الرحيل –  هادي عباس حسين

قصتان قصيرتان

الرحيل –  هادي عباس حسين

بمنتصف السنوات العشر من عمري  الاخيرة والتي قا ربت نصف قرن، ستة  اربعين سنة بفصولها الاربع مضت ومازلت اعاني هذه الجدران التي كلما زحفت الساعات الاولى من لياليها المظلمة وبانصافها وبعدها احس براحة في جسدي من عناء يوم طويل اقضيه وبمهمتي التي اعتدت عليها ان اكن مربية لابنتي زهرتي وعيوني التي ارى بها والممرضة لهذا الجسد العاجز عن الحركة، نعم انفذ كل طلباته وواهيئى كل ما يحتاجه  من اشياء ضرورية له، انا اترقبه وكل مرة اتمنى ان يتحرك كما كان وكما عهدته في ايام زمان عندما كان قويا، لم يكن شابا كما تمنيته في بداية زواجنا فانه يكبرني بعشرات السنين، لم انتبه لفارق السنوات بيننا كل الذي اراده الاهل تم بالاتفاق بالرغم انتي كنت مجبرة عندما سالت نفسي _ المهم ان اتزوج…

لا احد خطرت في عقلة فكرة عن الحال الذي وصلت اليه زوجة في قمة نضوجها مع رجل متعب وفي شبه النهاية الحتمية له، كان بودي ان اصرخ بصوت عال

_ هذا لايفيدني..

ثمرة هذه المجازفة والتي اعتبرتها نتيجة سيئة ان الد ابنة جميلة هي من تصبرني على ماساتي، حتى دموعي لن تخفف الامي ومعاناتي وصورتي سجينة اعمدة البيت ومربية لابنتي وممرضة لزوجي الذي اقترب للثمانين عاماً، كل يوم يمضي والحياة تبدو لي مقرفة مملة ميتة لا حركة بها، احس انني مدفونة معه في زمن يحمل خفايا مجهولة، علي التهرب من واقعي المرير باية وسيلة، ان احقق ذاتي واعيد لي هوية روحي التي فقدتها والفراغ الذي يطوقني ووحدة قاتلة باوقاتها المتفاوتة تعتريني فقد جفت دمعاتي واتعبتني الشكوى مخاطبة ربي بالقول

_ يارب.. ااستحق منك هذا الذي انا فيه… ؟

لتخرج الدمعات مجبرة لتخلق على شفة ابنتي سؤالها البريء

_ لماذا تبكين يا امي… انا احبك واحب ابي… بسببه تبكين..

احتضنها برغبة وارفع عيني الى الاعلى وانطق

_ احمدك يا ربي على هديتك لي ابنتي…

فتعانقني بقوة وتمسح دمعتي باصبعها قائلة

_ يكفي انك امي الصابرة مع اب حاله مثل حال ابي…

فقد تحول زوجي الى رجل عصبي المز اج متقلبا في تصرفاته التي صارت عجيبة غريبة ليتركني في النهاية الى زوجة عليها ان تتحمل وتعيش حياتها بالم وحرقة ومعاناة لاتنتهي متمثلة برغبتي بان اشعر انني امراة متزوجة  وهناك  رجل يلبي كل رغباتي بمختلف انواعها. حتى فقدت كل شيء امام امر الله وحكمته، كنت بحاجة الى رجل ياتيني لينقذني مما انا فيه وكيف يحدث هذا وانا على ذمة رجل  وتربيتي لاتسمح ان امارس الرذيلة واخلاقي ترفض هذا جملة وتفصيلا، كذلك حظي العاثر دفعني ان اتكلم مع فارس احلامي الذي حضر بوقته الضائع عندما احكم جهاز موبايلي وعلى الفيس بوك، جاء دون موعد او استئذان بل اقتحم رجل حياتي لاتحدث له عن تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، كان غربي الاصل اجتاز سنوات عمره السبعين  ابيضت شعيرات راسه  الا انه رجلا تفهم حالتي وشرود  ذهني والحالة الصعبة  التي انا فيها، وجدته هو المتنفس الوحيد الذي اطلعته على اسراري، لم اره مباشرة ولم التق به وان حدث هذا او حصل  ماذا ساقول له وهل ساصدق ما ساسمعه من رجل عشق الخضار والنواعير وهي تدور على الفرات، كان فراتيا قد اكتمل ونضج عقله حقا اعجبت به لثقافته وطيبة قلبه واسلوبه الواضح والبسيط عندما بحاول نقل كلامه بعد تفكير سديد بالقول

_ انا وانت خطان متوازيان..

عرفت ان دجلة والفرات يلتقيان بواقعهما وانا معه لانلتقي مطلقا.. خطان متوازيان..

دموعي تنهمر وابنتي تلصق جسدها بجسدي  لتتسرب حرارة جهلت مصدرها وقالت لي متسائلة

_ اتحبين ابي يا امي…

اعتصرتها بقوة وعانقتها وبكيت بحرقة ناطقة

_ لاجلك انت..

قالت بالم

_ يا امي حرارة ابي مرتفعة… تسع وثلاثون…

طمأنتها بالحال وقلت لها

_ هي حرارته الاعتيادية…

عصرت يدي وبخوف و اجابت

_ اخشى عليه من فايروس  كورونا…

اجهشت بالبكاء وسقطت دمعاتي على يدها وكانها لسعت فصرخت

_ لاتخافي يا امي اعرف انك تحبين ابي…  ووجه الرجل الفراتي يملا ارجاء الغرفة بينما غفت ابنتي وبقيت اسمع دقات قطرات المطر على شباك نافذة غرفتي ووحشتي للنوم بفراشي  وحيدة  وكان صمت الرحيل ياخذني اليه للفراتي  لمكان بعيد…