الشاعرة المغربية مريم البقالي تتحدث لـ (الزمان)

الشاعرة المغربية مريم البقالي تتحدث لـ (الزمان):

أخشى هجرة الحياة الحقيقية الخالية من الشوائب

حاورها: عبدالحق بن رحمون

الرباط

أكدت لـ (الزمان) الشاعرة المغربية مريم البقالي أن قصائدها تمثل الجزء الأكبر من سيرتها الداخلية، انطلاقا من حكايتها مع السؤال الوجودي، مضيفة أن قصائدها تتضمن في بعض الأحيان، صورا من الخيال الذي يأتي في بعض الأحيان، ليرقع، الثقوب التي أحدثها عنف الزمن، وتقول: “كما قد تكون في جزء منها صورا من المستقبل”.

هذا وبمناسبة صدور ديوان شعر جديد بالقاهرة لمريم البقالي موسوم بــ”يا شعر لاتهجرني” التقيناها وحاصرنها بعدد من الأسئلة، وبذلك كشفت عن بعض من أسرارها وقالت: إن القصيدة لها عوالم بمعزل عنها  في لحظة غياب الذات التي تسكنها  ذوات عوالم أخرى، مؤكدة أن الشعر ترجمة لهذه الحياة الحقيقية من خلال الكشف والدهشة وحجمها.وأهم ما يميز تجربة الشاعرة المغربية مريم البقالي أنها مولعة بالشعر حد الجنون، وتعتبره الشجرة التي تحرق نارها جبينها باعتبارها باعث للحب والأمل والبهجة في الروح.

تجدر الإشارة أن مريم البقالي ديوانها الصادر أخيرا هو الأول بالعربية، حيث سبق أن صدر لها ديوان بالفرنسية موسوم بـ “حوار الظل” إلى جانب رواية بالفرنسية صدرت بباريس موسومة بـ “وحدة الرسالة”  هذا إلى جانب عدد من الترجمات والبحوث النقدية.

ولمعرفة خبايا مختبرها السري ومعادلات قصائدها الكميائية وخفايا بوحها العميق، أدعوكم لقراءة تفاصيل ذلك في الحوار التالي:

الشخصية والهوية

{ صدر لك أخيرا ديوان شعر بالعربية بالقاهرة، ما سبب التحول من الكتابة باللغة الفرنسية إلى اللغة العربية؟

– هو ليس تحول بما أنني أكتب بهما معا منذ سن المراهقة شعرا وقصة قصيرة وخواطر وأنشر ما أكتبه في الجرائد الوطنية كالعلم والميثاق الوطني. لكن لم يكتب لديواني الأول باللغة العربية أن ينشر بسبب طغيان الكتابة بالفرنسية والقراءة بها، بحكم دراستي للغة الفرنسية وآدابها حتى حصولي على دكتوراه السلك الثالث في الأدب الفرنسي تخصص شعر.

لكن تبقى الكتابة باللغة العربية حدثا بالنسبة لي وكنت كلما هجرتني الكتابة باللغة العربية أو لنقل إلهام الكتابة بها، أحسست بخوف كبير كما أحس بذلك عندما يهجرني الشعر. وعبرت عن غياب اللغة العربية في كتاباتي كلما تأخرت عني في قصيدة تضمنها الديوان وحملت اسم “هي لغتك و أنا شعرها”.

اللغة العربية، كما الشعر، مكون من مكونات شخصيتي وهويتي، حين أفتقدها يصيبني الذعر وهذا يرجع لمفهوم الشعر من خلال اللغة عندي والذي هو في عمقه تجاوب مع الحياة، لحظة حب وتواصل مع الأشياء كما الأشخاص.

{ نعثر في شعرك على أنوثة صاخبة وهادئة، ما السر في ذلك؟

– الله يعلم السر وأخفى…لكن بالنسبة للهدوء فأنا أعشقه..أعشق الصمت والتأمل والدخول في تواصل مع عوالم أخرى…

اللحظات المختلفة

{ ما هي بعض نقاط ضعفك… وما هي الأشياء التي تجعلك أمام ضغط البوح لتكشفي أسرار قلبك وهواجسك في قصائدك؟

– الأشياء التي تجعلني أمام ضغط البوح مرتبطة بمدى تفاعلي وتجاوبي مع الآخر شخصا أم حيوانا أم  شيئا. قد يدخل الشاعر في لحظة من اللحظات الاستثنائية في تواصل مع شجرة وتكشف له عن شيء..كما قد تكشف له أسرار أخرى في لحظة من لحظات صفائه أو غيرها من اللحظات المختلفة.

كما كنت قد أجبتك على سؤال حول الكتابة في حوار سابق، قلت لك إنني لا أستعبد الكتابة بل أترك لها مجال أن تأتيني طيعة في الحلة التي تريدها. أتحول فقط إلى وعاء يحمل رسالة معينة، حقيقة معينة أحاول أن أنقلها بكل أمانة ما استطعت. وهذا يعني أنني في أغلب لحظات الكتابة مجرد كائن راضخ لحقائق معينة وقوانين مكتوبة بلغة أخرى غير الكتابة وعبر هذه الأخيرة تنقلها الذات المتموقعة في المفترق بين عالمين وتبقى نسبة صغيرة من شعري عبارة عن ردات فعل…

السلاسة في الشعر

{ تميلين في الكتابة إلى قصيدة النثر… ما نوع الموسيقى الشعرية الأقرب إليك حين تفصحين وتترجمين دفقاتك وشحناتك الشعرية؟

– بالنسبة لي، الشعر يختار قالبه، لغته، صوره وكل شيء…لكني كذات كاتبة، أحب السلاسة في الشعر أو بالأحرى الشعر عندي هو الذي يميل إلى السلاسة التي تتحقق بالموسيقى الداخلية للكلمات والخارجية في القافية دون تقيد بقاعدة معينة. و في هذا السياق ليس هناك موسيقى شعرية أقرب لي من أخرى لأعبر بها عما يختلجني.

الضياع الحقيقي

{ تخافين أن يهجرك الشعر، وهل النهر يخاف أن لا يتوقف ليصب في البحر، باعتبار أن للنهر طريقاً واحداً  ولا خوف عليه.. لمَا كل هذا الخوف الذي نقرأه ونشعر به في مجموعتك الشعرية الجديدة؟

– بل أخاف أن تهجرني الحياة الحقيقية الخالصة الصافية الخالية من كل الشوائب التي تحول بين الإنسان و حياة يمر بجانبها مرور الكرام…

وما الشعر سوى ترجمة لهذه الحياة الحقيقية؟ الشعر كما قال عنه سان جون بيرس هو علم الإنسان. فكيف لا أبكي حين يهجرني الإنسان بداخلي؟ وكيف لا أحزن حين أضطر لأن أتجاهله وحاجياته الأساسية لأنشغل عنه “بكل هذا الذي يجب” على حد تعبير محمود درويش؟

ليست كل القصائد التي كتبتها تترجم هذا الخوف لكن الخوف الذي يلمسه القارئ هو خوف كل متشبث بكل ما هو أساسي، علمي، وجداني في الحياة، أن يضيع هذا الدرب فيحصل الضياع الحقيقي. علم الإنسان هذا هاجسي كإنسانة باحثة في هويته وأهداف خلقه…

غياب الذات

{ كيف تكتبين وتقيدين قصائدك… هل تكتبينها دفعة واحدة أم عبر مراحل؟

– اللحظة، الكشف والدهشة وحجمها. كل هؤلاء يتحكمون في وقت ومكان الكتابة. قد أكتبها أو تكتب نفسها القصيدة بمعزل عني في لحظة غياب الذات التي تسكنها  ذوات عوالم أخرى.

وقد أكتب القصيدة عبر مراحل وهذا حين يكون للقصيدة نفس فتتجدد أو يتجدد الإحساس حتى تكتمل الحكاية أو الرسالة. وباختصار، لا توجد قاعدة معينة عندي ولا أحب أن أتقيد لا بقواعد ولا بطقوس معينة. وحده الشعر، كما يتمثل لي، يتربع على عرش اللحظة فيتحكم في كل شيء.

{ هل وجدت الأسلوب الذي تبحثين عنه وما يناسب تجربتك أم أن عليكِ في كل عمل أن تقدمي تجربة مغايرة؟

– أنا أصلا لا أبحث عن أسلوب يناسب تجربتي وقد يأتي هذا مع الرواية، فقد أضطر لأن أبحث لي عن قالب معين للحكي ولو أن هذا لا يناسب شخصيتي التي لا تقبل التقيد في مجال الإبداع الأدبي وخصوصا في مجال الشعر.

حكاية السؤال

{ هل قصائدك هي جزء من سيرتك أم هي مجرد خيال؟

– قصائدي تمثل الجزء الأكبر من سيرتي الداخلية، من حكايتي مع السؤال، كما تتضمن في بعض الأحيان صورا من الخيال الذي يأتي في بعض الأحيان، ليرقع الثقوب، التي أحدثها عنف الزمن كما قد تكون في جزء منها صورا من المستقبل…

الحميمية

{ ما نصيب الحب في شعرك و هواجسك؟

– الحب بمفهومه الواسع عندي هو الحياة فكيف لا يأخذ كل النصيب من اهتمامي؟ لكن، أظن أن ما تقصده هو حب المرأة للرجل ووجوده في حياتها.

 كما هو الشأن بالنسبة للرجل، كل امرأة تحتاج لرجل في حياتها لكن ليس لأي رجل والسلام. يجب أن يكون هذا الأخير قريبا من روحها واهتماماتها حتى تتحقق الحميمية بينهما ويصبح لهذه العلاقة قيمة حقيقية.

{ في ماذا تفكرين بعد هذا الإصدار الشعري الجديد؟

– أفكر في إصدار كتاب مترجم  في الفلسفة ، جاهز للنشر منذ سنوات…

صوت الشاعر

{ هل أنت متفائلة بمستقبل الشعر بالمغرب؟

– آخر مرة حضرت أمسية شعرية بدار الثقافة بمدينة فاس، أصبت بصدمة عبرت عنها في قصيدة  “هناك في دار الثقافة..”. فبالرغم من مساهمة ثلة مرموقة من الشواعر والشعراء كالشاعرة المتصوفة آمنة المريني والشاعر عبد السلام الموساوي وغيرهم إلا أنني أحسست بأن الشعر يشيع إلى مثواه الأخير. ولن أخفيك شيئا فوالله عندما عدت إلى البيت بكيت.

كان المكان بدار الثقافة  مقفرا بسبب حضور غير مهتم بما يقرأ على مسامعه باستثناء قلة محسوبة على رؤوس الأصابع. وكان صوت الشاعر في المجمل – باستثناء وللأمانة صوت الشاعرة آمنة المريني- خافتا وإلقاؤه باهتا. لقد أحس الشاعر بهذا  حتما، كما أسر لي صديقي الشاعر عبد السلام الموساوي،  فجاء بكاؤه مخفيا.

كاهل المواطن مثقل بحمل توفير لقمة العيش والسكن وضروريات الحياة كما أن ثقافة حب الشعر مغيبة بطرق شتى في حياتنا ويطغى عليها الترويج لأشياء غير أساسية فيها. إذا كانت أغلبية من المواطنين المصنفين ضمن الفئة الدارسة والمسؤولة بمدينتنا لا يعرفون حتى بوجود لدار للثقافة بها فيمكنك أن تتصور الوجود الباهت للشعر ضمن اهتمامات هذا المواطن…

ومع ذلك، يبقى الشعر كما قلت هو تجلي الإنسان الحقيقي الذي لا بد أن يخرج و يستمر في عافية جيدة    وإلا لن يستمر إلا وهو مريض..

كوة ضوء

{ ما رأيك في التجارب الشعرية المغربية؟

– أرى أن هذه التجارب الشعرية المغربية سواء باللغة العربية أم الفرنسية ممتازة ينقصها أن يسلط عليها الضوء من طرف النقاد والإعلاميين حتى تصبح تجربة الشعر جوهرية في حياة المواطن المغربي لأنها لصيقة بجوهر الإنسان.