المجهول – حميد الحريزي

رواية قصيرة جداً

المجهول – حميد الحريزي

صادروا نظارَتُه في اليومِ الأول من اعتقاله ، ما عادَ يعرفُ أبعاد سجنهِ الانفرادي ،…. بَعدَ سنواتٍ طوال أٌسْقِطَ النِظامُ ، أُطلقَ سَرَاحَه ، لم تَعدْ نَظارَتُه المُستَرجَعة تُعِينهُ على الرؤيةَ ،احتملَ عذابَ سنين السجن حالماً بهذا اليومُ العظيم ،

استمرَ الجمهورُ راقصاً ، متجاهلاً  طَلبَهُ بإيصاله لدارهِ ، سارَ على غير هدى … تجمهرَ الناسُ حول جثةَ الرجلِ المدهوس ، في حين أعلنتْ الفضائياتُ العاجلَ التالي :- طَفَحَ غيظه لمرأى الجماهير تهدمُ سجنَ الطاغية ، ألقى أحَدُ عملاء النظامِ نَفسهُ تحت إحدى الجرافات ، ماتَ غارقاً بعارِ حقدهِ ملتحقاً بسيدهِ المَقْبور.

المجهول  : من كان بلا عنوان بلا هوية بلا انتماء وبلا ملامح تعيّنه وتخرجه من دائرة العمى و الإبهام إلى حقل التعيين والانتماء ، فهذه إذن أهم المعاني الحافة لعبارة المجهول وإيحاءاتها الأوليّة . أما صيغة اسم المفعول فتشي بفقد للفاعلية أو سلبها وبمفعولية قد تكون طوعا وكثيرا ما تكون قسرا وإرغاما ، كما تنبئ بعلاقة انفصال وباغتراب عن المحيط أو غربة فيه ، إلى جانب أن هذه العبارة مكتنزة الدلالات تحيل على صورة كثيرا ما ترددت في المدونة الإبداعية ذات المرجعيَة الرومنطقية ، ومثال ذلك النبي لجبران ، والنبي المجهول في قصيدة لرمز من رموز الرومنطقية في لحظاتها الأولى بالأدب العربي أبي القاسم ألشابي ، إذ ان إحدى أغانيه كانت قصيدة تحمل النبي المجهول عنوانا ، وقد اكتسح أسلوب التمني المشرب حسرة حيزا هاما من مساحتها النصيّة للتعبير عن أزمة المثقف الفرد الحالم وقد انفتحت عينه على حقائق مربكة في وعي شقي مفزع ، ولكنه يصطدم بقوم لا يعون لغة متيقظ الحسّ وبجماعة لا تدرك نبضه ولا حدسه ورؤاه ، فرميَ بالجنون وإضاعة الرشد والصواب ، وأهرق أولئك كأسا هي عصارة رحيق الفؤاد ، وتوجوا رأسَه بالشوك ، وكان غريبا وسيظل كذلك إلى أن تخطفه المنايا وتحمله إلى وطنه .. ومجهول قصتنا بدا أشد إرباكاً وحيرة واضطرابا وقلقا ، فمصادرة نظارته منذ اليوم الأوّل من سجنه ليست سوى إشارة إلى صورة الغريب المروّع المقموع المنكل به ، كما يصنع مع كل مفارق لحياة القطيع وللدرب المرسوم المقرر سلفا ، لينشق عن السرب المدجن وبالتالي ستكون غربته مركبة ، غربة بالمكان وفي المكان ، لذا سيتحرك في محيطه الضيق ، الزنزانة حركة من لا يدرك أبعاد فضائه .

وليس هذا التخبط وهذا الاضطراب إلا أمارة على فقدان لما به يحقق الاتزان والتوازن ، هذا على مستوى علاقته بالمكان.  أمّا علاقته بالزمان ، وقد كثرت الفجوات الزمنية من قبيل ‘’بعد سنوات طوال’’ ‘’سنين السجن ‘’على ما تقتضيه ركائز القصة القصيرة جدا من تركيز وتكثيف متصدعة ، لتعلن عن شروخ وتصدعات وعن فعل الزمن المدمر الذي يحيل الضعف إلى وهن وضعف البصر إلى عمى وقد اقترن بوهن وتحول إلى وجود هش والى وجود هبائي .

ويطوي السارد الأحداث الثانوية ويختزلها للمسارعة ببلوغ الحدث الرئيسي ، البؤرة ، وكان التحول من فضاء داخلي ضيق زنزانة إلى فضاء خارجي ، الشارع ، إذ ‘’أطلق سراحه’’  فلم يوافق الدال مدلوله ، ولم يكن الشارع فضاء الانطلاق وانسياب الحركة وتلقائيتها ، بل كان فضاء الاصطدام ، فاصطدام المجهول الذي يخبط في حندس العمى بالمتجاهلين ليكون الاغتراب أشد ضراوة لا عن الزمان والمكان فحسب

بل عن الجماعة ، جمهورا وفئة ، إذ الجمهور والعامة كانت في شرود عنه وغفلة ولامبالاة ‘’ واستمر الجمهور راقصا متجاهلا طلبه بإيصاله إلى داره ‘’

أما النخبة وزمرة الإعلاميين ورموز السلطة الرابعة فقد كانت القوة التي دفعت به إلى مستنقع الخيانة والعمالة تضليلا وزورا ، ليكون المجهول بلا انتماء في حركة لا شرقية ولا غربية.

فهو المناضل السياسي ، وسجين الكلمة ، مجازا ، والعميل المأجور حقيقة ، ولكنها حقيقة بلا قرائن تسندها إلا شهادة إعلام افتقد الموضوعية والحياد . وهكذا كان المجهول قصة الاغتراب والغربة لا بمذاق رومنسي حالم ، ولكنه كان اغترابا أشد هولا ، انه اغتراب من أحدقت المخاطر وأحاطت به ظروف وأوضاع استحال معها الزيف حقيقة والادعاء أمرا واقعا لا فكاك منه ، ليسقط مضرجا بالدماء غارقا فيها ومن مفارقة استحالة الحلم كابوسا مرعبا تتولد الدهشة ليفارق سجين الكلمة دائرة الفاعلية مفارقة كلية ليكون ‘’المدهوس “ ويتحول من ذات مناوئة لكل سلطة قاهرة إلى موضوع من مواضيع الأخبار العاجلة ، وهكذا يسقط الحلم جثة هامدة بلا حراك بلا نبض ، انحسر ماضيها وأفل نجم يومها وغدها . وإجمالا حرص السارد اشد الحرص على بناء درامي وفياً لجنس القصة القصيرة جدا ، لذا كانت الجمل قصيرة مكتفية في أحايين كثيرة بالنواة الأساسية للجملة بلا توسعة ، ليكون النص في شكل ومضات خاطفة باقتناص اللحظات الفارقة والهامة وبتسليط الضوء عليها ، وها هي جثة ‘’المجهول’’ الرجل الفرد غير المعيّن مصبّ النسق السردي المتسارع ومنتهاه ، وعند هذه البؤرة ينتقي السارد من الروابط اللفظية ‘’في حين’’ ليؤكد على تضاد وعلى مفارقة صارخة بين المضمر والمعلن ، إذ يطوي الإعلام قصة سجين الكلمة الحرة وينشر قصة نقيضا لها قصة العميل الممعن في عمالته والذي يظل وفيا لأسياده إلى أخر رمق فهي العمالة حد النخاع . وعلى ضوء ما تقدم ، نستشف أن المجهول قصة الزيف ، وقد عتا شامخا في مقابل مصرع الحقيقة والالتزام بالقضايا الجوهرية الصميمية ، فلم يبق السارد على مستوى المادة الحدثية ألا على اللبَ ، واتخذ المفارقة آلية أساسية لتوليد عنصر الدهشة والإدهاش والمفاجأة ، إذ استحال رمز النضال سجين الكلمة مسخا بلا قسمات تميزه ، بل انه من زاوية نظر إعلام متعجل عجول ‘’أحد عملاء النظام السابق’’ القي نفسه تحت إحدى عجلات الجرافات  غارقا بعار حقده.