الفنان منير حنون يقدم لوحات بأسباب مجتمعية جديدة

1

الفنان منير حنون يقدم لوحات بأسباب مجتمعية جديدة

جذور الإغتراب وإحتدام الصراع نحو التحولات

ماضي حسن

قبل البد بالكتابة عن الفنان منير حنون تحاورت مع نفسي بسؤال : هل ان الغوص في أعماق هذا الفنان , وسبر اغواره المبطنة بمديد من التناحرات التي افرزتها متلاطمات الحياة قبل وبعد الهجرة ؟ اقول هل يحتاج كما يفعله الممثل لمستوى تقمص شخصية المناط به للوصول الى مستوى التعبير عن الشخصية التي يكلف ببيان اعماقها , وفحواها .. وجدت الاجابة حالا بالرفض لذلك الاختيار المكلف أي التقمص المفترض .. لسببين :الأول , ان الفنان تزامن مع مسيرتنا الحياتية ضمن عقود السبعينيات والثمانينيات وما بعدها ..

ثانيا , والاهم التقاء اتجاهاته المبدئية العامة التي اتسم بها المتمردون على واقعهم المزرى الذي ينكشف ببصيرة أصحاب الوعي , وبسببها تدفع الاثمان غالية , تصل الى درجة الحياة , او الهجرة , او المتاعب المتوالية , رافضا ارتداء جلد الوقاية والاختفاء للتعايش مع واقع الحال لنيل المكاسب على حساب المبادئ الإنسانية , فضلا عن تجربتي المشتركة بواقع الغربة , لقد تأملت كثيرا واقع هذا الفنان بمسيرته التي تماحكت مع احداثها التراجيدية , تأمل , تتوازن فيه المسيرة مع صيغة الإنتاج التعبيري لفنه المفعم بالثراء والعطاء الخاضع الى التجريب .. انه صراع دائم محتدم , وكانه شعور يتلاوى مع مواد الخام والوسائل المتعددة ومنها الخبرة لكي تشفي غليله الساخن , يزداد سخونة وحدة بغربته التي تطرح عليه الأسئلة المتوالية بسبب هجرته , ولماذا لم يكن عطاؤه من والى بلد ولادته بأجوائها وتراثها الحضاري وحتى الميثولوجي منها , تلك الأسئلة التي نجيب عليها معا مع الفنان القدير منير حنون بان الهجرة من موطن الولادة ليس تعاليا او استدارة القفاء له بكل شيء , انما هو البحث عن أجواء السكينة الامنة للإنتاج والدور الذي يتطلب توافره, بما لا تتوافر حتى في الوجود الشرعي للحياة .. ولكن هنا يتراكم الصراع مرة أخرى وبإضافة جديدة لعمق الصراع السابق … ينعكس ذلك جليا في اعماله كما لمسناه واضحا .. وغربة الفنان الحقيقي والاديب والباحث والعالم تبدء منذ الولادة عندما لا تتوافر له الأجواء والفهم المتبادل لمستوى العطاء هذا اذا كان الامر طبيعيا , ولكن الأمور تتفاقم وتزداد حدة عندما يأخذ مستوى من الصراعات المتضادة لقيم إنتاجه , عند اذ , تتأسس مراحل الاغتراب ومن الموطن الى حياته اللاحقة .. والامر يزداد شعورا عندما يتكاثف الوعي والادراك الذي تتسم به شخصيات هذا الوسط الثقافية , ولكن المشكلة تكمن هنا , ان الصراع يزداد ويتفاقم بمقدار الوعي وقوة الارتباط , بسبب ان ازدياد قوة الادراك للمحيط تتعادل معه طرديا مقادير الرفض والتوق الى بدائل التفضل , لذلك فان عملية المتضادات في الصراعات تزداد سخونة عند عقليات الوعي والادراك الذي ينتج التحليل والفهم ثم المقارنة للواقع المرئي ثم الاستنتاج … وبعد حين اذ تتوالى عملية التوق للبدائل في مناخات غير ملائمة تتعارض مع اتجاهات منظومة التخلف والمصالح … بهذه الروحية تتجسد أفكار الفنان منير بشير منذ السبعينيات , وما تلاها من احداث المت به الى المغادرة عام 1974الى إيطاليا لغرض دراسة الفن , ومن أولى الاحتدامات التي واجهها , هي حرمانه حتى من قبوله باختصاصه الروحي والمعرفي , وهو الفن التشكيلي في معهد الفنون وبعدها تكرر الرفض في اكاديمية الفنون الجميلة , وكما حصل لغيره بعدم توافر شروط المفترضات القسرية .. كالتوافق بالانتماء والاتجاه الفكري , في الوقت الذي يفترض فيه ان يكون الفن والعلم ملك المواطنة في الجذور , وليس بالاصطفافات الكتلوية والتحربية , ومن اسوأ ما يكون عندما يسري الحال الى الوقت الحاضر , تلك النزاعات بين أوجه الابداع والمواهب وبين الطرق الضيقة المعسكرة , شكلت لدى الفنان المبدع منير حنون زخما من الطاقة الانفعالية للشعور بواقع حرمان الحقوق الطبيعية الانسانية للتعبير والتواصل , حملها غيضا مع رحيله في الثمانينيات بعد ان عاد للعراق من ايطالي بعد سنتين من مغادرته , ومنع من السفر لزجه في اداء الخدمة العسكرية , بعدها اتيحت له الفرصة للسفر عام 1980 واستقر في اسبانيا , كانت رحلته هي الدراسة بالاتجاه الذي انتاب حياته منذ الطفولة عندما كان يتصفح رسومات القراءة الخلدونية وما تلاها من مراحل مليئة بلحظات تؤرقه من الركون الى السكينة , انه هاجس البحث عن تفريغ شحنات القلق الابداعي الذي يتصف به الباحثون عن الابداع , ولكن هذه الرحلة الدراسية تحولت الى استقرار ابدي , واجه فيه متاعب وبذل الطاقة القصوى لتاكيد الذات , في بلد يتنافس مع ابنائه , الا ان الاصرار ومستوى الكفاءة الناتجة من الممارسة المضنية اثبتت وترسخت بجدارة في محيطه الجديد من خلال نيله للجوائز واختيار اعماله في المتحف بمدريد .. وكان له اول معرضه عام 1984 . لقد كان معرضه متزامنا مع التحول الذي حصل للنظام السياسي في اسبانيا من مرحلة الدكتاتورية الى مرحلة الانفتاح والحرية .. لذلك كانت اعمال الفنان منير حنون هي تعبير عن حالة التذمر والاستياء من نظام دكتاتوري جاثم على المجتمع الاسباني الذي تعايش معه وادرك حالته كموطن بديل .. ترابطت تلك الافكار والحماسات بماضيه , وبما لمسه وتعايش معه في سنوات النشئ والتاسيس الذي تصدعت على جدرانه طموحات البناء والحماس الوجداني والفني , تماثلت تلك الاعمال بما تجيش بها فورات النفس من وجع الامس واثار التخلف في موطنه الجديد الذي اوصفه الفنان منير باسوأ من مرحلة سبعينيات العراق , لقد تمثلت تلك الاعمال بتجسيد نحتي لشخصية الدكتاتور مقذوف ومغروس راسه في حضن التواليت , بملابسه الانيقة , ينغمر الراس مدفونا فيها , ينازع سوء المصير , والتلميح بالايادي للخلاص مما حل به .. وفي عمل اخر بالرليف تلوح يدين تمزقان كفن القيود من سلطة الهيمنة , وقد استخدم الفنان كتل ووحدات تكوينية داكنة تتداخل مع تلك الاعمال النحتية , وهي مزاوجة شكلانية من انماط التنفيذ الحداثوي , كانت تلك المواد المستخدمة متنوعة مع  الفايبر كلاس , والتي تم تنفيذها بتقنية واداء عالي المستوى, جسد التعبير بالاثارة والانشداد نحو الاعمال , وقد تراوحت بين الرليف والمدور , اي الجمع بين تقنيات الكرافيك والعمل النحتي . لقد حقق معرضه الاول في اسبانيا اهمية كبرى في تجسيد الاسس لمسيرته الابداعية هناك لما حققه من اصداء عالية دعته كثير من الموءسسات الفنية , والتعرف على كبار الفنانين , والامر ناتج لسببين   الاول  القدرات المتميزة في التنفيذ الادائي للاعمال سواء في تزاوج الخامات او في امكانية القوة التعبيرية لهما , ثانيا توافق الهاجس الفكري مع الاهداف والمضامين التي تعاضدت مع المشتركين والمتلقين بعد الدخول في مرحلة سياسية جديدة والشعور بنشوة الخلاص من مرحلة رفضها المجتمع الاسباني . و كما ذكرت انفا ان تلك الاتجاهات الحماسية التي انجزها الفنان لم تكن وليدة مسببات مجتمعية جديدة , بل هي شعور واع وادراك متراكم يكمن عنده , وعند اصحاب متبني قضايا مجتمعاتهم بالحس الوطني المخلص .. اينما حلوا , واستوطنوا .

  مراحل .. وتحولات

في مرحلة السبعينيات هنالك مرحلتين , او نمطين من الاتجاه الاسلوبي مرحلة فولكلورية تراثية , ومرحلة تعبيرية رمزية , تبدوا لنا اعمال الفنان التشكيلي منير حنون ضمن اطار تجسيد مشاهد فولكلورية تراتثية , شخوص ادمية بارتداءاتهم الشعبية المزخرفة والتي تتواجد مع مايحيطها من اثاث وادوات ومزينات اضحت تمثل فلكلورا يمثل هوية المجتمع العراقي , اما تقنياتها فهي بالوانها النقية الوضاءة , المبسطة التي تخلو من تقنيات التدرج اللوني , التزاما وامتدادا الى الاسلوب الفني التراثي , لمرحلة الواسطي , الا ان من الملاحظ ان الفنان لم يعد خاضعا كليا الى اشتراطات تلك المدرسة التي تفتقد الى توافر المنظور مثلا , تسمو على ملامح تلك الشخصيات التالف الاسري , والترابط الاجتماعي , وعاداته وتقاليده الفولكلورية لتمثل تجسيد ميثلوجيا تاريخية مسجلة , كحفلات غناء المقامات البغدادية , وتجمع النسوة في اوساط مطبات ومداخل شناشيلها الممتعة , نستنتج من ذلك ان الفنان في هذه المرحلة كان ادائه الفني قد تم بسياق هاديء ومطمئن الى مستقبله ومستقبل بلده , لاسيما وان مرحلة السبعينيات كانت مرحلة ملائمة نسبيا الى تنامي الحركات الثقافية والفكرية وبداية تنمية لم تدم طويلا في مابعد , لذلك فان شكلانية التنفيذ وصفاء الالوان واختيار الموضوعات تفسر لنا حالة الفنان السايكلوجية لتلك المرحلة فضلا عن تحليل مستوى النشاط الثقافي انذاك مما ينعكس بشكل جلي على المنتوج الثقافي والفني . اما في مجال اعماله التعبيرية في تلك المرحلة من السبعينيات , فانها تجسد جانباً اخر مما تختزله الذات من منتوج الوعي الفكري وصدق الضمير نحو حالات الوضع السياسي وكذلك الاجتماعي , ففي احدى اعماله يتجمع حكام العرب وبمساندة ومعاضدة الحكم الامريكي بوجود علمهم الذي يقبعون تحته ويضعون ثقل طاولتهم التي يجتمعون عليها على ظهر الشعوب المضطهدة .وفي جانب اخر من العمل ذاته يتوسد احداصحاب الاموال المترفين بلباسهم الخليجي يستانس بجارية بمظهرها العاري , وفي عمل اخر فانها تمثل اضطهاد الرجل للمرأة في مجتمعاتنا العربية , من خلال شخوص ذكورية موجهين اسلحتهم الى صدور نساء مصطفات بخوف واستسلام يحملن في احضانهن اطفالهن الرضع , وهم في حالة عراة للطرفين . لقد كانت دراسة الكرافيك عام 1986  لها تاثير كبير على اكتشافات الفنان لطرق التقنيات الطباعية والحفر على الزنك والكاوجك والخشب والطباعة على الور ق, ان تلك المهارات اكسبته خبرة متتالية ومتواردة ليس بحدود الحرفية التكنيكية الثابتة وانما باضافة الاجتهادات الشخصية المبتكرة نتيجة التعلق المتجانس مع هذه الاتجاهات , وبقي الفنان يمارس هذا الفن المعاصر والعريق في ان واحد الى عام 2003 ,  وقد نفذ تلك الاعمال بعنوان تكوينات حروفية على الزنك والورق .. نلاحظ ان تاثيرات الاستناد الى المرجعيات التراثية للوحدات ومنه ادخال الوحدات الحروفية بشكل حر, اي ليس بانماط ايقاعاتها الرتيبة المستخدمة مع العمارة والزخرفة التراثية وبحركات رشيقة مائلة ومتداخلة تملأ الفراغات الساكنة لتخلق تكوينات شكلية متماسكة التداخل والتوحد , ولكن الفنان منير حنون التزم بجذور الخط العربي التي تخلو من النقاط , تستند تلك الحروف على ارضية تكوينات منفذة بشكل شفاف ومائع تخلو من الحواف الحادة, اذ تقترب من سيولة الالوان المائية الرقيقة , وتمثل هذه التكوينات اشكالاً اشبه باسطح الجلود التي ترافقت مع الخط العربي , وبعضها مايماثل كتل الاحجار والصخور , وفي اعمال اخرى عام 1987 اتخذت الاشكال الحروفية صيغ مختلفة نسبيا عن سابقتها , والتي تقترب من الخلفيات التجريدية بلون تصميمي مختزل للتدرجات اللونية السابقة , واصبحت الحروف اكثر تصرفا واقترابا من الحداثة , وباحجام ودرجات غامقة تشكل تضادات للخلفية , واضحى الخط اكثر حرية بالتنقل والتمثل لاشكال رمزية كتلوية , الا ان هذه الاستخدامات للحروف غادرت اعماله بالتدريج لتحل محلها مراحل جديدة من الانماط الاسلوبية المعاصرة .. اما اعماله في عام 1988 فانها ابتعدت كليا عن الاستخدامات الحروفية لتحل محلها حركة خطوط رقيقة اكثر قوة في تصرف الحركة واتجاهاتها المتداخلة والمستديرة والملتفة على بعضها , لتقترب اكثر من ايقاعاته الحرة نحو الحداثة , اما في اعماله عام 1992 فان التقنيات وصلت الى مرحلة متقدمة من الاداء الناجم من الخبرة المتوالية لفن الكرافيك , لقد بدا ذلك جليا في التكوينات التي تاحذ عمقا وتدرجا منظوريا وكانه جزء من امتداد للاارضية , اي لم تكن هناك فواصل مفترضة بين التكوينات ومحيطها .. مما اكسبها جاذبية مبهرة تدع المتامل يزداد مدة للانشداد والتوقف , باحثا عن اندهاشات التقنية العالية , والبحث نحو افصاج المعاني المختزلة , اما في العملين من مقتنيات بنك Caixanova فانهما يتخذان صيغ جديدة من التحول واشارة التعبير والبناء , ففي مجال بنائهما الانشائي فلقد استخدم الاستعارة الصورية للفوتوا بثلاث صور عمودية متكررة على احدى جوانب العمل وبمناخ لوني موحد لتشكل تنصيصا استعاريا يتناغم ويتبادل تجسيد الرؤى لهدف الفكرة المبتغاة .وقد استخدم نفس البناء الانشائي في عمله الاخر بجانب معاكس , لقد شكلت هذه النصوص تغايرا وتضادا لونيا وتصميما مع ادائه اللوني العملي فالعمل الذي استخدم تنفيذه يدويا ياخذ مساحات الحركة الحرة للفرشاة والتقنية الكرافيكية , بينما تاخذ الاشكال العمودية الثلاثية ايقاعا متكررا متماثلا نغميا لكي يوحد بين نقيضي الركود والحركة الحرة , او الايقاع الرتيب مع الايقاعات الحرة الطليقة بانماطها الحداثية , وتبقى مستويات المهارة في الاداء العلامة الواضحة للاخراج الادائي , وتتضمن هذه الوحدات انواع متنوعة , اما شخص متكرر بنسخته الثلاث, او وحدات من الطبيعة , ان اكتساب تلك المغامرات النشطة للفنان منير حنون توالت مترادفة , حيث اشترك كمساعد في مشغل التجريب للفن المعاصر مع الفناني العالمين جوان خينوبيس والفنان داريو بيالبا وقد نفذ جدارية بناسبة الذكرى المئتين على قيام الحرب الاسبانية ضد الجيش النابليوني وبمساحة 200 في 600 م وهي من مقتنيات المدينة مدريد . لقد كان الاتجاه السلوكي والمعرفي هما هاجس واختيار مبدئي حدد مصيره الدائم بتحدي وتحمل مواجع الغربة , فالسلوكي يمثل لنا الخضوع الى كثافة التجريب بمختلف الاساليب واستخدام الخامات المتنوعة , والمعرفي يكمن في تكملته للدراسة البحثية للماجستير , ولكن بكل هذا يبقى الفنان مشدودا الى موطنه الذي يمثل النشأة والارض والمناخ والاهل والجانب الذي يمثل امكنة التراث الحظاري المعماري والفني , ولكن بمقدمة تلك الصور الذهنية المختزلة هي بناءات الخيال لما يتمناه لبلده العراق , وحين عاد الى العراق ليكسر لوعة الحنين وتحقيق ماتمناه منذالنشيء , اصطدم بواقع مرير تتخلله الانقسامات والتناحر الذي لايسمح لبناء صفحة جديدة منتظرة لعقود من الصبر والمعانات .. عاد الفنان مرة اخرى الى اسبانيا لكي يخلق عالمه الوديع , عالم الفن الذي طوت سنون عمره فيها , ولقد ادرك الفنان منير حنون ان عالم اعماله هي اللغة الانسانية التي تكسر حاجز الغربة وتقرب مبادئه الانسانية نحو التالف الاجتماعي , وبمقدار قيمة ثراء اعماله الفنية , فان احساسه دائم بان تلك الاعمال ستؤكد حظورها ومنزلتها كلما مضى عليها الزمن , زيادة على النجاحات الانية .

ومن خلال ذلك تتسم شخصية الفنان منير حنون بالعمل الجاد وان صفة الهدوء والسكينة لسمات شخصيته تتحول الى فورة من النزاع الحاد نحو الاكتشافات والتطور بفعل طاقة الخبرة المعرفية والسلوكية خلال سنوات مضت , ولكن اثرها يبقى خالدا .