المتبنيات المشتركة .. من وحيداً في الأزقة أغني إلى مطر على رصيف الذاكرة
عبد الغفار العطوي
هما كتابان ، الاول شعري ( وحيداً في الازقة أغني) أما الاخر ( مطر على رصيف الذاكرة) فعبارة عن قصص قصيرة جداً للشاعر و القاص جابر محمد جابر يمكن قراءتهما معاً على اعتبارالمتبنيات التي يلوحان بها ، فيما يتعلق بمقصد المؤلف من مفهوم الكتابة أولا ، و ذلك لاحساسنا بأن ما يراوده هو كيف يوصل ما يظن انه يخدمه! و في الوقت نفسه هو جوهري و فاعل في ما يكتب بمعزل عنه، أي إن الشاعر و القاص يمتزجان في بوتقة انصهار المؤلف جابر محمد جابر دون الشعور بالتفارق الكتابي ، لوجود متبنيات مشتركة تجبرنا نحن القراء على الموافقة عليها من خلال:
- ان الدافع وراء اصدار هذين الكتابين الشعري و القصصي إنهما ينبعان من مشكاة و احدة ، من رغبة المؤلف في ايصال ما يعتبره ضرورياً و حاسماً في مقصده من الكتابة ، أي إنما كل ما دفعه للنشر فيهما يؤكد ان وراء النصوص الشعرية و القصصية صوت يعبر عن مراد تحاول النصوص الشعرية و القصصية الاطاحة به ، و من هنا جاءت عتباتهما مدلة على هذا الهاجس المأساوي الذي يحكم الكتابين ، في الاهدائين | في الشعر ـ الى أبي رحمه الله كلمات ليوسف الخال في ان لكل حب ألماً ، و في القص | ولدي زيدون و محمد و نجيماتي الثلاث ، و كلمات لوركا عن الامل الميت ، و هذا الاهداءان لا يخلوان من إيمان مشترك بأن الكتابة لا بد لها أن تكون آتية من مقصد المؤلف و تأويله للعالم الذي يراه من منظور اللغة ، حتى نعرف ان الرابط بين الشعري و القصصي لدى جابر محمد جابر محله عند المتبنيات المشتركة في مفهوم الكتابة و مفاعيلها و مقترباتها ، أي كل المطلوب من الشعري و القصصي توصيل هذه الفكرة العميقة بإنسانية المؤلف و استنهاضه لمتزعمات تكاد تجمع على انه و ان تنوعت الاجناس الادبية و تباينت المنظورات الثقافية تبقى المعادلة في كيفية صناعة عالم انساني ثابت في أرومة المؤلف ، من هنا لم تحقق ( المقدمة حول ديوان وحيداً في الازقة أغني لدكتور سمير الخليل) ولا شهادة المؤلف ( القاص) في طرحهما المبررات للكتابة شيئاً في سبيل اقناعنا بمغذيات عتبتيهما ، من حيث اخـــــــــتلاف الرؤية التي طرحاها في مقدمة الخليل النـــــــــقدية ، و في شهادة المؤلف التمهيدية.
- ثمة متبنيات في أصل الكتابة في كلا الجنسين الشعري و القصصي ، فمع اختلافهما في بنيتهماالفنية إلإ إنهما يتطابقان في قصد المؤلف في بنى العنوانات ، ففي الشعر نجد (الهلاك الجميل ــ طاولة العقل ــ ندى سري ــ القلق الثري الخ ) بينما في القص ( السرة ــ ذكريات ـ موعظة—الخ ) اي ان هذا يعني ان منظور الاشتغال في مقدمات الكتابة يفرض نسقاً واحداً نجده في تلافيف هاجس الريادة التي يدسها المؤلف في العنوانات المتسقة و المتشابهة ذات الايقاع الواحد التي تصلح لكلا الجنسين الشعري و القصصي ، بمعنى ان تبنيه للمشابهة هو فعل تجييشي لمردود الكتابة ، و ليس للتأطير الاجناسي ، من هنا بدا الإنشاء البنيوي و اللفظي و الدلالي و السياقي يفعل فعله في خزين الكاتب في إقناعنا إننا أمام اعمال كتابية صرفة تتشظى في مدونات شعرية و قصصية ، و ما علينا سوى الاذعان لمقصد المؤلف ، فهل يا ترى أستطاع الكاتب في سحبنا نحو دائرة او حلقة المباهلة ؟! أي في ان الكتابة هي أم الريادة لديه في إيصال القلق الاونطولوجي ، و عين القارئ التي تتوجس مخاوفه في عدم التوصيل
- الالتفات الى نصوص الكتابين يوضح فكرة ميل الكاتب لمتبنيات تشترك في هذه العطاءات ، ففي مجال الشعر هناك نص ( الهلاك الجميل ص 15 ) يؤسس لعطاء مقصدي فيما وراء المعنى
هرب الشعر ،
بعد أن – –
انكسرت مرآة بلاغته
و تحلل ماء قصيدته – –
طارد اسرار اللغة
و نشر سهاماً افتراضية
و في مقابله في المجال القصصي ، قصة قصيرة جداً ( السرة ) : اخبرني صديقي ابراهيم ان امه وضعت سرته في مدرسة لذلك اصبح معلماً في حين قالت اختي الخ حيث إننا نتابع تلك المتبنيات التي تؤكد على وحدة الهدف في جلب الانتباه الى ان قصد المؤلف هو الاساس في تأويل العالم ، من هنا نفهم التقارب في بنية النص الشعري و النص القصصي من ناحية الاعتماد على قاعدة الصدمة و المفارقة و الومضة ، هكذا الكاتب يعتقد و هو محق في ذلك على الارجح في ان فهم العالم يتطلب وضعه في نص و ليس بالضرورة ما يكون شكله او محتواه ، المهم أن يلبي الغرض في ان يفهم جابر محمد جابر عالمه ، محيطه ، حوله و الا ما جدوى الكتابة بالنسبة لديه ؟ و تلك ريادته التي فشل د- سمير الخليل في تشخيصها ، إنه لا يقرأ نصوصه فيما إذا كانت شعرية أو قصصية ( التقارب واضح في إشكالية الحكم على اجناسية القصص القصيرة جداً هنا) إنما هو يقرأ عالمه التصي ، و من هنا التشابه ، و لنضرب مثلاً آخر ، ففي نص ( فندق التاريخ ص36)
كنت أقاتل النوم
حتى- –
امتلآ دمي بالانقاض – –
الساعة تنتحر
و صديقي
ينفض عنها
غبار الموت
و ينادي على شبحه المتهور
تقارب واضح من مقصد المؤلف في متبنياته بينما نلمس قوة الجذب في عالمه القصصي ، و قربه من خزين الكاتب أيضاً ، ففي ( ذاكرة معطوبة) ما يدفع بقناعاتنا الى ذلك : حفر بئراً في أيامه الماضية فتدفقت مياه احزانه عذبة الخ إذاً يبدو القاسم المشترك الرابط بين نصوصه الشعرية و القصصية هو وحدة الرؤية وحدة في وجهة النظر و الوحدة في القلق الاونطولوجي الذي قاد الكاتب جابر محمد جابر نحو تعويم الذات الوجلة تحت سيل اللاادريات ، والاعتماد على جوهر الكتابة ، بالضرب تحت الحزام بالاجناسيات ، بما يسمى بالنصوص الخالصة أو المفعلة القادرة على حمل تساؤلاته بعيداً عن وجع الرأس مادام هو يمسك بالنصوص .























