

قصة قصيرة
سالم الباوي
لم يصدّق أهل القرية ما أبصروه بأعينهم. تبادلوا النظرات مذهولين، وكأنّ الكلمات هجرت ألسنتهم. كان ملا رزيج، كاتب الأدعية في القرية، يرقد في العناية المركّزة بمستشفى سينا.
كان ملا رزيج يملك أدعيةً لكلّ أمر. وحين بدأ بعض الطلاب يتعثّرون في دراستهم، كتب لهم دعاءً جعلهم من المتفوّقين. وحين انتشرت سرقة الأبقار على يد اللصوص، خطّ دعاءً خاصًّا لحفظ الأبقار من السرقة. وما إن حصل أحدٌ على هذا الدعاء حتى سَلِمت أبقاره، بينما ظلّت أبقار الآخرين عرضةً للنهب. ومن هنا ارتفع الطلب على أدعية ملا رزيج، وامتدّ طابور طويل من الناس أمام بيته طلبًا لها. والأغرب أنّ كلّ من حصل على ذلك الدعاء لم تُسرق أبقاره بعدها.
لكنّ الحكاية لم تتوقّف عند هذا الحد. كان معلم القرية يكره ملا رزيج أشدّ الكره، ويرى أنّ أدعيته لا تزيد الناس إلا خرافةً وجهلاً. ولم تمضِ فترة حتى أصيب المعلّم بمرضٍ مفاجئ، فأراد قصد المستشفى. غير أنّ أهل القرية منعوه، وأصرّوا عليه أن يذهب إلى بيت ملا رزيج.
قال المعلّم:
ــ «لا شأن لي ببيت ملا رزيج المحتال!»
ثمّ أصرّ على موقفه، وركب سيارته متوجّهًا إلى المستشفى. غاب المعلم طويلًا، حتى اضطرّت وزارة التعليم إلى إرسال معلّم جديد. ولمّا عاد، كان هيكلًا ضامرًا، وقد أنهكه السرطان.
وحين زاره الناس، قال أحدهم:
ــ «ملا رزيج يزعم أنّه قادر على شفائك.»
فردّ بغضب:
ــ «اللعنة على ملا رزيج ودجله!»
فقال الشيخ دِشَر:
ــ «ولماذا لا تذهب إليه وتكشف للناس كذبه؟»
تردّد المعلّم قليلًا، ثمّ قال:
ــ «وإذا ثبت أنّه كذّاب، هل ستطرده من القرية؟»
أجابه الشيخ:
ــ «بالتأكيد.»
ضحك المعلم ضحكةً مريرةً كأنها بكاء، ثمّ مضى مع جمعٍ من أهل القرية إلى بيت ملا رزيج.
طرق شاب الباب بحصى، فصاح ملا رزيج من الداخل:
ــ «من الطارق؟»
قال الشاب:
ــ «أهل القرية جميعًا يريدون حضور بيتك.»
قال:
ــ «إنّ عندي ضيوفًا من الطناطلة!»
فقالوا:
ــ «اطردهم، فالشيخ دِشَر والمعلم هنا.»
قال:
ــ «امنحوني دقائق.»
لكنّ الدقائق امتدّت إلى نصف ساعة. عندها ضاق المعلّم وقال:
ــ «لم أعد أحتمل، أريد العودة إلى بيتي.»
طرق الشيخ دِشَر الباب بقوة، فسمعوا صوت ملا رزيج يسأل مجددًا:
ــ «من الطارق؟»
فقال الشيخ بغضب:
ــ «نحن بانتظارك منذ نصف ساعة، والآن تسأل من الطارق؟!»
فتح ملا رزيج الباب وقال:
ــ «كان ضيوفي يرفضون المغادرة.»
فقال الشيخ:
ــ «لا شأن لنا بضيوفك. جئنا لتشفي مريضنا، المعلّم.»
نظر ملا رزيج إلى المعلّم وقال:
ــ «هذا ليس مرضًا خطيرًا. أستطيع علاجه سريعًا.»
فقال المعلّم:
ــ «جميع الأطباء أكدوا أنّه سرطان، وأنت تقول العكس!»
قال ملا رزيج:
ــ «الأعمار بيد الله. أؤكد لك أنّك لم تُصب بمرضٍ خطير.»
سأله المعلم:
ــ «وكيف ستعالجني؟»
قال:
ــ «كما عالجتُ غيرك.»
قال المعلم ساخرًا:
ــ «ستكتب تعويذة على ورقة وتغمسها في الماء وتجبرني على شربه، أليس كذلك؟»
قال:
ــ «بلى، ذاك دواؤك.»
قال المعلم للحاضرين:
ــ «أرأيتم؟ قلت لكم إنّه كذّاب!»
فقال الشيخ دِشَر:
ــ «يا معلّم، لم تأتِ ببرهان. اشرب الماء، ولنرَ.»
سكت المعلم قليلًا، ثمّ قال:
ــ «هذا الماء ملوّث بالجراثيم!»
قال الشيخ:
ــ «وأنت تقول إنّ أيامك معدودة.»
ظلّ المعلم صامتًا، ثم طلب الماء. فقال له ملا رزيج:
ــ «وماذا ستفعل إن شُفيت؟»
قال المعلم:
ــ «سأموت قبل أن ينتهي الأجل الذي حدّده الأطباء.»
قال ملا رزيج:
ــ «وإن عشتَ أكثر؟»
قال:
ــ «أترك التعليم وأصير تلميذك.»
ابتسم ملا رزيج:
ــ «بل نحن بحاجة إليك معلّمًا لأطفالنا. ثمّ إنك لن تستطيع أن تكون تلميذي.»
قال المعلم:
ــ «ولِمَ لا؟»
قال:
ــ «لأنك ترى فيّ مشعوذًا ومحتالًا.»
قال المعلم:
ــ «وسأظل أراك كذلك حتى الموت.»
قال ملا رزيج:
ــ «ولو عالجتك؟»
قال:
ــ «ربما أراجع أفكاري.»
فقال:
ــ «حسنًا، اشرب هذا الماء.»
شرب المعلم وهو يتمتم في نفسه. وبعد وقت قصير، تعافى عافيةً عجيبةً أدهشت الأطباء.
مضت سنة، فسافر المعلّم إلى الهند بحثًا عن سرّ شعوذة ملا رزيج. ومنذ ذلك الحين لم يُعرف له أثر.
ملا رزيج مكث في العناية المركّزة أيامًا معدودة ثم فارق الحياة. ولم يصدّق أهل القرية خبر موته، إذ كانوا يرونه مضادًا للموت. وبعد رحيله صار قديسًا في أعينهم، وشُيّد على قبره ضريح تعلوه قُبّة صفراء جميلة. وظلّ الناس يقسمون باسمه زمنًا طويلًا.
لكن بعد حين، قبضت السلطات على لصّ اعترف بأنّ ملا رزيج كان يرشد عصابته إلى البيوت التي تُسرق منها الأبقار وتلك التي تُترك. وأقرّ بأنّه هو من دسّ السمّ في طعام المعلم طويلًا حتى أصابه المرض، وأنّه هو وأعوانه كانوا يهدّدون المعلّم لإجباره على رفع درجات بعض الطلاب.
تواصل توافد الزوار إلى الضريح مدّةً، ثم أخذ يقلّ شيئًا فشيئًا حتى خلت القرية من زوّاره وأُغلقت الدكاكين المحيطة به. وفي صباحٍ غامض، انتبه الناس إلى أنّ القبة الصفراء قد اختفت من مكانها، بلا أثر.
وتناقلت الألسن شائعات متناقضة: منهم من قال إنّ اللصّ المتواطئ مع ملا رزيج هو من هدم المرقد، ومنهم من زعم أنّ المعلم العائد من رحلاته في الهند وأفريقيا هو من فعل، بعدما أيقن أنّ ما كان يفعله ملا رزيج لا يمتّ إلى العلم أو الحقيقة بصلة.
























