
المحقق الخاص في روايات أجاثا كريستي وأفلام الجريمة
معتز محي عبد الحميد
ابتدعت «أجاثا كريستي» شخصية المحققة البوليسية العجوز الآنسة «جين ماربل»? حيث ظهرت في اثنا عشرة رواية من روايا تها , و إنها محققة هاوية وليست صاحبة خلفية شرطية مثل شخصية هركيول بوارو، فهي مجرد امرأة عجوز عانس لطيفة المعشر حادة الذكاء رغم أنها لا تبدو كذلك ظاهرياً،تقول «أجاثا كريستي» عنها إنها اقتبست كثيراً من صفاتها من جدتها لأمها، كما جاء اسمها من اسم محطة القطار ماربل ستوكبورت. تبدو نمطية وتقليدية حينما ينظر إليها المرء للمرة الأولي، ترتدي ملابس قديمة الطراز حتي بالنسبة لزمن كتابة القصص في الثلاثينيات والأربعينيات. تهتم بالحياكة وتنظيف الأعشاب في حديقتها. تبدو أحياناً شخصية مرتبكة وحائرة، لكن عندما يتعلق الأمر بحل الأسرار والألغاز فهي شعلة متقدة من الذكاء واليقظة واللمعية.. هي تجيد فهم الطبيعة البشرية بكل نقاط ضعفها وقوتها، كمحققة بوليسية هاوية شديدة الذكاء تحرج رجال الشرطة المحترفين حينما تسبقهم دائماً في حل ألغاز الجرائم المعقدة.
مس ماربل والسينما
لم تكن مس ماربل محظوظة مع السينما حينما صدرت أولي رواياتها عام 1930? فقد مر علي ظهورها في روايات «أجاثا كريستي» 32 عاماً قبل أن تنتقل من صفحات الكتب إلي شاشة السينما، وقد قامت الممثلة الإنكليزية المعروفة «مارجريت روثفورد» وكانت في السبعين من عمرها بتجسيد الشخصية علي الشاشة، ولكن النتيجة جاءت مخيبة للآمال، سواء بالنسبة للمعجبين بروايات مس ماربل، أو بالنسبة لأجاثا كريستي نفسها، لكنها رغم ذلك أهدت روايتها «المرآة المحطمة» إلي روثفورد التي قامت ببطولة أربعة أفلام مأخوذة عن قصص لشخصية مس ماربل تم إنتاجها فيما بين عام 1961 وعام 1965 وفي الثمانينيات قامت الممثلة «أنجيلا لانسبيري» بدور مس ماربل في فيلم «المرآة المكسورة» الذي أخرجه «جاي هاميلتون». لم تظهر شخصية مس ماربل علي الشاشة كثيراً، لكن الفيلم حقق شهرة كبيرة بسبب اشتراك نجوم كبار فيه من أمثال «اليزابيث تايلور» و«روك هادسون» و«جيرالدين شابلن» و«توني كيرتس» و«كيم نوفاك»? وابتدعت لانسبيري شكلاً مختلفاً لمس ماربل مع نبرة صوت متقطعة وظهرت وهي تدخن السجائر علي عكس شخصية مس ماربل في الروايات و بعض الافلام التي عرضت حديثا تجعل المرء يشعر بالحنين الى روايات كريستي
اشهروا السكاكين
في فيلم اشهروا السكاكين ( knives out) هذا الفيلم الذي عرض حديثا ، جاء باستلهام واضح وبارز لروايات اجاثا … فهناك جريمة القتل في غرفة مغلقة، وأيضًا القتيل هو كبير العائلة، وهناك السيدة بالغة الهِرَم (والدة القتيل)، وهناك المحقق البارع الذي لا يضاهى الذي يجعل الجميع يظنونه على خطأ ثم يكتشفون أنَّه أدار كل شيء بحكمة -وقد كان هذا المحقق في رواياتها اسمه “بوارو”? وهناك أخرى اسمها “الآنسة ماربل” ? والكثير من الملامح الأخرى. وسيكون أيضًا من السهل عليك اكتشاف أو توقُّع مسار الأحداث؛ بسبب السير المنضبط على خطى حبكاتها المثيرة والمشوِّقة. أمَّا إنْ لمْ تكنْ قد قرأت رواياتها فستمتلأ متعةً وانبهارًا. لكنْ في كلتا الحالين ستقضي وقتًا مُمتعًا حقًّا.
يتناول الفيلم قصة عائلة ثريَّة تعيش في قصر فخم ضخم ناءٍ عن المدينة. الأسرة مُكوَّنة من مُؤسسها “هارلان ثرومبي” العجوز الثريّ الذي يعمل كاتبًا وصاحب دار نشر ضخم، وأمّه التي ما زالت على قيد الحياة، وأبنائه وثلاثة أحفاد من أبنائه المختلفين. وتعيش معهم سيدة تعمل خادمة للبيت، وأخيرًا مُهاجرة شابَّة تعمل مُمرِّضةً لدى العجوز، وقد اتخذها صديقة ورفيقة في حياته المعيشية في القصر الكبير. فهي مُحدِّثته بالصباح، وكاتمة أسراره في الظهيرة، وممرضته في المساء، ثم تلعب معه لعبته المُحبَّبة حتى ينام. هذه خريطة البيت -إنْ صحَّ القول- الذي وقعت فيه الجريمة.
في إحدى الليالي تعقد الأسرة حفلاً والجميع حاضر ومنشغل في حوارات ومحادثات ، وفي الأرجاء تدور مشاجرات بين الكاتب العجوز وبين ابنه “والت” الذي قرر العجوز إقالته من أعماله، ومشاجرة بينه وبين حفيده الأكبر “رانسوم” (كابتن أمريكا). ونتبين أنه قبلها هدد زوج ابنته (أبا رانسوم)، وأمَّ حفيدته الأخرى. ويتبين أن الجميع يكره العجوز ويتمنى أن يتخلص من المشكلة التي سببها حتى لو كان طريق الخلاص هو موت العجوز.
مقتل العجوز
وفي الصباح تُفاجأ الخادمة بالعجوز قتيلاً. ويبدأ المحقق الخاصّ الذي تمَّ استئجاره من مجهول بحثه مع بقية أفراد الشرطة. والجميع في ترقُّب شديد إلى أن تُفتح الوصيَّة وتصل المفاجآت إلى ذروتها وتتجه أصابع الاتهام إلى هنا وهناك. فمَنْ القاتل يا تُرى؟ ومَن استأجر المحقق؟ وما هي حقيقة الممرضة الشابَّة؟!
لقد استطاع صانع الفيلم إدخال مزيج من الغموض و لغة التحقيق السريعة عن طريق وسائل عدة ، مما يدلُّ على مهارته وموهبته. ولعلَّ أول ما نجح فيه هو استدعاء الماضي ولذته في روايات أجاثا، أو ما يُسمَّى بـ”نوستالجيا”. ثم أبدع في الاستلهام فقد أمدَّ المشاهد بالكثير من الحقائق في ثلث الفيلم الأول؛ وقد يُفاجأ المشاهد بهذا – وقد اعتاد معرفة القليل في أفلام الغموض وحل الألغاز- حتى يتطرق إليه السؤال: هل كُشف الفيلم منذ البداية؟! ثم يكتشف أنَّ كل ما أمدَّه المؤلف به هو مجرد البداية فقط، وتستمرّ القصة الممتعة. اعتقد أنْ يظهر في الفيلم رجلٌ عجوزٌ مقتول وتحته سكين فهذه بداية ممتازة لفيلم غموض، وأن يظهر مُشتبه بهم كثيرون فهذا إكمال جيِّد، وأن يكون المشتبه بهم عائلة المجنِّي عليه فالإثارة أشدّ، وأن نزيد لك من جرعتها بوصول محقق خاص مُحنَّك فلا بُدَّ أن تتشبث في مقعدك أثناء المشاهدة، ثمَّ يظهر أنَّهم جميعًا قادرون حقًّا على قتل رئيس العائلة هنا يبدأ نشاطك العقليّ في الازدهار، ثم يضعون لك شابَّة لها دور أساسيّ في حكايتنا وترى أنَّ الجميع بلا استثناء يشكُّون بها وأنت معهم تحاول حل اللغز المُحيِّر، حينها ترجع ذاكرتك بلهغة الى قصص وافلام اجاثا كريستي والمحققة مس ماربيل .
























