الصدريون في الميزان ـ وليد خالد احمد

الصدريون في الميزان ـ وليد خالد احمد
جاءت الثورة الايرانية لكي تضع الشيعة مجدداً تحت الضوء ليس لانها وضعت علماء الدين الشيعة في سدة الحكم في بلد اغلبيته العظمى شيعة وفق ادعاء ادبياتهم الاعلامية بل بسبب المخاوف التي فجرتها اقليمياً ودولياً الحركة الثورية التي اطلقتها في العالم الاسلامي وعوامل القوة الناشئة عنها في منطقة شديدة الحساسية للتيارات الثورية، في وقت تعمقت فيه الهوة بين الحكام والمحكومين وتنامت فيه دعوات الاصلاح والتطوير في البلدان الاسلامية.
والاكيد ان الثورة الاسلامية في ايران وبعض افرازاتها…. كزيادة المد الاسلامي في المنطقة، والحرب الايرانية ــ العراقية، وانبثاق المقاومة الشيعية ضد اسرائيل في جنوب لبنان، وتنامي الصوت الشيعي في منطقة الخليج العربي… وضعت الشيعة في المنطقة امام تحديات كبيرة، الا ان نتيجتها الاهم هي انها نجحت ليس فقط في نقلهم الى اوضاع جديدة افضل، اصبح فيها تهميشهم عبئاً على الوسط العام الذي يعيشون في كنفه بل جعلتهم رقماً سياسياً مهماً في المعادلة الاقليمية وربما الدولية.
وبالنسبة لشيعة العراق فقد ظلوا مهمشين سياسياً منذ سقوط الدولة العثمانية وخلال كل الادارات المتعاقبة حتى وصلت قمة التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي تحت سلطة صدام حسين على الرغم من وقوفهم ضد ايران في عدوانها التي شنته ضد العراق تعبيراً عن مشاعرهم الوطنية والقومية العربية وعلى حساب صلاتهم المذهبية مع ايران.
التمييز الطائفي
هذا التهميش ــ الذي يدعونه زوراً وتكسباً ــ اصبح يشار اليه من قبل الشيعة العراقيين بمشكلة الطائفية والتمييز الطائفي التي تتربع الان مسألة معالجتها على رأس الاجندة الشيعية بعد سقوط صدام، على الرغم من كونهم المستفيد الاول من نظامه وعلى كافة الصعد….
الواقع، ان الفرية التي يتبناها اغلب شيعة العراق، هي ان الدولة العراقية عانت منذ تأسيسها عام 1921، من علة اساسية كانت ولا تزال السبب الرئيس في مواجهته من متاعب وما وصل بها من زوايا ونكبات، وهذه العلة تكمن في تسلط ــ حسب ادعاء كتابهم ومؤرخيهم… أقلية صغيرة من الشعب العراقي على زمام الحكم واستئثارها به وانفرادها بممارسة سلطاته وحرمان بقية الفئات ولا سيما الاكثرية الشيعية والاقلية الكردية.
لكن حقائق التاريخ تقول، ان المجتمع العراقي كان حتى اواخر القرن التاسع عشر يتعرض لصراع بين الطوائف الرئيسية، واتخذ الصراع شكلاً خطيراً عندما اعتنق الشاه الفارسي المذهب الشيعي في اوائل القرن السادس عشر. ويقال ان السبب الرئيس لذلك هو محاولته ايجاد غطاء عقائدي في صراعه مع العثمانيين. ومنذ ذلك الحين اكتسب الصراع الطائفي مزيداً من الخطورة عندما بدأ كل من الطرفين يقرن نفسه بدولة اجنبية، أي تركيا وايران اللتين نصبتا من نفسهما حامياً لهذه الطائفة وتلك، ولم يكتسب الصراع طابعاً متميزاً بالتحريك فقط وايضاً بقسوة دامية شديدة. وغني عن البيان، ان مثل هذه الظروف اعاقت ظهور وعي عربي عراقي او أي وعي وطني او قومي….
ويعزو الشيعة علة التمييز الطائفي تلك وتحشيدها، الى قيام البريطانيين بعد احتلالهم للعراق عام 1917، ولاسباب تتعلق بقيام الشيعة بمقاومة الاحتلال البريطاني وتفجيرهم الثورات بوجهه ــ علما ان السنة هم من لهم سبق تجييش وتحفيز غالبية الشعب العراقي في الانتفاضة والثورة على المحتل البريطاني كونهم الطبقة الاجتماعية الوحيدة المتعلمة والمتنورة من مجموع طبقات المجتمع العراقي الاخرى وقتئذ ــ بمنح الحكم للاقلية العربية السنّية التي تفتقر الى دعم الاكثرية الشيعية والاقليات الاخرى…… وتمثلت هذه السياسة البريطانية منذ البداية باقصاء الشيعة عن المناصب المهمة في الدولة لانهم لا يقارنون بزملائهم السّنة ممن يحملون مؤهلات علمية من جامعات غربية مرموقة.
وقد كتبت المس بيل سكرتيرة المندوب السامي وصانعة العراق الحديث، رداً على الاحتجاجات الشيعية ضد عدم تمثيلهم بشكل مناسب في مؤسسات الدولة، بقولها في مذكرة بعثت بها الى مقرها في لندن اما انا شخصياً فأبتهج وأفرح ان ارى هؤلاء الشيعة الاغراب يقعون في مأزق حرج فانهم من اصعب الناس مراساً وعناداً في البلاد .
لقد ادت هذه السياسة التي اتبعها المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في اقتصاد الشيعة الى موقف متعالٍ من السنّة ضد الشيعة وموقف عدائي شيعي من السنّة، وهو الامر الذي ادى الى تصاعد مشاعر الضغينة والاحساس بالظلم.
ففي اول حكومة شكلت بعد الاحتلال كان نصيب الشيعة مقعداً وزارياً واحداً اعطى لشخصية ثانوية، بينما حاز السنّة على اغلب المناصب العليا ومنها مناصب المحافظين في المدن الشيعية، وهو وحده كافٍ لادراك الشعور بالحيف الذي شعر به شيعة العراق على الرغم من مساهمتهم الى جانب بقية العراقيين في النضال ضد الاحتلال البريطاني. ولو ان الشيعة أعطوا قسطاً من المشاركة في حكومة فيصل الاول لكان في الامكان تجنب الكثير من الاختبارات المرة وكثير من الاضطرابات الدموية….
على ما تقدم…. يجدر التوقف عن حقيقة مهمة في هذا المجال، وهو ان المشكلة الطائفية في العراق ليست مشكلة بين السنّة والشيعة بل هي مشكلة على صعيد نظام الحكم نشأت من تظافر مجموعتين من التحولات تتعلق الأولى بالدولة والثانية بالمجتمع في علاقته بالدولة حيث المقصود من التحولات المتعلقة بالدولة بنية السلطة وآليات عملها وكل ما يتعلق بالبنيان السياسي من تأسيس الشرعية والسيادة وتداول السلطة وتحقيق القيادة الاجتماعية، وهي بمجملها تمثل اغتراب الدولة العراقية الحديثة عن مجتمعها او غربتها وما يرتبط بها من تحجر وعلاقة عنف وقوة بين الطرفين وهو الأمر الذي يجعل من الطائفية مرافقة للدولة التسلطية.
الحرمان من الجنسية
أكثر تجليات التمييز الطائفي ضد الشيعة في العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة تكمن في قانون الجنسية العراقية وتعديلاته بسبب الشروط التي وضعها لاكتساب الجنسية والتي حرمت مئات الآلاف من الأفراد الشيعة منها بحجة تبعيتهم الإيرانية وقصرتها على التبعية العثمانية.
اضافة الى ذلك، فان ابرز مظاهر التمييز الطائفي ضد الشيعة تمثلت بهيمنة السنّة على الدولة وحرمانهم من المناصب الرئيسية، مثل منصب رئيس الدولة، ومن المراكز الاساسية في الدولة والمناصب القيادية في الجيش والسلك الدبلوماسي.
ومن بين الادلة التي يطرحها الشيعة على التمييز ضدهم في العهد الملكي والذي شيد اساس الطائفية السياسية في المراحل اللاحقة هو نسبة التمثيل الشيعي في المجالس النيابية بين عامي 1921 و 1958 شكلت 30ــ 40 فقط من مجموع عدد اعضائها.
ولعل اهم مظاهر التمييز الاخرى هي التضييق على قياداتهم الروحية وعدم السماح للشيعة بممارسة شعائرهم الدينية واحياناً حتى بتداول كتبهم الدينية الخاصة وهي الممارسات التي ادت وبالتالي الى تعطيل عمل الحوزة العلمية في النجف والتي تعتبر مصدر القرار الروحي والشرعي وايضاً السياسي لدى الشيعة المتدينين.
ــ تيارات الاحتجاج الشيعية ودور الحوزة النجفية
أدى شعور الشيعة بالاضطهاد والتمييز الى بروز حركات الاحتجاج الشيعي المرتبطة بالحوزة العلمية في النجف ورجال الدين في المدن الشيعية الاخرى كربلاء والكاظمية والتي تطورت لاحقاً الى حركة الاسلام السياسي الشيعي والتي تجاوزت فيما بعد كونها حركة احتجاج ضد الاستلاب الطائفي الى بلورة مشروع اسلامي متكامل يطرح نفسه بديلاً للمشاريع العلمانية باتجاهاتها القومية والشيوعية والليبرالية.
وتشير المصادر الى جهود المجتهد النجفي البارز السيد محمد باقر الصدر في استنفار الحوزة العلمية وتوفير مواردها الهائلة لدعم اول حركة سياسية شيعية برزت في العراق وضعت استراتيجيتها وتكتيكاتها على اساس تحقيق الهدف النهائي، وهي تسلم السلطة واقامة حكم اسلامي. وعلى الرغم من ان بعض المصادر تؤشر الى ان ظهور حزب الدعوة الاسلامية في اواخر الخمسينات من القرن الماضي، جاء رداً حوزوياً على المخاوف من ازدياد المد الشيوعي واليساري في العراق اثر الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم عام 1958. الا ان الحزب وبفضل الافكار التي صاغها الصدر تبوأ مركزاً متقدماً في العمل السياسي والتنظيمي الشيعي قبل ان يصاب بنكسات جدية بسبب حملات القمع والتصفية الجسدية التي طالته من السلطة والتي شملت الصدر نفسه، اضافة الى الاختيار الوطني والقومي الصعب الذي كان حزب شيعي عراقي ان يمر به امام الانتصار الكاسح للثورة الاسلامية في ايران مهما كانت طبيعته الشيعية.
وفي الوقت الذي ادت حملات التصفية الدموية الى اجتثاث معظم قواعد الحزب وهروب القواعد الاخرى وقياداته الى الخارج، فان التحدي الذي مثلت الثورة الايرانية وضع الحزب في ارتباك وتشوش واحياناً في خصومه ونزاع مع منطلقات الثورة الايرانية وغاياتها التي ما كان بامكان حركة عراقية ان تنوء بها حتى لو تجانست معها في خلفية مذهبية واحدة، ولعل النتيجة الطبيعة للاختيارات العسيرة التي مر بها الحزب وظروف التكيف مع اوضاع المنفى الايراني الذي وجد نفسه فيه، هو سلسلة الانشقاقات التي حدثت فيه خلال عقدي الثمانينات والتسعينات والتي يعود بعضها الى الخلافات حول مفاهيم ولاية الفقيه والشورى والدولة الاسلامية، وايضاً حول حدود العلاقات مع ايران الخمينية، وايضاً حول هوية واهداف الحزب كحركة عراقية والتي ادت الى شرذمة الحزب وضعف فاعليته.
ولم تسلم منظمة العمل الاسلامي التي اعتبرت ثاني اهم تنظيم سياسي شيعي يبرز في تلك الفترة من مصير مماثل بسبب السجالات الداخلية التي تمحورت ايضاً حول اطروحات الولاية والشورى والقيادة والمرجعية، وهي سجالات فقهية كشفت مثلما هو الامر مع حزب الدعوة عن نخبوية الحركة وضيق افقها وانعدام وجود برنامج سياسي واضح يمكن ان تقدمه امام اختبار شعبي حقيقي.
وفي واقع الحال، فان استمرار بقاء المنظمة على الرغم من الانشقاقات العديدة فيها، جاء استجابة لدوافع المنافسة التاريخية بين حوزتي النجف التي مثلها حزب الدعوة وحوزة كربلاء التي مثلتها المنظمة، وهي منافسة تشير الى التنوع ولربما الى الانقسام الذي يسم الحالة الشيعية العراقية في الاطار المرجعي الديني اكثر مما يشير الى الخلافات الفكرية حول المفاهيم الفقهية للخطاب الاسلامي الذي تتبناه الحركتان. وشهد عام 1980، ولادة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق على يد السيد محمد باقر الحكيم بعد وقت قصير من فراره الى ايران. وتضافرت عوامل عديدة، منها الدعم الايراني الكبير، والتفاف باقي التنظيمات والشخصيات الشيعية العراقية حول الحكيم، اضافة الى ظروف الحرب الايرانية العراقية لكي تمنح المجلس الفرصة لكي يتبوأ قيادة حركات الشيعة المعارضة لنظام صدام حسين والتي تدعمت لاحقاً عبر الدعم السياسي والمادي الذي حصل عليه المجلس من بعض الحكومات العربية وخاصة بعد حرب الخليج الاولى 1980، حيث فتحت الابواب امام الحكيم في كل من سوريا والسعودية والكويت، وقد سمح هذا الدعم والعلاقات التي نسجها المجلس وزعيمه الحكيم مع باقي اطراف المعارضة العراقية لنظام صدام ان يتصدر التمثيل الشيعي في العمل الذي سبق العدوان الامريكي على العراق من خلال سلسلة من الاتصالات والاجتماعات التنسيقية مع الطرف الامريكي والتي كشفت النقاب لاحقاً الكثير عن اجندة عمل المجلس واهدافه، ومناهج عمله وتكتيكاته السياسية في ضوء المبادئ العامة التي يتبناها. واضافة الى هذه التنظيمات فقد ظهرت خارج العراق مجموعات اسلامية شيعية اصغر، مثل حركة المجاهدين العراقيين، وجمعية العلماء المجاهدين، وحركة جند الامام، والحركة الاسلامية في العراق.
العدوان الأمريكي ومواقف التنظيمات الشيعية
لقد اظهرت الفترة التي سبقت العدوان الامريكي على العراق والاستعداد له، اختلافات بين المجموعات الشيعية، بعضها جذري بشأن الموقف من الحرب العدوانية ذاتها. ففي الوقت الذي انخرط فيه المجلس وبعض الشخصيات الشيعية الدينية الفاعلة بنشاط في دعم فكرة الحرب والتنسيق مع الطرف الامريكي، امتنعت او ادانت اطراف اخرى مثل هذا التعاون، بينما اصدر البعض من مجتهدي الشيعة فتاوى اما بتحريم التعاون مع الامريكان او الحث على الامتناع عن تقديمه.
في نفس الوقت فقد اختار البعض مثل آية الله محمد صادق الشيرازي المرجع الروحي لمنظمة العمل الاسلامي موقفاً وسطاً تفادى فيه تأييد الحرب لكنه رأى ضرورة اغتنام الفرصة لانقاذ الشعب العراقي المؤمن المظلوم من المظالم، كما دعا الى ازاحة الطغاة وبناء عراق مستقل وموحد على اسس التعددية والمشورة والعدل والحرية.
اتاح انهيار نظام صدام حسين الفرصة للقادة وللتنظيمات الشيعية التي كانت في المنفى، العودة الى العراق، وكان بعضها مثل السيد عبد المجيد الخوئي نجل آية الله الخوئي الذي جرت في عهده انتفاضة الشيعة بعد حرب الخليج الثانية 1991، وقد عاد على عجل الى النجف مركز المرجعية الشيعية ورمز قوتها، حتى قبل سقوط صدام في بغداد، ما بدا صراعاً واضحاً للسيطرة على الشارع الشيعي الذي كان متوقعاً انطلاقه بقوة حال سقوط صدام.
واشر مقتل الخوئي الذي نقل سريعاً مع مجموعة صغيرة من اعوانه من مقره في لندن الى البحرين ثم الى النجف بواسطة القوات الامريكية الى حقائق جديدة في الوضع الشيعي الذي بدأ متهيئاً للتعامل مع افرازات سقوط نظام صدام بشكل مغاير تماماً للتصورات والحسابات التي وضعتها تنظيمات المنفى الشيعية وربما المخططون الامريكان.
فقد كشف مقتل الخوئي الذي القيت تبعاته على جماعة شيعية ناهضة عرفت فيما بعد بالتيار الصدري في الداخل، وهي جماعة تدين بولائها الى المرجع الشيعي محمد صادق الصدر الذي اتهمت اجهزة نظام صدام بقتله عام 1999، واتضاح مدى قوة تيار الصدر في معظم المدن الشيعية، اضافة الى الخلاف الذي حصل بين الخوئي وآية الله العظمى السيد علي السيستاني بشأن فتوى نسبها الاول للثاني حول تأييد قوات العدوان الامريكية.
ان الساحة الشيعية ومرجعيتها الفقهية وخارطتها السياسية، مرت بتغيرات جذرية جعلتها مختلفة تماماً عن تلك التي سادت في الفترة التي نشطت فيها الاحزاب القديمة.
التنافس الشيعي ــ الشيعي
سرعان ما اتضح، ان هناك أربعة اتجاهات دينية سياسية تتنازع القيادة على الشارع الشيعي في العراق، كشفت لنا مجريات الواقع كيف تفاعلت مع الواقع الجديد وكيف استجابة لتحدياته.
الاتجاه الاول هو الحوزة العلمية في النجف، أي قمة مؤسسة المرجعية الشيعية والتي يأتي على رأسها الآن السيستاني ومن ثم آيات الله محمد اسحق الفياض، وحسين بشير الافعاني النجفي ، ومحمد سعيد الحكيم. وفي الوقت الذي تحوز هذه المرجعية على الاحترام والتقدير من معظم الشيعة العراقيين الا ان شكوكاً كثيرة يمكن ان تحيط بقدراتها على التعبئة السياسية لاسباب تتعلق اما باطروحاتها بشأن موضوع الولاية والدولة الاسلامية وابتعادها خلال السنوات الماضية عن أي نشاط تعبوي وتفرغها للدرس الديني وايضاً كونها عند الحكيم غير عربية عراقية.
الاتجاه الثاني هو تيار الصدر الذي اثبت قدرة تعبوية هائلة منذ سقوط صدام تمثلت بالسيطرة على اكبر تجمع شيعي في العراق، وهو مدينة الثورة لاحقاً مدينة صدام، بعد الاحتلال مدينة الصدر…. وهو حي عشوائي على حافات العاصمة بغداد الشرقية يقطنه اكثر من مليون شيعي؟؟ والذي حوله سكانه الى مدينة صدام لا حباً به بل تملقاً ورياءاً ــ ديدنهم مع كل سلطة ــ علماً انها بعد محافظة النجف باتساع التنظيمات البعثية، ثم سموها بعد الاحتلال باسم مدينة الصدر.
اضافة الى ذلك، فان التيار الصدري يقوده مقتدى الصدر ابن المرجع القتيل الشهيد ، اثبت قدرة تعبوية ملحوظة في باقي المدن والاحياء الشعبية وانشاء مليشيات خاصة به جيش المهدي تدخلت في شؤون هي ابعد عنها كل البعد.
ليس لهذا التيار خبرة سياسية وتنظيمية لكنه يمتلك تراثاً فقهياً وفكراً شيعياً سياسياً غنياً خلفه له الصدر، اضافة الى تخندقه الواضح وراء عصبوية عراقية عروبية يواجه بها ايران والتنظيمات الوثيقة الصلة بها والمرجعيات ذات الاصول الايرانية، وكذلك ادعاءه عن جدارة بانه ناهض نظام صدام في الوقت الذي صمت فيه الآخرون او خاضوا جهادهم خارج العراق.
الاتجاه الثالث ــ يتمثل في الاحزاب والحركات المنظمة، مثل الدعوة بمختلف فصائله، ومنظمة العمل الإسلامي وباقي المجموعات الصغيرة وافراد عملوا في اطار هذه الجماعات قبل ان يتركوها ويعودوا للوطن. هذه الحركات مثقلة بالجراح والانشقاقات والارتباطات التي انشأتها في بلاد المنافي، وتحاول الآن ان تنقلها معها الى واقع جديد مختلف تماماً عما عرفته، ونشط فيها اعضاؤها في السبعينات والثمانينيات. هذه المجموعات تواجه تحديات جمة تتمثل في كونها ستخرج من اطار السرية والعمل الدعوي في ظل العنف والعنف المضاد، وستمارس العمل السياسي العلني بآلياته الطبيعية لاول مرة مما يحتم عليها ضرورة التكيف مع الواقع كما هو على الارض وليس في اطار مفاهيم شيعية عامة او برامج وضعت لمواجهة تحديات فترة مختلفة. لاول مرة، سيكون امام هذه الاحزاب فرصة لكي تثبت انها تستند الى قواعد جماهيرية حقيقية، وانها تقدم لهم حلولاً لمشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وليست مجرد حركات نخبوية وعظية او احتجاجية او تنظيمات طوباوية تهيم في عالم رمزي وطقوس بعيد عن الواقع الذي اثبتت فشلها الذريع في ادارة مجرياته بعد توليها السلطة واتخاذ جانب الطائفية في ادارة الحكم.
AZP07