اللعب الخفي
حسن حنفي
ظهر تعدد القوي في الفترة الأخيرة بل تضاربها مثل الميدان والبرلمان، الثورة والدولة. وهناك قوة ثالثة بيدها السلطة الفعلية وحق إصدار القوانين وهي المجلس العسكري. وهناك قوة رابعة محاصرة بين المطرقة والسندان، بين الميدان والبرلمان، بين البرلمان والمجلس العسكري، وهي قوة أو لا قوة الحكومة المعينة من المجلس العسكري والتي لم يختارها البرلمان الذي اختاره الشعب. وهناك قوة خامسة هي قوة المجلس الاستشاري وهي قوة معنوية استرشادية لا سلطة لها علي المجلس العسكري ولا الحكومة. وهناك قوة سادسة غير منظورة، قوة الرئيس الذي لم يتم انتخابه بعد، وقوة الدستور الذي لم يتم وضعه بعد، وقوة القضاء والتي تحتاج إلي سلطة تنفيذية تنفذ أحكامه مثل الحد الأدني للأجور الذي لم ينفذ بعد بالرغم من صدور حكم قضائي به، ألف ومائتا جنيه. ثم ظهرت قوي خفية، اللعب الخفي، هذا الأسبوع وراء الحوادث الأخيرة في استاد بورسعيد واستاد القاهرة ثم امتدادها إلي باقي المدن المصرية، والتركيز أمام وزارة الداخلية باعتبارها هي المسئولة عن عشرات الشهداء ومئات الجرحي. وهي قوة الثورة المضادة التي استعدت خلال عام حتي تبدأ في عيد الثورة الأول بعد أن أُخذت علي غرة يوم انطلاق الثورة، وهزمت فيما يسمي موقعة الجمل. وهي ليست مؤامرة خارجية كما تفسر عادة الحركات الاجتماعية والسياسية المناهضة للنظام القائم كما يحدث الآن في تفسير الثورة السورية. بل هي قوي داخلية منظمة لديها المال من رجال الأعمال ولديها القيادة من داخل سجن طرة والمستشفي الأمريكي في طريق الإسماعيلية. ولديها الرجال، رجال الحزب الوطني المنحل والذي مازال متغلغلا في أجهزة الدولة خاصة الشرطة وأجهزة الأمن الذين استفادوا من النظام، سلطة وثروة. لقد جربت العنف عدة مرات ولم يؤاخذها أحد، قطع الطريق، الاستيلاء علي العربات، السطو علي البنوك، دهم الشقق المغلقة في المدن الجديدة لزعزعة الأمن والاستقرار، وربط ذلك بالثورة. لقد فاجأتهم الثورة منذ عام دون أن يستعدوا لها. والنموذج السوري اليمني يشجع علي مواجهة الثوار بالسلاح حتي يتم القضاء عليهم أو الاستسلام. والجامعة العربية مكتوفة الأيدي، ومجلس الأمن يعبر عن ميزان القوي الدولية ويُواجه أي قرار بالفيتو السوفيتي والصيني لمصالحهما مع النظام. لقد فقد النظام السابق السلطة والثروة في أقل من ثلاثة أسابيع. وتحول من القصر إلي المعتقل. وهو الآن يعود بعد عام بعد أن مر الاحتفال بسلام سواء بالنصر أو باستكمال أهداف الثورة. وهو الآن يعود للانتقام بعد أن نظم صفوفه. وكانت حوادث بورسعيد مجرد الشرارة الأولي. أُعد لها جيدا. غاب المحافظ. وغاب مدير الأمن. ودخل الجمهور بلا تفتيش حتي تدخل الأسلحة البيضاء، السيوف والسكاكين والمطاوي، والعصي. وأغلق الباب حتي لا يهرب الجمهور. وأطفأت الأنوار حتي لا يري أحد من يقتل من. وبدأت المذبحة. وكانت إشارة البدء لحرق استاد القاهرة حتي يثور الشباب، وتتدخل بلطجية الحزب المنحل والمأجورون. ويقع مزيد من القتلي والجرحي. وتمتد نار بورسعيد إلي باقي المدن. ويتحول التحزب للأندية إلي صراع سياسي. وتشيع الفوضي فلا يعرف الشعب من هو الثائر. وتستمر أحداث ماسبيرو ومحمد محمود والشيخ ريحان ووزارة الداخلية حتي يأخذ المجلس العسكري موقفا لحماية مؤسسات الدولة دفاعا عن هيبتها وحماية للممتلكات العامة. فالثورة تعطيل لمصالح الناس وإراقة للدماء. ومازال التحقيق جاريا للأخذ بقصاص يناير الماضي. والآن لحق بهم شهداء آخرون الشهرين الأخيرين. ولا أحد يطالب بالقصاص لهم. فمن حق الشرطة وقوات الأمن الدفاع عن النفس. بل إن الشعب نفسه بدأ يطارد المعتصمين أمام ماسبيرو مرة من ناحية بولاق ومرة أخري من ناحية وكالة البلح لأن الثورة تعطيل للمصالح، وإيقاف للمواصلات، وغلق للمحلات، وإيقاف للتعامل التجاري، وخسارة للملايين في البورصة. ومما شجع الثورة المضادة علي تجميع قواها تباطؤ المجلس العسكري في تحقيق أهداف الثورة لدرجة شك الثوار في نواياه. هل هو مع الثورة أم مع النظام السابق؟ هل له وجهان: وجه مع الثورة بدليل حمايتها حين اندلاعها، ووجه مع النظام السابق بدليل عدم استكمال تحقيق أهدافها، وبطء المحاكمات لرموز النظام السابق وعلي رأسهم الرئيس المخلوع ووزير الداخلية وأعوانه، والاصطدام بالثوار في ماسبيرو ومحمد محمود والشيخ ريحان والداخلية، والتباطؤ في تسليم السلطة للمدنيين، وشغل الناس بانتخابات مجلس الشعب ثم مجلس الشوري ثم بالرئيس أولا أم الدستور أولا. ثم بلجنة وضع الدستور. وقد تقع حوادث بعد استقواء الثورة المضادة تجعله يمد الفترة الانتقالية بعد آخر يونيو حرصا علي الأمن والاستقرار كما مدها من قبل من ستة أشهر إلي عام ونصف لاستكمال خطوات التحول الديموقراطي. لم يعد أحد قادر علي التفرقة بين الثوار والبلطجية، شبيحة مصر، بين الشباب الثائر والمندسين المأجورين من النظام السابق. يدفعون إلي الحد الأقصي من الغضب بالاعتداء علي الشرطة وأجهزة الأمن وحرق المباني العامة والتحول من المظاهرات السلمية إلي العنف المسلح حتي تستعمل الشرطة السلاح، عنفا بعنف، وحتي يتدخل الجيش. وتزداد المسافة بينه وبين الثورة. وينتهي شعار “الجيش والشعب إيد واحدة” إلي شعار “يسقط يسقط حكم العسكر”. وقد يصطدم الثوار بجماهير الشعب التي لا تري الحكمة في استمرار التظاهرات والاعتصامات وتعطيل مصالح الناس، ومراحل التحول الديموقراطي تسير سيرا حثيثا من انتخابات مجلس الشعب إلي انتخابات مجلس الشوري إلي انتخابات الرئاسة إلي وضع الدستور، وتسليم الجيش السلطة إلي المدنيين، والعودة الآمنة إلي الثكنات بعد أداء دوره في المحافظة علي الثورة في البداية وحمايتها حتي النهاية بالرغم من الشكوك حوله، والاتهامات ضده، واستمرار الشهداء في السقوط.
إن ما قامت به الثورة المضادة في عيد الثورة الأول إنما هو بداية الهجوم المضاد علي الثورة وإعلان الحرب عليها مادامت الثورة لا تحمي نفسها ولا تجد من يحميها إلا الشباب الذي يواجه بصدوره النار. ولا يعبأ بالموت ويطلب الشهادة. وقد يحدث الانقلاب علي الثورة من المجلس العسكري نفسه الذي فوضه الرئيس المخلوع سلطاته ومازال متمسكا بها بدعوي الحفاظ علي الأمن والاستقرار. ولو كان راغبا في السلطة لقام بانقلاب علي الرئيس المخلوع وأخذها وأصبح السلطة الشرعية في البلاد. وقد تحدث من الجيش نفسه بعد أن ضاق ذرعا بالجميع، الميدان والبرلمان والمجلس العسكري والحكومة والقضاء. والبرلمان مشغول باللجان ورئاستها، والسلطة وممارستها. ويتشتت الثوار بين مختلف التيارات خاصة تلك التي لم تحصل علي شيء في النهاية بالرغم من أنهم هم الذين قاموا بالثورة في البداية. ويمل الشعب كل هذه الفوضي التي لم تحقق أهداف الثورة والتي أصبحت بديلا عن الأمن والاستقرار. بل قد يمل الثوار أنفسهم فكل نار تنطفئ في النهاية:
والنار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله
لذلك علي الثورة أن تنقذ نفسها بنفسها. وتحمي نفسها بنفسها مثل الثورة السورية التي لم تنفعها قرارات الجامعة العربية ولا قرارات مجلس الأمن. تخلص نفسها من البلطجية وممن يريدون تحويلها من ثورة سلمية إلي ثورة مسلحة. توقع البلاد في حرب أهلية، تسفك مزيدا من دماء الشهداء. تستكمل انتخاب الرئيس، ووضع الدستور. وتستلم الحكم من المجلس العسكري. وتشكل حكومتها من البرلمان والميدان معا، من البدن والروح. وتطهر نفسها من العناصر الدخيلة، من فلول النظام السابق وعناصر الثورة المضادة. تستكمل تحقيق أهداف الثورة بإيقاع أسرع حتي تحافظ علي نفسها، وثقة الناس بها. فالتاريخ معها. وإنما بقاء الباطل في غيبة الحق عنه. »وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ«.
/2/2012 Issue 4128 – Date 21- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4128 – التاريخ 21/2/2012
AZP07

















