الشاعر المغربي عبدالغني فوزي يتحدث لـ الزمان عن الإقامة في شظايا هواء الاستدارة

الشاعر المغربي عبدالغني فوزي يتحدث لـ الزمان عن الإقامة في شظايا هواء الاستدارة
أعيش مفرداً بين اللغة والعالم
حاوره عبدالحق بن رحمون
الشاعر فوزي عبدالغني يهاب الكتابة التي لا تولد طيعة ومنظمة، ففي كشفه لسره قال لـ الزمان تولد القصيدة لديه ضمن لحظة ما، وفي أي مكان، مؤكدا أن في تجربته ينتصر للصدق الذي لا يقتل الكتابة ويحولها إلى آلة تسجيل باردة، أو صراخ غافل، ينتهي بانتهاء اللحظة.
وبذلك فالشاعر فوزي عبدالغني الآت من شظايا تجربة تنتمي إلى جيل التسعينيات، يتوسل منها الصدق والتجديد في عودته إلى تفاصيله الصغيرة والمجاورة لحياته اليومية، كما هو دائم على معانقة هواء الاستدارة للقبض على الماء في صفاته ورمزيته. وحول حكايته مع القصيدة، التي سحرته وأسكنته في غياهب ثوبها، الذي يتلبسه بصفاتها ونعوتها المزركشة، بلغة الوجود والاستمتاع بعوالم اللامجهول، سنلتقي بهذا الشاعر الجميل والأنيق، الذي تحدث بعفوية وصراحة مطلقة عن حكاياته مع القصيدة، وبذلك تطالعون ذلك في تفاصيل وخبايا بوحه في الحوار التالي
ما حكايتك مع القصيدة..وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبها والمراحل التي تمر منها؟
أظن أن المبدع، حين يستمر في الكتابة، فهو بمعنى ما، يتوغل في الكلمة الخلاقة غير المتناهية العمق والامتداد. وبالتالي تتحول القصيدة إلى مختبر للاشتغال. نفس الأمر بالنسبة لي، فبقدر ما أتوغل في نصي الشعري، أصبحت أهاب الكتابة التي لا تولد طيعة ومنظمة ومقولبة تبعا لأحجام وهيكلة المعيش. فالقصيدة ــ في تقديري ــ عليها أن تقول شيئا أولا، وأن تصوغه ثانيا شعريا. وعليه تولد القصيدة ضمن لحظة ما، وفي أي مكان. وأظن أن المكان الحقيقي للكتابة هو الذات كحمولة ورؤيا للحياة والعالم. ثم تأتي لحظة الكتابة التي أواجه فيها بياضي كمصير فردي وأعيش مفردا بين اللغة والعالم. وحين لا يستقيم عودها ونظرها، أمزقها وأتركها كخدوش في لاوعي الكتابة.
لا بخور لي ولا طقوس خاصة. ولكن مزاجي يكون غائما ومكتظا بما أقرأ وأعيش كتجربة وبلهاثي في اعتناق تجارب الآخرين من خلال شعرهم وإبداعهم. هذا التعدد والاشتباك، بشكل غير مفهوم بالنسبة لي، هو ما يدفعني إلى نسج شيء ما، بعنف رمزي. وكان شعرا…هنا تتحول القصيدة إلى إقامة، ليس في اللغة فقط، بل في الحياة والوجود ككينونة تبحث عن امتدادها.
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟
هي ثنائية أساسية في الكتابة. لكن لا أنظر إليها من موقع ومعيار أخلاقي. وعليه إننا نشتغل وننشغل شعريا ضمن متخيل، لابد فيه من الوعي بتحركات الأنا ـ بمعنى الوجود والكينونة ـ ضمن مخيال جمعي. كما أني أنتصر للصدق الذي لا يقتل الكتابة ويحولها إلى آلة تسجيل باردة أو صراخ غافل ينتهي بانتهاء اللحظة. أقول الصدق بمعنى التجربة والمعايشة للحدث بأنواعه المختلفة، أعني هنا التجربة التي لها أفقها وميسمها.
الكتابة بدون صدق، تبقى تعلو، إلى أن تنفصل عن الذات والعالم. وليس كل انفصال عن الآخر خيالا، لأن هذا الأخير توليد على صلة بما نتحرك ضمنه، أي ضمن إطارات ثقافية وحضارية وواقعية. هنا أميل للخيال المشكل والذي له معالمه الإبداعية والشعرية . وحين يخلو الخيال من زوايا النظر، فإنه يخلو من الحركية التي تجدد اللغة والحياة والذات أيضا. لهذا الاعتبار ـ في تقديري ـ نذهب للشعر كقراء؛ لنتجدد في ماء اللغة وألمه الذي يتلون ويتعدد.
طبقات النص
ما المراحل التي تمر منها قصيدتك؟
القصيدة بالنسبة لي تمتد كسلسلة تكوينية، تنطلق من الذات كمعايشة أولا؛ ثم تحويلها عبر اللغة ذات المستويات ضمن متخيل وسياق. وبالتالي فالقصيدة تكتب وفق كل ، ضمن تناسق ووحدة أثر ما. وأحيانا أتعامل مع كتاباتي بحدة كقارىء أول فإما أن تكون ذات بصمة وإضافة أو لا تكون. وهذا يتطلب طبعا النظر في اللغة وطبقات النص. وبالتالي الاشتغال على القصيدة كقطعة صقيلة ذات حمولة ونسج ونظر.
نباتات مشذبة
هل بمستطاعك أن تكتب قصيدة كل يوم؟
أظن أن للكتابة سيرتها الخاصة وزمنها أيضا؛ فلا اعتبار فيها لليوم وما سواه. لذلك كما وصفت سابقا، فالكتابة بالنسبة لي يمكن أن تكون متقاربة أو متباعدة. الأهم أن تكون على إبداع، أي كسفر في الإنسان والزمن، بصيغة متخلقة شعريا… فالقصائد بمثابة نباتات مشذبة وملونة بحس تخييلي ورؤيوي . وبالتالي، لا يمكن أن تولد بسرعة حتى لا تخضع للاستهلاك الذي يتحرك بلا معنى . بما فيه الاستهلاك الشعري الذي أصبح يطاردنا بلا شعر . فمهما تعددت وسائط الإيصال والتواصل والتي ساعدت على النشر والانتشار السريع . يبقى للقصيدة بيتها الرمزي الذي لا يمكن لأي كان أن يسكنه كسكن في الحياة والوجود .
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
أومن ولو في مسار الكتابة بالنسبية الشعرية. لذا فكلما تقدمت أو توغلت بناء على تجربة ومقروء ورؤيا إلا وأمسكت بنص ما. فالقصائد التي لم أرض عليها لا أدفعها للنشر، بل تبقى في الركن أتبادل معها الغمز المريب. وفي نفس الآن أطارد النص الآتي، لأن كوني الشعري لم يؤثث بما فيه الكفاية.
العلاقة الساخنة والمتوترة
هل فعل كل قصيدة كتبتها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟
قد يشير ذلك إلى علاقة الكتابة بالألم. وأنا أومن بهذه العلاقة؛ كون الكتابة تطوي على طاقة ألم خلاقة. وبالتالي لا بد من هذه التأثيرات، لأن الشعر ينهض على هذه العلاقة الساخنة والمتوترة بالأشياء، بما فيها المخلوقات الشعرية أو المنحوحات داخل المتخيل الشعري. وأظن أننا نكتب، كوننا نتألم من الجغرافيا والتاريخ. لكن ألمنا يتضاعف ويتلون، فيتداخل فيه الذاتي والموضوعي. وحين يصاغ هذا الألم شعريا، يتحول إلى ألم رائي.
بالفعل، شعر رأسي بدأ يبض. هل هو جماع قصائدي؟
دائما أنت تخاف من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك. لذا تبدو مثل تلميذ مواظب على الحضور. وخوفك من هذا المجهول، هل يوازيه خوفك من تساقط شعرك وإصابتك بالصلع؟
يغلب ظني أن الاشتغال والإيمان بقضايا ما، بما فيها ماهو جمالي؛ يجعلك تتقدم كخطوات ترسخ فعلها ولوحها. هذا الإيمان بضرورة مرور الحياة عبر الكتابة، لتكون جديرة بأن تعاش بأكثر من احتمال. هو ما يدفعني إلى مواصلة المسير على الحافة طبعا. وأتمنى أن تنطبق علي صفة التلميذ المواظب ، لأن روح التلمذة تليق بالكتابة والقراءة الدؤوبة التي تغذي الملكة وتستنفر الحواس على الدوام داخل المعارك الحقيقية في الحياة والوجود.
وإذا كان الأمر يقتضي الصلع فليكون، صلع الرأس وليس الكتابة الملساء التي لاتفضي إلا لنفسها.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لا ينشر ما كتبه. بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى الشعر المصفى؟
أن تكتب شعرا أصفى، تلك هي الإشكالية التي يعايشها الشعراء الحقيقيين أو الإشكاليين.أما أن تكتب بشراهة أو تقتير كما تفضلت في التوصيف ليست هي المسألة فيما يبدو لي، ولكن أن تكتب شعرا أو لا. هل يمكن أن نتحرر من الكثير من الأوهام؟ بدل التغليط الذي لاينطلي على الكتابة باعتبارها فاضحة لصاحبها، لو يرى… بالنسبة لي، أصبحت الآن على علاقة حادة بالقصيدة التي ينبغي أن تكتب بوعي متعدد ومعاركة الأسئلة الحقيقية في اللغة الشعرية، لأرقب العالم بحس ما، من نقطة ما أو قل الرؤيا . أنا ذاهب في هذا الاتجاه ما استطعت إلى ذلك شعرا.
الوصايا المؤدلجة
هل أنت مقتنع تماما بوجود ضرورة أن تمارس عليك أحد وصاية على ما تكتبه ويحاسبك على أخطائك ويتغاضى على صوابك؟
أنا على اقتناع بما يمكن تسميته بـ الكرامة الشعرية منذ أول نص كتبته. وبالتالي لم أبال بملاحظات أستاذي الأولى التي لم تضف لي شيئا. واكتشفت فيما بعد أنها متسرعة ولا تمث للإبداع الشعري بصلة. لكن يعني هذا في المقابل أن يكون المبدع على دراية دقيقة بأدواته ولغته. لأن في اللغة مستويات ومنها مستوى التواصل كملكية مشتركة. ودون الوعي بهذه المسألة، يكثر الرفس والالتباس داخل القصيدة. نحن نقيم في اللغة بأهلية إبداعية وليس بنزق أعمى.
لا أقبل الوصايا المؤدلجة أو المعبرة عن نوايا خارج الإبداع، وفي نفس الآن أقبل الحوار مع الأصدقاء الأصفياء المخلصين للكتابة وشأنها الذي لا يخضع للآنية والادعاء.
أمارس النقد الذاتي باستمرار، وأصغي للآخر. لكني متأهب لرد ترهات الجهلة والنقدة. في هذا الصدد أتمنى أن تكون لدينا فضاءات حوار حقيقية خارج الإخوانيات، للتحرر من الأوهام بما فيها وهم الكاتب نفسه، وإعادة الكتابة لكتابتها من هذا اللغط المتأنق.
المخيلة البشرية
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته. هل تنتظر مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والإبداع. وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
أظن أن الثقافة تخضع بمعنى ما لأي تحول في المحيط والسياق كحاسة. لأنها تتحرك بذوات تحترق وتتفاعل بناء على تأملات وتحاورات مع ما يجري . لكن العطاء الثقافي والإبداعي محكوم على الدوام بالهدوء، لأن من صفاته الموقف الرزين والتحليل غير الخاضع للسرعة وتبادل التهم الحماسية. من هنا أتساءل دوما ما هو النص الجدير بهذا التحول وما يحمل من تراجيديات؟. فقبضة النظر منكسرة. وبالتالي، النص العربي الآن، لا يمكن أن يكون إلا جريحا، ولكن على طبقات تشكيلية مستوعبة. ومن الملاحظ، أن النص العربي يخرج من تحت ثقل الترسبات المقدسة والقوانين الصارمة منهكا، لأنه يسعى دائما إلى النمذجة. أتمنى أن تكون للنص الإبداعي العربي الراهن راهنيته ولمسته الخاصة التي تضيف للمنجز الإنساني ككل. لأن الإبداع الحقيقي يتغذى على الكوارث والأزمات ويحولها إلى جغرافيات قد تخص كل إنسان في أي مكان. وبالتالي إغناء المخيلة البشرية.
هل من الضروري أن تكون منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء هذا من جهة. ومن جهة أخرى هناك من يرى أن الشاعر قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف. بالنسبة لك، هل نلت هذا الاعتراف إلى حد هذه الساعة؟ وما ذا أضاف إليك؟
ليس بالضرورة أن تكون منتميا لمؤسسة ثقافية لأن المؤسسة لاتخلق كتابا حقيقييين. ولكن قد تساعد على ترويج العمل وتسليط الضوء عليه كوسيط بين المبدع والقارىء في المجتمع.
ولا ينبغي أن نغفل هنا وضعية المؤسسة الثقافية عربيا التي لم ترتب بيتها بشكل ديمقراطي يؤمن بالكفاءة والعمل الجماعي في اتجاه ترسيخ الفعل الثقافي في المجتمع والحياة.كأن هذه المؤسسات تخدم نخبا معينة تريد أن تظل متربعة على جماجم المبدعين على غرار الحاكم العربي.. وفي المقابل أقول دائما أن الاشتغال الدؤوب يمكن أن يوصلك للقارىء. لأن هناك قراء حقيقيين على الرغم من هذا الغثاء. وبالتالي فالمقروئية والإنصاف يأتي بالتدرج. أعتبر في هذا السياق بتواضع أنني أنصفت. ولكن لا أنتظر شيئا يقايض.. وهو مدعاة لي للاستمرار في هذا الخيار المضني. وفي نفس الآن العمل على إنصاف الجادين والمخلصين للكتابة ما استطعت إلى ذلك عملا. تهمني هنا الصداقات مع كتاب ومبدعين، أجدني في بعض الأحيان مقصرا اتجاهها، نظرا لإكراهات العمل والكتابة نفسها. وبقدر ما أعطيت، علمتني الصداقات الكثير، فتعمقت الحياة والكتابة. هذا ما ينضاف إلي باستمرار، ولا معنى له دون كتابة.
/4/2012 Issue 4182 – Date 24 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4182 التاريخ 24»4»2012
AZP09