الواقعية الفنية في رواية حنون مجيد
المدونة الرقمية.. تحليقات مفعمة بالحب – اضواء – رنا صباح خليل
عن دار غراب في القاهرة صدر حديثاً للقاص والروائي حنون مجيد روايته الجديدة (المدونة الرقمية – حب هذا العصر) وهي رواية تصب في خانة الرواية الواقعية التي يتلبسها في بعض مفاصلها نوع من الإيهام لكسر رتابة التوقع في الفن الواقعي عادة. الرواية عبارة عن يوميات دونها الروائي عن حقبة زمنية تمحورت حول فترة ما بعد الإحتلال الأمريكي عام 2003، بطل الرواية فيها يعمل عملا مزدوجا؛ محررا في مؤسسة صحفية، ومديراً في مدرسة متوسطة. الرواية كما يلوح لي متكاملة البناء الدرامي والسرد الفني، يتخذ فيها حنون مجيد دور السارد لقطعة نثرية مليئة بالمشاعر الانسانية، تحكي قصة عشق يسمو في ارتقائه الى الحب الافلاطوني ذي السمات الوجدانية العالية، التي تظل متمركزة في الاعالي ولا تهبط الى مستوى ادنى، بل حتى لا ترضخ لسياط الجسد.
في هذا العمل اشتغل الروائي ضمن ثنائية للحب مازج فيها بطريقة محكمة بين حبيبة مثالية تقابلها زوجة مثالية، في حياة واحدة اجتمعت لتدون حياة رجل تجاوز بسنتين أو ثلاث عقده السادس، يدعى (سليم ناصر) الذي هو امتداد لشخصية ( سليم ناصر) بطل رواية المنعطف، التي صدرت بطبعتين قبل الإحتلال وبعده للروائي نفسه ؛ إذ هو يحمل الرؤى والافكار والنظرة الانسانية نفسها .
يتحرك في هذه الرواية التي جسدها ابطالها الرئيسيين (سليم ناصر، وحبيبته بلقيس وزوجته خديجة بأسمها المفترض من قبل كلاديس زوجة سليم ناصر الراوي الكلي) داخل ثنايا النص كل حسب موقعه وقالبه الذي صاغه له الروائي ورسم شخصيته، فهو يعتمد على المخيلة السردية في عكس الصور المتداخلة المتخيلة والمتفاعلة، من خلال العلاقات القائمة في النص الروائي، التي تشير الى انه يدفع المخيال السردي نحو تفعيل اسس المكان وحراكه والزمان واشتغالاته، حيث وفر للمكان المتخيل حيزا استطاع ان يفعّله بما يوازن بين بناء الشخصية والمكان.
في احدى نصوص الرواية يصف سليم ناصر الراوي كلي العلم غرفته قائلا:(غرفتي ذات طابع شتائي،مفروشة بسجادة من النوع الكاشاني جاءت على مقاس الغرفة تقريبا، ويبدو انني لم افكر بمزاحمتها بشيء آخر،مما يمكن ان اسد به فراغا ضيقا ظل قائما امامي محاذيا الباب،الا قطعة صغيرة من سجاد مما يوضع عادة في الداخل مهادا للدخول او الخروج..) وبهذا اعطى كثيرا من التماثل، وحقق من خلال عمله سمة الحاضنة التي اخذ فيها الامور بمنطق البساطة الروائية، بين شالشخصيات في الواقع والنص، عبر بنية داخلية شكلت مركزا مهما في الحوارات الفكرية فيما بعد.
وتجدر الاشارة هنا الى ان اهتمام الفلاسفة بالخيال الابداعي يرجع الى القرن الثامن عشر، وقد اهتم الادباء به في شتى المجالات فلا يخلو نص ابداعي اياً كان من وجوده، بل اصبح احد مقاييس العمل.
يقول الروائي في سطور روايته ( …ببدلة سوداء مطرزة حافتي الصدر بخط فضي مائل الى سمرة، تداخلت مع الاسود بعقلانية وهدوء يتناسبان مع ما أترغّبه في ملابسي وملابس الناس عموما، دخلت عليّ؛ هنأت بمناسبة العيد وعادت الى غرفة المدرسات كان يوم اربعاء وهو اليوم الذي اعقب عطلة العيد، لذا كثرت الزيارات والتهنئات، وكانت حميمية جميعا وتطفح بالامنيات الصادقة وكنت سعيدا بها) مشهد يصف فيه الروائي دخول بلقيس على سليم ناصر في غرفة الإدارة، تناول فيه ادق التفاصيل فهو لا يترك شيئا يمر عابرا من الزمان او المكان، مبتغياً إلقاء الضوء على ما يشف عنه المشهد من ردود الفعل والانفعالات النفسية، وهو الاسلوب الذي كان يشتغل عليه الروائي الفرنسي الكبير اميل زولا رائد الواقعية الانطباعية. وقد اجاد الروائي بإتقان في وصف الحالة الشعورية حتى لنحس اننا نعيش مع المنتج الابداعي في براعة عالية وحقيقية، تجسد ما يحدث في المشهد اليومي بين المدير سليم ناصر ومُدرسة مادة الرسم بلقيس التي هي حبيبته في الوقت نفسه، وكأنه مسلسل متواصل لا يمكننا الفكاك من حلقة واحدة منه، ما يجعل الرواية تفاعلية تبني علاقة متينة بينها وبين المتلقي.
تدوين مشاعر
في ثنايا الرواية كثير من الرسائل بين الحبيبين تدويناً لمشاعرهما الرقيقة بطريقة رومانسية، طغت بشكل مثير للاعجاب، برغم ان احداثها جرت في فترة احتلال وقهر وتفجيرات وظلم نكل بالشعب العراقي، وهذا لايعني ان الروائي اراد لروايته ان تكون بمنأى عن هذا الهم، وانما اراد ان يقول ان الحياة مستمرة باستمرار الانفاس مع وجود ما يعكر صفوها. اشتغل الروائي لاثبات ذلك باشارات تجعله غير بعيد عن المشهد المأساوي الذي دمر البلد، وعاشه الشعب بجبروت الصبر، الا انه لم يتغلغل الى هذا الموضوع بما يشوه ثيمة الرواية التي كرست فصولها للحب النقي المتعالي، بسمته الراقية التي تعكس احداثا خيالية او ربما واقعية محضة او قد تكون مقروءة، بل هي مزيج من كل ذلك فهي تتحدث عبر الذاكرة في واقعيتها، وتغوص في التناصات والاستلهامات السردية، ضمن احداثها التي يمتد فيها الخيال، لينقل هذه المعطيات الى قممها الرمزية والدلالية، في صياغة فنية واسلوب رصين تمتع بهما الكاتب، حتى أشعرنا ان الاحداث تمسك بنا وتدعونا إلى ان نبحث في متاهاتها، عن ازمنة بادت ولكن مذاقها ما زال حارا يلامس دواخلنا شاخصا في ذاكرة، تزدحم وتشتبك فيها اللحظات التي تؤاخي بين وجودين، من الاستحالة التوافق بينهما ضمن نسيج متواز لاختلاجات النفس الانسانية، تشكله هنا الزوجة التي يحبها على قدرعظيم، والحبيبة التي يحبها على القدر نفسه في تعادلية نادرة وغريبة كذلك. كذلك نجده يشخص لنا، ذلك الوجود الفكري للزوجة التي تقرأ مع زوجها (سليم ناصر) الرجل المسيحي الذي هو الراوي الكلي في الرواية، فهي تجالسه وهو يتصفح على حاسوبه أحداث الرواية، التي وجدها مرمية في الشارع ومخزونة في قرص، حين يرتشفان القهوة، تلك الزوجته كانت تواري شكها في ان الرواية تحكي قصة زوجها سليم ناصر، وليس احدا آخر، فالمطابقة في الاسم بين الشخصيتين بإسم سليم ناصر تثبت ذلك، فضلا عن ان الروائي اراد عامدا ان يثير في موضوع الرسائل نوعا من الايهام في سريرة الزوجة كلاديس، وذلك من خلال اشارات خاطفة .
للروائي تحليقات مفعمة بالحب والدفء والموسيقى الهادئة والسفر والابتعاد والاقتراب والوحدة وهذا كله يقود القارىء الى غابات ملونة اشبه بجنة الخلد، خالقها هو سليم ناصر الراوي الضمني في الرواية؛ وهو رجل مسلم وزوجته اسمها خديجة افتراضا من قبل كلاديس، وبرضا الراوي كما يبدو في عملية تعالق بينه وبين أبطال الرواية، وحبيبته بلقيس.
متن النص
هذا التداخل في متن النص، افضى الى وجود بناء روائي داخل بناء روائي آخر، اشتغل عليه الكاتب ليوضح ان الراوي كلي العلم، هو سليم ناصر الآخر الذي وجد القرص ليقرأ محتوياته بمشاركة زوجته.
ترددت الكرادة كثيراً في النص الروائي بأزقتها ومحالها ومقاهيها التي كان يرتادها السليمان ولاسيما سليم كلي العلم مع زوجته كلاديس. وللكرادة هنا حديث فالروائي وظف بعض ملامحها توظيفا اشبه ما يكون بفضاء العتبة، الذي يشير اليه باختين بانه يمثل المواقف والافكار والاشخاص الذين يعيشون بين بين ،كما ان الزمن الموجود في العتبة هو (زمن ازمة) لانه زمن مشحون بالتوتر والقلق والاضطراب وطرح الاسئلة المصيرية (*).
لا يخفى علينا ان كاتب هذا العمل اجاد بدراية الواثق من نفسه، ان لا يشعرنا ان هناك تناقضا في الشخصية، واقصد شخصية سليم العاشق، فما من رجل يحمل قلبين ويحب امرأتين بمستوى واحد، الا اننا لا نجد انفسنا في قطيعة مع عشقه لزوجته او لحبيبته، فالنسيج السردي متماسك والمضمون واضح والايقاع ساحر، يعزف من خلاله الروائي على الامل والانسانية في كثافة عالية للمشاعر التي اجادت في عملها، كي توصلنا الى حقيقة واحدة هو الانسان بكل نوازعه، وهذا ما نراه في هذه الاسطر(…ان ما ينبغي ان اقوله هنا انني لم اعرف ولا حتى في افلام الحب الجنوني، قلبا يفيض بالحب كقلب زوجتي؛ طهارة ام تضحية، كانت من بين دموعها تتجلى وتتألق وتشف عن اكتنازات نفسها الزكية والنفيسة، وحبها الغريب لي وجنونها بي، وكان كل ذلك يأخذني الى حالة الازدواج التي اعيشها).
فالروائي لا يكتب للعبث او لاشباع الفضول، وانما يحاول من خلال ما يكتب، تمرير ما يؤمن به وما يريد قوله للاخرين وكأنه يريد ان يقول لنا ان اللحظات الجميلة التي تجعلنا سعداء، تكمن في التفاصيل الصغيرة التي قد لا نعيرها اهمية، فالحياة لا ينعشها الا الحب الذي لا يكون محض صدفة، انما هو استجابة قدرية لمفاهيم الانسان وهذا ما يجسده سليم ناصر المحب لبلقيس حين تنطق بأسمه دون القاب في مقطع مهم من الرواية (…تنطق اسمي صريحا مباشرا، حارا لا اعظم من حميميته، كأنها اللحظة تدخل بين ضلوعي تحتمي من برد، او تلوذ من خوف، استقبل صدرها على صدري واطمئن قلبها اذ أربت على كتفها الملقى على كتفي، أشاور بين اذنيها ان تنعم بالسلام ما دمت في حياتها وهي في حياتي…)ان الراوي الضمني، منهمك في وصف وضعه الشخصي ومنظوره وعلاقاته بالناس وحكايته مع حبيبته، الامر الذي جعله يقدم ذاته وانطباعاته ورؤاه بصورة استثنائية، وبمقدار ما يمنح كل ذلك هذه الرواية خاصية ابداعية مهمة في نوع من التمهيدات المحببة، لاظهار الحكاية التي يسهم السرد في تفصيلها وتنظيمها، في مراوحة ذكية بين الحوار والحوار الداخلي الذي سكب فيه الروائي من روحه وفكره وتاملاته الفلسفية والوجدانية، ليستمد ارهاصاته من اليومي المعاش ومن تنقلاته في مدينته او في سفره، وبذلك تختلط المشاعر والخواطر والتداعيات لرجل يعرف اين تسير به حافلة الزمن وهي تقطع اواخر اشواط الحب لديه.
{ الفضاء الروائي في الغربة (الاطار والدلالة) محمد منيب البوريمي، دار الشؤون الثقافية العامة،بغداد،1981
























