صناعة راي عام انصف الشاعر واوصل نتاجه وابداعه الى أصقاع العالم كما استحدثت مؤسسة تعنى بشعره وتحمل اسمه وتحَول منزله الى متحف يحمل اسمه ويجمع اعماله الابداعية اضافة الى مخطوطاته التي كتبها بيده وحاجياته وما تبقى من اثاث منزله ولا سيما آلة البيانو الخاص به الذي تحول هو الاخر الى آلة ذات شأن تختلف عن نظيراتها اضافة الى اعادة جميع الاعتبارات ونشر نتاجات الشاعر بالشكل الذي جعل الاسبان بشكل خاص ومريدي الابداع ولاسيما الشعري يفتخرون بوجود هذه العلامة العالمية التي حققت بصمتها ، لكن تلك البصمة اوجدت بفعل جمهور واع مؤثر ملتزم في قضية الدفاع عن ارثه ومبدعيه والابقاء على علياء شانهم والوقوف بوجه الفلول والاذناب التي تحاول الصعود والظهور الى الوسط الثقافي عبر محاولة النيل او المجادلة الفارغة مع الاسماء الكبيرة في فيحاء الابداع.ولعل الكثير من الشعراء العرب والعراقيين على وجه الخصوص حققوا على مستوى الشعر الحديث طفرات نوعية وبعضهم اصبح امتدادا متأسسا لمدارس شعرية ومنهم على سبيل المثال شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري 1899 ـ 1997 ومعروف الرصافي وشوقي والسياب والملائكة والبياتي وغيرهم من اجيال سابقة ولاحقة الا ان الوسط الثقافي والسياسي والمجتمعي لم ينصف هؤلاء ولا يوجد وجه مقارنة بين الانصاف الذي يحظى به المبدع الغربي و ما يعانيه المبدع العراقي من اغتراب وغربة داخل مجتمعه وليس الحال بافضل لدى البلدان العربية ، كما ان هناك تفاوتا في ثقافة الاعتزاز بالارث الوطني والاتفاق على صيانته وعدم السماح بالمساس به كما هو موجود بعض الشيء لدى المجتمع المصري الذي فرض على نهج سياسة الدولة احترام ارادة المجتمع ونخبة في الحفاظ على هوياتهم الوطنية والابداعية.وما تازل منازل شعرائنا وادبائنا ومبدعينا خربات مهملة تنتظر الانتشال وضاع العديد منها وتحول الى غير شيء ومازالت متاحفنا صماء تفتقر الى التحف الحقيقية التي يمكننا ان نفتخر بها وبتقادم الايام تتحول حاجيات رموز العراق واسمائه اللامعة ومكتباتهم الى بقايا عطاء خصب بسبب الاهمال المجتمعي والنخبوي والثقافي الذي يكثر على الاخرين حقهم في من يدافع عنهم ، ولا نعلم هل الدفاع عن الرموز هو دفاع عنهم ام دفاع عنا نحن الموجودون الذين سرعان ما ستحيلنا الايام الى ذكرى تنتظر من ينتصف لها ، كما تشكو عشرات الكتب والمؤلفات والمقالات والدراسات المعمقة في الاداب والفنون انحسار مريدي العمق الابداعي وقلة الباحثين عنه وما يرتبط بازمة الحفاظ على الثقافة والهوية العراقية وحضاراتها وانتهاج المؤسسة الرسمية الثقافية منهجية بالية واداء وظائف شكلية سطحية لا علاقة لها بالارث الثقافي ولا باستحضاره ولا بتحديثه.ان الثقافة المريضة بدأت تنتشر بين اوساط المجتمع والمحسوبين على المثقفين الذين للاسف بدأوا يظهرون على السطح ويطفون كما تطفو المهملات في المستنقعات ليتسيدوا الموقف ويستمكنوا من ادوات السلطة والاعلام ليشيعوا الثقافة الرثة على حساب طمس الثقافات العميقة الراسخة (إلى حين) فيما يعاني المثقف الحقيقي من جميع مؤثرات ما اسماها المفكر عبد الحسين شعبان بالحرب الناعمة وما يترتب عليها من ضغوطات اقتصادية واعلامية ومجتمعية تجعل من استمرار تواصل ابداع المثقف بالامر العسير كما تجعل مساحة المتلقين وحجمهم في تدني وتراجع مستمر ليتمكن الغزو الثقافي الممنهج من الجسد الثقافي العراقي وينخره ويصيبه بالعمق ويجعله يتداعى بالتدريج وصولا الى الثقافة الخاوية.
لكن ما المطلوب وهل بامكان المثقف الواعي ان ينتبه الى هذه الحرب الباردة الهادفة الى تدمير اصالة المجتمع ومحو تاريخه وارثه وحضاراته وهل ان مسؤولية الدفاع عن ذلك يتحملها المثقف الواعي فقط ، ومن تحملها مسبقا ماذا كانت نتائج تمسكه بالوقوف في المرصاد لهذا الغزو ، وما هو دور المؤسسات الثقافية المستقلة والمدنية والحكومية ومن الذي يقع على عاتقه التمييز بين المؤسسات الصديقة والعدوة لدحض الاباطيل والعودة بالابداع العراقي الى مصاف الدول المتقدمة وتنقيته من الطفيليات والثقافيات الطارئة المدمرة .والكثير الكثير من الاسئلة التي ما تزال تبحث عن اجابات علها ان تصل يوما الى مستوى خلق رأي عام مؤثر ونخبة ثقافية مؤثرة قادرة على تكوين رأي عام ضاغط على المؤسسة الحكومية ويعمل على تصحيح مسارها ، ولا اريد ان اكون متشائما الى اني لست متفائلا بان نشهد الارتقاء بالحس الذوقي والوطني الذي يجعلنا قادرين على الاحتفال بولادات مبدعينا ومفكرينا وعلمائنا في ظل اشاعة ثقافة العداء والانانية والحقد.
ما نحتاجه معرفة كيفية خلق جيل واع يدرأ عن نفسه مخاطر التأثر والوقوع بدائرة التيهان وذلك يتطلب من الانقياء العمل كلا من مكانه ومكانته فرادا ومجتمعين لتوليد رأي منطقي عقلاني يناقش الافكار ويتجاذب معها في سبيل الارتقاء وليس من اجل التسقيط والسير خلف ثقافة الانحطاط والتزلف.

























