
الزمان والزمن الجميل – حقي الراوي
في منتصف السبعينات من الزمن الماضي الجميل بقيمه الاخلاقية اللائقة هنالك رجل من اهالي محافظة السليمانية قد قرر الذهاب الى محافظة بغداد بهدف انجاز معامله تتعلق بنقل ولده الطالب في المرحله الاعداديه الى مديرية تربية السليمانية وبعد وصوله الى بغداد واستكمل معاملة النقل ذهب الى احد الاسواق ليشتري بعض من الحاجات الضروريه والتي قد كتبها على ورقة صغيره وخصص لها مبلغ من المال ، فدخل الى احد المحال التجاريه وكان صاحب المحل شيخ كبير في السن ومعه ثلاث من الشباب يبدو انهم ابناءه ثم قام الرجل باخراج ورقة الاحتياجات للمواد وطلب تجهيزها وقد تم ذلك ثم ادخل يده في جيب البنطلون لتسديد مبلغ الشراء الى الشيخ الكبير صاحب المحل الذي كان جالساً، لكن الرجل لم يجد اي مبلغ في جيبه وحاول مرات عديده في البحث فلم يجد شيء فقال له الشيخ صاحب المحل يا اخي الفاضل اني اراك قد تبدل لون وجهك واستشعرت انك مشغول متعب مهموم فقال له لقد استحدث موقف ضروري اخر وقررت ان اؤجل شراء تلك المواد اذا سمحت لي بذلك وبالاحرى عدم وجود مبلغ يكفي للشراء واني من محافظة السليمانية فألح عليه الشيخ في الاستفسار عن المشكله فقال له الرجل كان معي مبلغ (20) دينار كاملة اعددتها قبل سفري الى بغداد بهدف التسوق واعتقد انها ضاعت او نسيتها في البيت .فقال الشيخ اقسم بالله العظيم ان تاخذ تلك المواد على ان تعيد مبلغها اذا رجعت ثانية الى بغداد ولكن الرجل حاول ان يخرج من الموقف المحرج ويغادر فحاوره الرجل بان مجيئي الى بغداد مكلف جداً الا في الحالات الضروريه وقد اتاخر عليك بعض الوقت فقال الشيخ نعم ادركت ذلك ولكنه اقسم بالله مرة اخرى على ان اخذ تلك المواد، وقبل ان احمل تلك المواد التي اشتريتها سرعان ما بادر بتقديم الضيافه وكانت ((شربت زبيب وقطعه من الجرك )) فتشكرت منه كثيراً واعطيته عنواني في محافظة السليمانيه وذهبت لاغادر بغداد وعلى مسافه ليست ببعيده عن المحل واذا باحد الاشخاص ورائي ينادي (عمي عمي ) قلت له نعم قال ان ابي قد عثر على النقود داخل المحل وهي (20) دينار وقام باستقطاع مبلغ المواد وهذا هو الباقي من المبلغ ففرحت كثيراً و تعجبت من هذه الامانه والطيبه وحسن الاستقبال والتوديع لاهالي بغداد الاصلاء وقلت الحمد لله الذي عوضني ما لا احتسب لاقوم بتسديد الاجور الخاصه بالذهاب الى السليمانية وعند وصولي الى محافظتي وفي داخل بيتي الخاص استبدلت ملابسي فاخذتها زوجتي الفاضله لاعادة رونقها من جديد فوجدت بداخلها مبلغ من المال وقالت هذه عشرون دينار لقد نسيتها وان لم افتش جيوب البنطرون لذهبت في الماء فاجهشني البكاء عن ما قدمه ذلك الشيخ من موقف انساني لايصدق ولا يخطر على بال احد بل على بال اكثر الناس في هذا الزمان ان صح التعبير الذي فرق بين هذا وذاك وانتهكت خلاله القيم الاخلاقيه وتنكر الانسان عن اخيه لمصالح ذاتيه دنيويه زائلة على الرغم مما يجمعهم من ارث حضاري وارض واحدة .وبعد فترة من الزمن قررت ان اذهب الى محافظة بغداد والتقي الشيخ الاكرم بجود اخلاقه وطيب كرمه ومنزلة شهامته ورفعت تصرفه حتى اجازيه خير الجزاء على ما قدمه من موقف انساني لايقدر بثمن .فاشتريت له هدية متواضعه ( لبن ، جبن ، وبعض مما يتواجد في السليمانية من اشياء ) والتقيت بالشيخ شوقاً لرؤيته و شكرته على حسن خلقه وفي ذات الوقت اخذني التصور بعيداً لاقارن مع نفسي ذلك الموقف مع ما هو سائد من مواقف كثيره في هذا الوقت بعضها لا يرتبط بالانسانية بل اغلبها ان استرجعت يندى لها الجبين .الله اسأل ان يوحدنا لما هو خير وبركة ورحمه ورفعه ويجمعنا على التقوى وحب الوطن وابناءه انه نعم المولى ونعم النصير .
{ اقتباس بتصرف
























