
هل يصلح العراق للإحتراف الأدبي؟
الكتابة مهنة لنجيب محفوظ وشوقي كريم حسن – رزاق ابراهيم حسن
في ندوة عقدت في مقر الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق احتفاء بالقاص والروائي شوقي كريم حسن، جرى الحديث عن الاحتراف الادبي، وذكر بعض المتحدثين في الندوة ان شوقي كريم حسن يمكن ان يكون انموذجا للاحتراف الادبي في العراق ذلك انه لم يعمل في مؤسسة معينة، من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وهو مستقل عن الاحزاب والقوى السياسية كما انه حاول في جميع نتاجاته ان لا يكون محسوبا على حزب معين او سلطة معينة رغم ان العراق يعاني منذ سنوات كثيرة كثرة وتعدد السلطات واختلافها عن بعضها بعضا فضلا عن ذلك فان شوقي كريم حسن من الكتاب الذين كتبوا عن موضوعات تعدها الاحزاب والقوى السياسية مناطق محرمة مثل الهتلية والشروكية وغيرها من المفردات الدالة على ان الظروف الحالية لا تشجع على المطالبة بتبلور احتراف ادبي معين وان الاحتراف يتطلب وجود حرية تامة غير منقوصة وغير معرضة للتشوهات وتتطلب اضافة الى ذلك وجود جمهور قارئ وجمهور مواكب لكل النتاجات والفعاليات السينمائية والتشكيلية والمسرحية الخ.. ومع ان الحرية التي تمارس في العراق تمنع وجود كتاب مستقلين وباحثين مستقلين لان ذلك لا يمنع تعرضهم الى التهديد والقتل لذا طغت على السطح اوضاع معينة من واقع وتاريخ العراق والوطن العربي الذي يحول بين الادباء والباحثين وبين الاحتراف الثقافي. ان الكثير من الادباء والباحثين العرب فضلوا السفر الى الدول الاوربية لانها هيأت لهم ولغيرهم من ابناء هذه الدول بيئة ثقافية لا وجود للمحرمات فيها باغلبية انواعها واكثرها تأثيرا على القارئ وازالت كل المعوقات امام الكاتب والباحث عن غير موضوعة وما يتطلب من معلومات وبحث ووجهات نظر وهو لا يقع السلطة ومخاوفها امام عينيه في كل الاحوال. ولذلك برزت الاتجاهات الاجتماعية والتجديد المتواصل في الادب الاوربي فيما تغلبت الاتجاهات السياسية على الادب العربي، اذ يقف طويلا امام التاريخ السياسي وتلاحقه الهواجس السياسية في مختلف مراحل عمله. ان انشاء وترسيخ الاحتراف الادبي في الوطن العربي لا تحصل لرغبة او بفراغ السياسة وهي تحتاج الى تغيير سياسي يتبلور دون دماء وعمليات عنف، ودون اعتقال من احد لدوره السياسي ولدفاعه عن الديمقراطية، حيث يأتي الاحتراف هادئا منتجا مؤثرا فاعلا جامعا بين اغلب الروائيين والباحثين والكتاب في ظروف ديمقراطية يسودها السلام وحب الوطن واحترام المبدعين من الادباء والباحثين ذلك ان ولادة الاحتراف بعد حقب وسنوات من القتال والخطف والاقصاء يؤدي الى ما هو معاكس لمبادئ الاحتراف الادبي ويجعل الساحة مفتوحة امام الارهاب والقتل والفساد وهل من الاحتراف الادبي ان تلجأ السلطة الى تعيين وتفريغ ادباء وباحثين لكتابة بعض الاعمال الادبية والثقافية ولا يقع ضمن الاحتراف تكليف ادباء وباحثين لمهمات واعمال مؤقتة وليس من الاحتراف لجوء سلطة الى منح ادباء وباحثين القابا تترتب عليها بعض الامتيازات الوظيفية والمادية، ولان الاحتراف يعني اعتماد المحترف على اعماله في توفير لقمة العيش له ولابنائه ويمكنه عند توفر بيئة مناسبة ان يلتقي بشكل مباشر بالقراء وان يشجعهم على اقتناء ونشر نتاجاته وباستطاعته ان يقم ندوات ومناقشات مع القراء بشأن هذه النتاجات اي من حق الباحث او الاديب ان يعارض السلطة معارضة جذرية وان تكون الابواب مفتوحة مع الناس ويحرضهم على نقد السلطة حسب ما تدل عليه المعارضة من معلومات وافكار معينة ويمكن القول ان الارقام المرتفعة التي تقدمها وسائل الاعلام عن مبيعات الكثير من البلدان الاوربية انما ترجع الى اعتماد الاحتراف الادبي والثقافي في تلك الدول ووجود علاقات مباشرة بين القراء والمبدعين وقيام الادباء باصدار نتاجات ذات سمات ابداعية فيما يرجع الارقام القليلة للمبيعات في الوطن العربي الى انعدام الحرية والصلة بين القارئ والكاتب وعزوف القراء عن متابعة النتاج الذي اصبح يطبع دون توزيع ويوزع على الاصدقاء وهو توزيع محدود والاديب هو الذي يتكفل بطبع نتاجه الامر الذي يجعل هذا النتاج بعيدا عن الاحتراف وغير صالح لاقامة بيئة ثقافية تمهد لتجربة او تجارب في اقامة الاحتراف فلكي يكون محترفا ينبغي ان يكون مستقلا وتشتغل على مستلزمات وجودك من عملك الابداعي او ليس الابداع عملا وما تقدم من نتاجات ويعني ذلك ان تمتلك تجارب في الحوار مع القراء وان تدفعهم الى تقوية مواقف واتجاهات من خلال عملك الادبي والثقافي. ان الاحتراف يضع الاديب والباحث في مواجهة مباشرة مع عمله، فلكي يعيش ويكتب فان عليه ان يبدع وان يلبي رغبات قرائه الذين ينتظرون ما يكتب ويبدع وعلى امل ان تكون المقارنة قائمة بين هذا النتاج ونتاج غيره من الباحثين والادباء وتكوين حلقات والحوار من خلال هؤلاء القراء المثقفين. واذا كانت البلدان الاوربية قد رسخت تجربة الاحتراف وعززت في الادباء السمة الاستقلالية فان الوطن العربي يشهد انتكاسة في هذه التوجهات ويشهد تراكم وكثرة المعوقات التي تحول دون نشوء تجربة في الاحتراف الادبي ويرى بعض اادباء والنقاد ان بروز شخصيات في الاحتراف مثل نجيب محفوظ وشوقي كريم حسن يشجع على ولادة احترافات فردية اخرى ولكنه احتراف محدود او يقتصر على واحد او اثنين من الادباء من الذين يكتبون اعمالهم باستقلالية ودون الانتظام الى اية وظيفة حكومية او غير حكومية، كما يرى البعض ان الاحتراف الادبي ممكن في هذه الظروف التي يعيشها الوطن العربي ذلك بتجنبه الصراع مع السلطة وخوض المعارك ضدها او نقدها من خلال الكتابة، ومن خلال نماذج معينة من المثابات والرموز وهذا ما حققه نجيب محفوظ في بعض نتاجاته، كما ان هذا الكاتب الكبير له من الاسم والمكانة ما يحول دون السلطات على اعتقاله والتدخل في شؤونه. ويمكن القول: ان لدينا كتابا وادباء اخرين يقفون على بوابة الاحتراف مثل عادل كاظم وفؤاد التكرلي ومحمد خضير وغيرهم وهم مؤهلون لبناء تربة متميزة في الاحتراف الادبي حتى وان كان بعضهم من الاموات وينبغي في الاحتراف لا يلغي الادباء والكتاب المتوفين السابقين وانما يعزز من مكانتهم ودورهم في الحرية والدفاع عن الوطن والكلمة المبدعة والدالة فالكثير من الادباء السابقين كتبوا عن الحرية دون الدخول في تفاصيل هذا الموضوع وهم بحاجة الى من يكشف عن نواياهم الحقيقية، وعن دورهم في التمهيد لمراحل اكثر تطورا باتجاه الحرية والديمقراطية وينبغي الاشارة الى ان طموح الادباء والكتاب العراقيين ممتاز جيد ويتواصل اذ يطمح اغلبهم الى التقاعد والتفرغ للادب وممارسة البداية على الاحتراف الذي يمكن ان يمهد للاحتراف الكبير الذي يجمع غالبية الادباء والانصراف الكلي للكتابة ويمكن للادباء والكتاب ان يعملوا في الوظائف الحكومية على ان لا ينسوا نتاجاتهم منها سياسيا وايديولوجيا وذلك تناقض مع مفهوم الاحتراف الذي يطبق التفرغ التام للاديب واهتمامه بما يصلح وذلك يجعل الاحتراف ضعيفا.























