القفلة المدهشة في القصة القصيرة –  حميد الحريزي

مجموعة شيزوفرينا لعبد الله الميالي أنموذجاً

القفلة المدهشة في القصة القصيرة –  حميد الحريزي

ماهي القصة القصيرة

القصة القصيرة  سرد نثري  موجز ومكثف ، يتوفر على حكاية مختزلة  لاتحتمل تعدد الشخصيات  والحوارات الطويلة ، تتطلب  مقدمة وبؤرة  وخاتمة ، مفتوحة ومغلقة ، تتطلب رشاقة المفردة وسعة الخيال ، وخفة الحركة ، وتماسك الحبكة ووحدة الموضوع .

وبخصوص الخاتمة نرى ان الخاتمة الصادمة  ، او القفلة المدهشة   نرى انها  ملح القصة القصيرة  وملاحتها  ، وقوة السحر والجذب  لهذا  الجنس الادبي  ،   وقد اخترنا   عددا من  قصص مجموعة  شيزو فرينيا للقاص   عبد الله الميالي نموذجا   للنهاية الصادمة  والقفلة  المفاجأة.

شيزو فرينيا \

ومصطلح الشيزوفرينيا فصام العقل الذي وضعه العالم يوجين بلوفر في مطلع هذا القرن_العشرين-  والمصطلح يتكون من لفظتين هما شيزو ومعناها انقسام وتجزئة وفصام  و فرنيا  ومعناها العقل 1 -.

عنوان   المجموعة القصصية القصيرة للقاص عبد الله الميالي ، دال على متن المجموعة التي تعرض للقارئ العديد من السلوكيات والظواهر من واقع المجتمع العراقي ، من واقع المواطن العادي ومن واقع حال الحاكم  الفاسد والمستبد، وبما ان شيزوفيرينيا تعني حالة الانفصام في سلوكيات انسان لم يعد يميز بين  الواقع والوهم  وكما  تعرفها الموسوعة الحرة – ويكيبيديا:-

 هو اضطراب نفسي يتسم  بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل تمييز الواقع ، تشمل الاعراض الشائعة الوهام واضطراب الفكر، الهلوسة السمعية بالإضافة الى انخفاض المشاركة الاجتماعية والتغير العاطفي وانعدام الارادة .

المجموعة تتكون من 21 قصة قصيرة ، تدل على قدرة القاص من الامساك  بناصية  هذا الجنس الادبي المراوغ ، هذا الطائر الجميل  المغرد حكمة وجمالا وإمتاعا ، المشاكس ، الساخر ، الناقد اللاذع المضحك المبكي مما يجعل عملية ترويضه  ويمكن قلم المبدع من فهم لغته وطبيعته  والتقاط  اشاراته وإيماءاته ودلالته  ليس امرا سهلا ،  القص القصير   فنجان فكر  ينشط الفكر  ويبعث في الدماغ الرغبة والتساؤل والبحث عن حلول ، او اعطائه جرعة دافعة للتحدي ومقاومة واقع متردي او السخرية منه كما انه فنجان فكر يطرد دوامات الملل والرتابة والتقليد  في حياة الانسان …

المفاجأة الصادمة ملح وملاحة القصة القصيرة  جدا :-

 لا نريد ان نسترسل في تعريف وتوصيف القصة القصيرة  وإنما اردنا ان توقف  عند خاصية هامة  نراها ملح وملاحة هذا الجنس الادبي الا وهي  خاصية المفاجأة والقفل الصادمة التي تمتلكها هذه القصيرة الجميلة  التي   عرفها البعض بأنها غصن من شجرة الرواية .يقول انريكي اندرسون امبرت كما تتطلب الحياة منا الجهد الدؤوب لنتأقلم على تغيراتها فان القصة القصيرة تقوم بهذه المهمة البيولوجية بتدريبنا وتعليمنا على مواجهة الامور غير المتوقعة . ان شكل النهاية المفاجئة يحول دون السقوط في الروتينية بنفس الدرجة التي تحاول فيها الحياة تفادي الملل. فنحن  في حاجة الى اللعب بالإضافة الى المياه والهواء والطعام…المفاجأة تدعم قدرتنا على تجنب الطرق المعروفة والبحث عن طرق جديدة  2 .

 ففي قصة شيزوفرينيا 2 ص35. ? ياخذنا القاص عبر سرد ممتع يبدأ بجملة اسمية وصفية لحالة سكان الحي ، ومن ثم بقية الاحياء وعموم البلاد وحتى الطبقة الحاكمة العليا   حيث هيمنت على  الجميع حكاما ومحكومين ، حالة البلادة ، نمو شعر غزير ، كبر حجم الاذان ، وفقدان القدرة على الكلام الفصيح بل سادت لغة الصراخ والهمهمة ان لم نقل النهيق، والرغبة في التجوال في الشوارع ، التغوط في الاماكن العامة والخاصة دون خجل ، استطالة العضو الذكري لسكان  هذه المدينة  وهي دلالة الى ما وصل اليه المجتمع في هذا البلد من حالة تردي الوعي وفقدان  كل  ميزاته الانسانية  وميله نحو الحيونة  في كل سلوكياته ، مما اجبر السلطات الحاكمة التي هي في المضمر الدلالي المسؤولة عن هذا التدهور الخطير  الذي اعاد الانسان الى حضيرة الحيوان ،  نتيجة الكبت  ، والجوع  والافقار ، واللامبالاة ، وعدم رصد ومعالجة الظواهر السلبية الضارة بصحة الانسان وسلامته  الجسدية والعقلية …

نقول  بعد ان تحيون الناس واصبح وضعهم حديث وكالات الانباء والفضائيات في مشارق الارض ومغاربها ، مما اضطر السلطات التحري عن  السبب  …

وهنا تأتي المفاجأة التي يخبأها لنا القاص والتي   لا تخطر على بال القارئ الذي أقر عند معرفتها بان القاص قد تمكن من ايهامه وجعله  ينقب بعيدا  عن اسباب هذا التحول الخطير في سلوكيات  وأشكال الناس ، حينما يعلم السبب ان القصاب الذي كان يبيع عليهم  لمدة عشر سنوات لحم الحمير ، مما  جعلهم يستحمرون   جسدا وسلوكا .!!!

ذائقة حسية

الاشارة الهامة  الى حالة تردي الذائقة الحسية والروحية ، المادية  والفكرية  للإنسان في مثل هذا المجتمع بحيث  اخذ  يقبل على استهلاك  ما يقدم له  من  ثقافة وفكر  متخلف  ومن غذاء  مكروه  وغير مستساغ … انها حالة مسخ انسانية الانسان  في ظل  سلطات  فاسدة .

كما انن القاص يدهشنا في  مفاجئته في قفلة قصة الحذاء ص80 حيث ياخذنا  صحبة تجربة لشاب طائش ، بلغ الخمسين من العمر  وقرر التوبة  وترك المعاصي ، الابتعاد  عن حالة الهزأ واللامبالاة   لصوت المؤذن  ومواعظ خطباء الجوامع والمساجد ، فتماهى مع الاجواء الروحانية وقدسية الاجواء  عند اداء  مراسيم الصلاة والشعائر في الجامع ، حتى انه   امتنع من مغادرة الجامع بعد اكتمال الصلاة وسماع خطبة الشيخ وهو دامع العينين تهجدا وتوبة  رغبة  منه في التخلص من من كل ذنوبه الماضية ، يقنعه صديقه عبد التواب بالمغادرة  …

وهنا تأتي المفاجأة الصادمة  حيث لا يجد المؤمن التائب السعيد  حذائه  الجديد ، فقد سرقه  احد اخوانهالمؤمنين  ممن كانوا في الجامع  رمق السماء معاتبا  وقد نزلت دمعتي :

 ثلاثون سنة وأنا ارتاد بيوت الشياطين لم تسرق حذائي!

نظن لا حاجة بنا للتعليق والتعقيب حول دلالة هذه القصة  وقفلتها الصادمة والمدهشة .

المدهش المحزن في  قصة رائحة التفاح ص18 ? فالأم الكردية الهاربة من غازات الخردل  ، كل همها انقاذ طفلتها  حاملتها على ظهرها، ولكنها  حينما وصلت منطقة الأمان ، وتنفست الصعداء على الحدود الايرانية العراقية ، فأرادت ان تتفقد  طفلتها ، ولكنها تفاجأ  بوجود لعبة طفلتها  ولا وجود  لطفلتها ، مفاجأة  مؤلمة  محزنة   ومدهشة!

هناك قصص اخرى  ضمن المجموعة للقاص  تمتاز بالقفلة المفاجئة  ، كما في  ولي صالح ، يوميات عراقي ، نذالة ، الخطيئة ، المقابلة الاخيرة ، بلا وداع …

نشهد ان القاص عبدالله الميالي   وفر لنا متعة كبيرة  وأدهشنا  بقفلاته  الصادمة  .

1- الدكتور علي كمال – فصام العقل او الشزوفرينا – دار واسط للدراسات  والنشر ط1 1987 م ص21.

2- ص225 القصة القصيرة – النظرية والتقنية- ترجمة : علي ابراهيم منوفي . مراجعة :صلاح فضل – المشروع القومي للترجمة  ط.1 2000.