من ذكريات الحرب
الكل في ركب الضحايا
تمر بالانسان حوادث كثيرة ومنوعة في حياة الانسان بمرور الأيام والسنين منها ينسى والأخر يبقى عالقاً في الذاكرة…
ذهبت الى الخدمة الألزامية كما ذهب الأخرون وحسب القوانين المعمول بها منذ تأسيس الدولة العراقية..
سوء الحظ كانت أبان الحرب العراقية الايرانية بعد تدريب مكثف تم نقلي الى جبهة البصرة/ الفيلق الثالث في حينها…
أعود مرة اخرى للحوادث والمفارقات والطرائف التي مرت بي اثناء الخدمة..
ليس من السهولة والبساطة ان تختزل هذه السنوات بأسطر قليلة ايام وليال صعبة مرت بي منها محزن ومنها مفرح.
لكن هناك حوادث لا تنسى بسهولة طبعت بذاكرة الانسان العجيبة.
كانت حرباً شرسة وطويلة جداً ساهم الكثير بأشعالها وادامتها وكما هو معروف الحرب فيها فوائد ومنافع اقتصادية لذلك كانت دول كثيرة حريــــــــصة جداً على ادامتها في الوقـــــــت الحالي نفس الحالة كافة الحروب القــــائمة في البلدان العربية بين ابناء البلد الواحد وهذا الخراب الحاصــــل ودماء الأبرياء كثير من الدولة لها مصلحة في ذلك على سبيل المثال تصريف أكداس العتاد ومستلزمات وصيانة الماكنة الحربية في الأقتصاد ودورة جديدة لتشغيل المصانع وتوظيف الايدي العاملة بالتالي زيادة الناتج القومي ورفاهية البلدان.
أثناء فترات الاستراحة كنت استمع الى الراديو أحب سماع الأغاني الريفية لكبار مطربي العراق/ داخل حسن. حضيري ابو عزيز كذلك الريفيات/ زهور حسين. وحيدة خليل وغيرهم.
كان يطربني من الجيل اللاحق المرحوم رياض أحمد اعتبره عصارة وخلاصة الفن الريفي العراقي بكل اطواره الغنائية.
كان معي في الوحدة العسكرية جندي صديقي في اوقات الفراغ.
قال لي تستمع لرياض كثيراً؟
قلت له يعجبني صوته الشجي والحنون والحزين واطواره الريفية المذهلة. قال انا ابن عمه هو من مواليد التنومة المعروف رسمياً بقضاء شط العرب كنا نخرج للعمل عمال طين بالمناسبة القرى والارياف لرخص أسعار البناء بالطين فأنه مرغوب وفيه مزايا كثيرة وهذه معكوسة على حضارة العراق كان بناؤها من الطين فلم يبق فيه الكثير عكس الحضارات الأخرى مثل مصر صخرية بقيت شاخصة حضارة العراق تلاشت وأندشرت لانها طينية…
يقول كان المرحوم رياض يغني أثناء العمل ونحن نطرب له ولا نشعر بوقت او تعب العمل..
يوماً ما قال له رب العمل..
يا عبد الرضا وهذا اسمه الحقيقي انت في الصالحية في بغداد مكانك وليس هنا ويقصد الأذاعة والتلفزيون نعود للحوادث التي ظلت عالقة في ذهني رغم مرور السنوات.
يوم الالتحاق لا ينسى يوم حزين جداً اذهب الى كراج النهضة ولا يوجد وقت محدد متغيرة دائماً أحياناً نصعد بسيارات الريم.
صنع عراقي. معامل الإسكندرية المعطلة الأن قسراً وفيها اعداد هائلة من الأيدي العاملة ذات خبرات عالية..
واحياناً بسيارات التموين والنقل مجاناً..\العجيب عندما تحتاج الدولة الأفراد لا تبخل عليهم لديمومة مصلحتها.
أحياناً لا توجد سيارات كنا نعاني لأننا محددون بمواعيد صارمة لا تساهل فيها التأخير عقوبتها السجن..
كل يبحث عن مقعد يستريح به لأن المسافة طويلة من بغداد الى البصرة والوقت طويل تحصل حالات دهس في الكراج..
نصعد الى السيارة بعد الجلوس كثيرة من الجنود ينامون قسراً النائم يحلم بأيام الأجازة التي تبخرت بسرعة.
الكل فاقد الامل بالحياة لا يعرف ان كان يعود ام لا؟
قسم أخروهم قلة لا يبالي بأي شيء تراه طبيعياً.
بالمناسبة الأوقات القاسية تكشف الأنسان وقوته وما يحمل من اخلاق ومثل عند المحنة.
كنا نعاني كثيراً المفارقات التي لا تنسى هناك توقفات استراحة في الطريق.
توجد بائعات قيمر وجبن جميلات تجد الجندي يذهب اليهن يطفي ظمأ وألم الالتحاق بالحديث معهن حول النساء وأحياناً قراءة الكف والمستقبل وحصلت بواسطتهن زيجات.
الاجازات كانت معدل (5) أيام وحسب الظروف.
وتغلق الاجازات في المعارك الشديدة وهنا تحصل مأساة للعوائل حيث لا توجد اتصالات مثل الأن…
تجد العوائل تسأل عن أولادها في دور استراحة معدة سلفاً للجنود.
هذه الحرب كانت في فترة الشباب خرج منها معاق نفسياً وآخر جسدياً وأخر غادر الحياة..
حيث الجنود أعزاء عند عوائلهم ومع الأسف أذلاء عند الدولة وكأنهم عبيد…
نصل الى وحداتنا بعد العناء الشديد ننتظر إخواننا الذين استحقت أجازتهم بفارغ الصبر.
هذا اليوم كئيب وسعيد في آن واحد.
للمغادرين سعيد للعائد كئيب.
نذهب الى قاعات المنام في غاية الحزن ولا أبالغ أذا قلت تحتوينا كافة الامراض النفسية.
كأبة. خوف. قلق. احباط وكيف لا ونحن في واحدة من أطول الحروب في التاريخ مفارقات لا تنسى كان أحد الجنود (دفان موتى) في المعارك الشديدة يكون فيها قتلى كثيرون كان يتألم لعدم وجوده في المقابر يقول هذا رزق وكانه خالد أبد الدهر…
من الجنود من لا يتحمل المشقة والصعوبة كان يطلق الرصاص على نفسه يعوق نفسه.
القاسم المشترك بين الجميع معاناة ترك الزوجة والأطفال/ او الخطيبة/ او من هوت نفسه فتاة.
لا توجد عبارات أصف فيها معاناة الأنسان…
لقد قتل الأنسان وهو حي سحقت المشاعر والأحاسيس والعواطف.
من حسنات العسكرية تدرب الأنسان على تحمل المصاعب..
هناك نقطة أخرى كانت تجمع كافة أطياف المجتمع العراقي من شمال العراق الى جنوبه حتى ان الاكراد تعلموا اللغة العربية وأيضاً حصلت وشائج وروابط بين الكردي والعربي السني والشيعي المسيحي والمسلم ولصابئي والأيزيدي الذين فرقهم الاحتلال الأمريكي القبيح.
الكل كان في بودقة واحدة تربطهم الأنسانية.
هناك مشكلة الوشاة في العسكرية وهي نفسها (المخبر السري) الآن والوشاة سببوا كوارث لكثير من الجنود من أعدام الى سجن.
قسم منهم عوقب لأنه تناول الطعام على جريدة الدولة الرسمية.
مفارقة حصلت يوم 8/8/1988 حينما وافقت ايران على وقف اطلاق النار… ترك أحد الجنود موضعه في الجبهة خالعاً ملابسه كلياً بحالة من الهستريا يركض باتجاه البصرة بشكل جنوني..
فقد توازنه وأختل عقله لم يصدق..
بعد وقف أطلاق النار أعطيت الأوامر للوحدات بجلب فرق نسائية راقصة لمدة اسبوع مساء كل يوم..
لا اعرف كيف أعبراو اكتب عن الذي شاهدته وعن المهازل التي حصلت.
أنسان محروم وعطشان الى الجنس.
يؤتن اليه براقصات شبه عاريات.
وحصلت مشاكل بسببهن وبدأت الأقدام الشابة تكتب التقارير..
هناك الكثير من المفارقات في تطبيق القوانين البعض يطبق عليه القانون بالمسطرة وأخرين يقفزون على القانون بالواسطة او فلا قانون عليهم. هناك رواية ظلت عالقة في ذهني اثناء الحرب سقطت طائرة طيار في ارض القتال تم تكليف مفرزة لجلبه من ارض القتال.
فعلاً نجحت المفرزة بجلب جثته بعد نجاح المفرزة طلب رفع الاسماء للمراجع للمكافأة…
تم تغيير الاسماء حصل اناس لا علاقة لهم بتكريم جيد..
وحسب ما سمعت من الرواة طلب من المفرزة العودة لجلب خرائط وتعليمات مهمة..
ذهب المكرمون المزيفون قتلوا جميعاً…
ان الذي يؤسف له هو اعدام النخيل في البصرة بسبب الحرب…
وتلف المساحات الشاسعة من الاراضي المثمرة بالخضرة والفواكه..
الذي لا انساه طيبة اهل البصرة واحتضانهم للجنود وبشكل لا يوصف البصرة مدينة جرت عليها حروب وكوارث دمرتها مع الاسف الشديد.
هذا باختصار شديد جداً ما حفظته الذاكرة عن السنوات التي قضيتها في البصرة.
ولو اردنا ان نعطي حق هذه المدة نحتاج الى مجلدات ضخمة لها اول وليس لها اخر…
حفظ الله البصرة واهلها…
رحيم أحمد قادر – بغداد























