المختبر الثقافي

المختبر الثقافي

مهند صلاح

نرى هذه الأيام الكثير من التجارب الثقافية و بمختلف الأعمار و هم يسيئون إلى أدوار لا تشبههم ، عبر أخطاء لغوية و معرفية لا تحصى .. لم تأت كل هذه الأخطاء بمحض الصدفة أو كنتيجة عرضية ، و إنما هي نتاج واضح خرج من عباءة العديد من المجاميع التي تدعي بأنها تتبنى و تمثل المشروع الثقافي ، دون أن تخضع من تقدمهم الى المنصات و المسارح و القراء لآليات في التدقيق و المتابعة ..

يستحضرني للحظة تجربة مهمة تناولها و تبناها ( منتدى الأدباء و الكتاب في الاسكندرية ) نهاية تسعينيات القرن الماضي ، عندما إحتضن مجموعة من الشباب و إستحدث لهم ما أسماه في حينها ( المختبر الشعري ) و ( المختبر السردي) و ( المختبر المسرحي ) و لم يسمح لأحد منهم بإعتلاء المنصة و المسرح الا بعد إتقان العديد من مفاصل الفن الكتابي ( اللغة – العروض – النحو – الإلقاء ) و غيرها من إعتبارات إشتغلت على إعداد العنصر الابداعي على المستوى النفسي و الفلسفي ، و زرع فكرة الإخلاص و السمو داخل النسيج الفكري لديه ، و قد ساعد هذا المختبر على سقل مواهب محتواه عبر الاختيارات الدقيقة و الواعية للكتب التي تحتاجها عقول هؤلاء الشباب كي تنمي قدراتهم ، و تكون لديهم الدراية الكاملة في آليات ( الحوار و الطرح ) مما سيؤدي بالتالي الى نجاح محقق عند إعتلاء أي منصة ، بينما تفتقد الكثير من المؤسسات الفكرية و الثقافية اليوم لمثل هكذا مختبرات ، فهي تعتمد في أساسها على سياسة المجاملة و النفعية و المحاباة ، بل إن قسم من الأسماء التي يعتبرها الجمهور ركائز للثقافة و قد تبنت تقديم تجارب فاشلة على حساب أخرى ناجحة مقابل هدايا و مكتسبات لا علاقة لها بالثقافة ، و إن قسما من هذه المؤسسات الثقافية إعتمدت سياسة العدد الأكبر لأعضائها دون التفكير بما ستفرزه هذه الأعداد من نتاج إلى الجمهور الذي يضع ثقته بما ستقدمه هذه المجاميع من تجارب على طاولة ( القراءة و التلقي ) ، و هي بهذا ، أي ( المؤسسات ) قد خانت جمهورها أولا ثم دمرت و شوهت الواقع الفكري في رؤية أخرى .. حيث قدمت ( نقاد – شعراء – كتاب قصة – مسرحيين – رسامين ) مزيفين ، لم تعرف زيفهم هذا إلا بعد مرور فترات زمنية و قراءات جيدة لنتاجاتهم ، لتكتشف مدى السرقات و الألاعيب التي يمارسونها ، و بدل إعتراف هذه المؤسسات بالأخطاء التي إرتكبتها ، و الإشارة الى الأسماء المزيفة التي كانت سببا في طرحها إلى الجمهور ، و تكتفي بصرفهم فقط، و كإنها تترك الخيار أمام الجمهور بقبولهم أو رفضهم ، بل إن قسما منها تستمر على نفس السياسة دون أن تأبه لما سيتمخض من فشل ، و هنا يأتي دور المثقف الحقيقي الذي يفصل مشروعه الثقافي عن علاقاته الإجتماعية ، و يبتعد تماما عن المجاملة و خطوط الحياد و السكوت ، ليزيل الأقنعة و يظهر الوجوه الحقيقية التي تختفي وراءها ، غير آبه إن كان سيخسر أصدقائه أو المقربين منه ، و غير مهتم لكل ما سيقال من قبل الماكنة الإعلامية المشوهة التي تقف وراء هذه التجارب الفاشلة ، ليبني تطلعاته على القارئ الواعي الذي سيساعده في المضي قدما في مشروعه التنويري ، و يؤسس معه علاقة وثيقة سترسم بدورها حلقة مشعة من الوعي تصيب طرفي الخلق الإبداعي ( الحاضنة – التجارب ) بالخوف و الحذر عند تبني أو طرح أي نتاج ، مما سيدفعه إلى تأسيس مختبرات قادرة على تخريج أجيال من الكتاب و الفنانين و الأدباء يستطيعون تحمل مسؤولية مشاريعهم الفكرية دون أن يلجأوا لإرتداء قشور السرقات و القوالب و الضحك على عقول الجماهير و ذائقتهم ، و هنا يتحمل القارئ مسؤولية كبيرة في تحديد إختياراته و عدم إتاحة الفرصة أمام المؤسسات ( الأدبية – الفكرية – الفنية ) أو من يقف ورائها من منظومات إعلام ( مرئي – مسموع – مقروء ) للإنحراف عن منهجية الأفق الذي ننشد له عبر تحقيق و إنجاز مدارس تخرج لنا تجارب و نتاجات إبداعية بعيدة عن العوق و العاهات التي نراها اليوم في أغلب ما تطرحه لنا الماكنة الإعلامية …