

قيس الدباغ
المكان جبل سنجار
الزمن عام 2014
لاتستطيع الكلمات مهما بلغت جزالة اللفظ وروعة البيان أن تنقل الصورة الحقيقية لما حدث في جبل سنجار، رب العائلة الايزيدي حاجو يسكن في مدينة سنجار مع عائلته المكونة من عدة أفراد وكعادة جل العوائل العراقية يسكن أبيه وأمه وأخواته معه أو قرب منزله وكان حاجو محب جدا لعائلته يعمل ليل نهار على شاحنته الصغيرة نوع بيك آب في سبيل توفير حياة كريمة لأسرته وكل آماله أن يكمل أطفاله دراستهم ويلتحقوا بالجامعات ويكونوا كالافراد الذين يراهم على شاشة التلفاز وقد أضنى جسده في العمل وتوفير كل مستلزمات الدراسة وكان يعول كثيرا على طفلته المدلله فاطمة التي لم تخيب ظن أبيها في تفوقها الدراسي وحلمها أن تصبح طبيبة تعالج نساء المنطقه التي انهكن المرض والفاقه والعوز وكانت فاطمة تمازح عجائز الحي بأنها سوف تعالجهم في عيادتها المستقبلية مجانا مع وصفة دواء على نفقتها وكانت العجائز يبتسمن لهذا الحلم الطفولي ويقلن لها انت الآن في الابتدائية عندما تصبحين طبيبة نكن نحن في عالم آخر ثم يداعبنها في جذل ضفائرها الذهبية ثم تغدو لبيتها تقفز جذلانة من مكان إلى آخر وتقرع باب منزلها رغم أنه مفتوح لتسمع نداء امها.
من بالباب ترد بصوت عالي نعم مامي الدكتورة فاطمة وصلت فتحتضنها الأم بكل حنان وترفع رأسها للسماء وتدعو( اشاء الله ) وتعني إن شاء الله وتعود فاطمة إلى كتبها ودفاترها لتنكب على دراستها بجد ونهم عظيم، وصلت الوحوش البشرية داعش إلى جنوب سنجار في يوم أسود هاج الناس وماجوا وخصوصا قد سمعوا عن وحشية وظلم وتعسف تلك المجموعات وهم الناس بالرحيل لكن حجم القوة العسكرية المتواجدة في الجبل وتطمين المسؤولين بأن كل شيء على مايرام وقولهم لم ولن يتمكن الدواعش من التقدم لشبر واحد مما أودع في نفوس الأهالي نوع من الطمأنينة القلقة ومع هذا أستعد البعض وحملوا سلاحهم للدفاع عن حياضهم وبقى الدواعش عدة ليالي مستكنين ولكن حاجو قد ملأ خزان سيارته بالوقود تحسبا لأي طارئ وفي أحد الصباحات التعسة تفاجأ الناس بوصول الدواعش داخل مدينة سنجار أدار الأهالي وجوههم ناحية الجبل ولكن الصاعقة الكبرى لم يجدوا القوة العسكرية التي كانت مرابطة على سفوح الجبل لقد انسحبت وهب الناس جميعا إلى الهرب وضع حاجو المذهول بحجم الكارثة كل عائلته في شاحنته الصغيرة مع ما يتمكن من حمله من أثاث خفيف وعدة خزانات صغيرة من الماء والوقود وكانت حصة فاطمة الصغيرة مقعد فوق أحد خزانات الوقود القريبة من الباب الخلفي لشاحنة النقل المكتظة بالأطفال والنساء والشيوخ أنتبه الدواعش إلى حجم العجلات المغادرة لسنجار وكلفوا قوة صغيرة بقطع الطريق ومتابعة الهاربين وكانت الكارثة الكبرى أن شاحنة حاجو آخر العجلات المغادرة لثقل حملها صعودا لطريق الجبل ذي الميلان القاسي ونتيجة للطريق الوعر سقطت المسكينة من الشاحنة إلى الأرض نهضت بسرعة وقد أصابها الفزع الشديد بعد أن رأت عجلة للدواعش على مسافة قريبة منها تتعقب شاحنة أبيها وحاجو المسكين يشاهد ابنته فاطمة في المرآة الجانبية للشاحنة تركض وتصيح بأعلى صوتها( بابي بابي ) والمسكين حاجو لايستطيع أن يخفف ضغط قدمه على دواسة البانزين ودموعه تجري حتى لايكاد يرى خط سير الشاحنة.
وأخذت روحه تنسل من بين ضلوعه كلما ضغط أكثر على دواسة البانزين وعيناه لاتفارق المرآة الجانبية وكلما ابتعدت شاحنته عن الخطر كلما أقترب الوحوش من ابنته فاطمه المدلله وصورتها وهي تركض بأقصى قوتها ويداها تلوح بالفضاء كالغريق بابي بابي والجميع الذين على ظهر الشاحنة يبكون ويصرخون بهستيريا عاليه وينادون القدير أن يسعفهم وصورة فاطمة تصغر بالأفق حتى أدركها الدواعش وحملوها وهي ترفس بأقدامها وتناضل بأيديها والوحوش تضحك وكل يصيح هي لي وحاجو المسكين بين نارين نار عائلته ومصيرها المحتوم كبار السن للقتل والنساء والأطفال للاستعباد ونار سقوط فاطمة بيد الوحوش ، قدمت فاطمة ذلها واستعبادها ودفنت أحلامها في سبيل إنقاذ عائلتها وهكذا انتقلت من يد وحش بشري إلى آخر حتى وصلت إلى كبيرهم كعبدة ذليلة في النهار تخدم وفي الليل للاستعباد الجنسي لوحوش تتلذذ بجنس الأطفال، يالله سبحانك وسبحان حلمك وصبرك على هذا الظلم والكفر، بعد أيام مات حاجو كمدا وحزنا وقامت الجمعيات الخيرية والمحسنين من البشر بدفع مبالغ طائلة كفدية لفك أسر الايزيديات من الدواعش.
ولم تكن فاطمة من ضمنهم حتى تمكنت في ليلة من الفرار واحتمت بعائلة فقيرة من الساكنين في تلك المنطقة من غير قوميتها ولا من دينها ولكن رق لها قلب رب العائلة ووضعها مع بناته وغامر بحياته واوصلها إلى أقصى مايمكنه الوصول على الحد الفاصل وسارت وحدها بالليل مستأنسة بوحشة الليل وهدوءه وعبرت نهر صغير غير أبها بالغرق ووصلت لأهلها شاكرة لعرفان من حماها وأجارها من ظلم الدواعش ولكن في جسد وروح فاطمة جروح عميقة لم تندمل، لعن الله من أسس لهذا الفكر ولعن الله من روجه ولعن الله من سكت عليه ولعن الله كل شيوخ الكفر من مئات السنين ولحد الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رحم الله كل الذين قدموا أرواحهم لخلاصنا من تلك الوحوش ورحم الله كل الشهداء المظلومين ورحم الله كل المعذبين والمعذبات من أصحاب الأخدود إلى أصحاب الخسفة وشهداء سنجار وكل الشهداء ملاحظة القصة حقيقة مع بعض التصرف إن لم تدمع عيناك حزنا راجع قلبك وإنسانيتك وعذرا.
























