الطوفان‭ ‬الثاني‭ ‬رواية‭ ‬جديدة‭ ‬لفاتح‭ ‬عبدالسلام‭: ‬ فيوض‭ ‬العرفان‭ ‬والجمال‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬صدمة‭ ‬الحرب‭ ‬

بيروت‭- ‬الزمان‭ ‬

رواية‭ ‬جديدة،‭ ‬عنوانها‭  ‬الطوفان‭ ‬الثاني‭  ‬للروائي‭ ‬العراقي‭ ‬فاتح‭ ‬عبدالسلام‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬روحي‭ ‬من‭ ‬صدمة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بداية‭ ‬التغييرات‭ ‬والحروب‭ ‬الارتدادية‭ ‬الأصغر‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بالعراق‭. ‬تجارب‭ ‬المغتربين‭ ‬والمهاجرين‭ ‬الذين‭ ‬خاضوا‭ ‬غمار‭ ‬بحار‭ ‬عدة‭ ‬ورست‭ ‬سفنهم‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬تضيء‭ ‬بالذكريات،‭ ‬ومدن‭ ‬أخرى‭ ‬تشبه‭ ‬قوارب‭ ‬النجاة‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬شواطئ‭ ‬الأمان‭ ‬أبداً‭. ‬تلك‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬تتبعها‭ ‬الروائي‭ ‬عبر‭ ‬شخصيتين‭ ‬رئيستين‭ ‬وشخصيات‭. ‬مهمة‭ ‬أخرى‭ ‬اكتمل‭ ‬بها‭ ‬المعمار‭ ‬الروائي‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬تداخل‭ ‬قصتين‭ ‬تصبّان‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬روحي‭ ‬وعرفاني‭ ‬عنيف،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬عميق‭ ‬ولغة‭ ‬فاضت‭ ‬بشعرية‭ ‬مستنبطة‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬خشن‭ ‬وقاس‭ ‬غالباً‭. ‬

فاتح عبدالسلام

تتوافر‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬غنى‭ ‬معرفي‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬مكتنزة،‭ ‬يتجلى‭ ‬فيها‭ ‬السارد‭ ‬عبر‭ ‬استبصار‭ ‬بين‭ ‬الروح‭ ‬والعقل‭. ‬

من‭ ‬الممكن‭ ‬ان‭ ‬تحمل‭ ‬الرواية‭ ‬صفة‭ ‬الاكتشافية‭ ‬،‭ ‬لما‭ ‬تمنحه‭ ‬لقائها‭ ‬من‭ ‬متعة‭ ‬اكتشاف‭ ‬اليومي‭ ‬غير‭ ‬المرئي‭ ‬او‭ ‬تعطي‭ ‬المرئيات‭ ‬أبعاداً‭ ‬نفسية‭ ‬وروحية‭ ‬جديدة‭. ‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمتلقي‭ ‬ان‭ ‬يتوقع‭ ‬حدث‭ ‬أي‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬الرواية‭ ‬العشرين‭ ‬،‭ ‬وتلك‭ ‬ميزة‭ ‬في‭ ‬المعمار‭ ‬الروائي،‭ ‬تعني‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬تطور‭ ‬الفن‭. ‬

هذه‭ ‬الرواية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيص‭ ‬أحداثها،‭ ‬لأنّها‭ ‬تتوافر‭ ‬على‭ ‬لانهائية‭ ‬ذاتية‭ ‬قارّة‭ ‬في‭ ‬بنائها،‭ ‬كما‭ ‬تكتنز‭ ‬بكمّ‭ ‬معرفي‭ ‬يلامس‭ ‬الروح‭ ‬ويذوب‭ ‬فيها‭. ‬

ثمّة‭ ‬متعة‭ ‬تمنحها‭ ‬الرواية‭ ‬لقارئها،‭ ‬متعة‭ ‬ذات‭ ‬طبقية‭ ‬متعددة،‭ ‬عبر‭ ‬ثنائيات‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬والحب‭ ‬والحرب‭ ‬والأمل‭ ‬والنهايات‭. ‬حقاً‭ ‬الرواية‭ ‬مفاجأة‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تلك‭ ‬الخصائص‭ ‬التي‭ ‬راعت‭ ‬البناء‭ ‬المتناسق‭ ‬بين‭ ‬الحوار‭ ‬والسرد‭ ‬في‭ ‬عشرين‭ ‬فصلاً‭. ‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬مؤخراً‭ ‬عن‭ ‬الدار‭ ‬العربية‭ ‬للعلوم‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬ووقعت‭ ‬في‭ ‬‮763 ‬صفحة،‭ ‬حكايات‭ ‬عنيدة‭ ‬لحالمين‭ ‬يشتّقون‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬أوجاعهم‭ ‬مَسرّات‭ ‬بطعم‭ ‬الطفولة،‭ ‬وهم‭ ‬يروون‭ ‬لحظاتِ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬النهايات‭. ‬نسمع‭ ‬نحيب‭ ‬أحلامهم‭ ‬كَشَهقات‭ ‬المستغيث‭ ‬من‭ ‬طوفان‭ ‬عظيم‭ ‬يغمر‭ ‬الأمكنة‭ ‬والأزمنة،‭ ‬لتولد‭ ‬لهم‭ ‬مواقيتُ‭ ‬جديدة‭ ‬للحُلم‭ ‬والحُبّ‭ ‬والأمل‭ ‬تتحدّى‭ ‬حصار‭ ‬الخيبات‭ ‬والنكسات‭. ‬

في‭ ‬الطُوفَان‭ ‬الثّاني‭ ‬يواصل‭ ‬الروائي‭ ‬العراقي‭ ‬فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام،‭ ‬الماكِثُ‭ ‬الأبديّ‭ ‬في‭ ‬كَنف‭ ‬الحروب،‭ ‬كما‭ ‬يصفُه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ناقد،‭ ‬مشروعَهُ‭ ‬السرديَّ‭ ‬منذ‭ ‬روايتَيه‭ ‬عندما‭ ‬يسخن‭ ‬ظهرُ‭ ‬الحوت‭ ‬‮3991  ‬و‭ ‬اكتشاف‭ ‬زقّورة‮0002‬‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬المعادِل‭ ‬المستحيل‭ ‬لانهيارات‭ ‬الحروب‭. ‬

‭ ‬بؤرة‭ ‬روائيّة‭ ‬تنبض‭ ‬تحتَ‭ ‬أنساق‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬ماكِر،‭ ‬يُغطّي‭ ‬ذاتَ‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬نَحتَ‭ ‬فيها‭ ‬الطُوفَانُ‭ ‬الأوّلُ‭ ‬أصوات‭ ‬الملاحم‭ ‬والأساطير‭ ‬وأنفَاسَ‭ ‬المُدن‭ ‬المُضيئة‭. 

هنا‭ ‬الطُوفَان‭ ‬الثّاني‭  ‬خط‭ ‬شروع‭ ‬متكسّر‭ ‬لحياة‭ ‬حالمة،‭ ‬لا‭ ‬يقهرها‭ ‬تنّين‭ ‬النار،‭ ‬حياة‭ ‬تأبى‭ ‬إلاّ‭ ‬أنْ‭ ‬ترسم‭ ‬ملامحَ‭ ‬الوجهِ‭ ‬الحَتميّ‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬أية‭ ‬حرب‭. ‬