الربيعي والتجريب – خاطرة بين المسافات – علي خيون

قصص وأصحابها

الربيعي والتجريب – خاطرة بين المسافات – علي خيون

   روائي وقاص عراقي يقيم في تونس منذ عام 1989،ولد في مدينة الناصرية جنوبي العراق عام 1939،درس الرسم اختصاصا في كل من معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون الجميلة.أدار المركز الثقافي العراقي في من تونــــس وبيروت بين عامي 1979ـ 1986.

لفت عبد الرحمن مجيد الربيعي اليه الانظار بمجموعته الاولى ” السيف والسفينة”، لما تضمنته من تقنية جديدة، ومحاولة في التجريب لم يسبقه اليها أحد من جيله.ثم نالت روايته ” الوشم”اهتماما كبيرا لم يحظ به عمل روائي عراقي قبلها، وطبعت مرارا ودرست في عدد من الجامعات العربية والعالمية.وفي رصيده أكثر من أربعين كتابا بينها خمس عشرة مجموعة قصصية وتسع روايات.

   جعل الربيعي مدينة الناصرية محورا لأعماله كلها،حيث عاش المرحلة الاولى من حياته قبل قدومه الى بغداد،ونجح في أن يجعل المدينة منبعا لذكرياته منذ الطفولة.

   تستحق الناصرية أن يفخر بها الربيعي،ويكتب عنها الكثير، على أرضها قامت الحضارة السومرية في ممالك أور، لكش،أوروك،وفيها ولد النبي ابراهيم عليه السلام.وهي رابع مدينة عراقية بعد بغداد والبصرة والموصل،أسسها الأمير العراقي ناصر الأشقر باشا السعدون بمعونة مهندسين فرنسيين العام 1870م.

التقيت الربيعي أول مرة، في مجلة الأقلام، يوم كان رئيسا لتحريرها،إذ كنت انشر فيها أولى قصصي،وجمعنا حوار حول روايته “الوشم”،ثم لم أعد التقي بالربيعي بسبب سفره، حتى جاء اليوم الذي طلب فيه أن يراني في الثمانينيات ،فوجدته ينتظرني حزينا في باحة فندق المنصور ميليا،وفاجأني بقوله:

ـ أنا في ضيق شديد وبحاجة الى الحديث معك.

 وبسبب ازدحام المكان،اقترح ان نخرج الى المنصور، حيث استأجر سكنا مؤقتا،وهناك قطعنا الشوارع في مسير متعب وطويل، كان خلاله الربيعي يحدثني عن مشكلة خاصة ترافقت مع عودته الى بغداد من مقر عمله في بيروت، ورغبته في الـــــعودة اليها أوالى تونس.

لم أر الربيعي مرة أخرى،فقد وجدت وزارة الثقافة حلا معقولا لمشكلته،فاستقر في تونس،وتزوج من اديبة تونسية،ولم يغادرها حتى الآن،ومع أنه كتب روايات عديدة،صور فيها تفاصيل الحياة التونسية، إلا أنك حين تقرأ له ،فأنت تجد الناصرية حاضرة بوصفها مدينة جنوبية لها نكهتها الخاصة،ثم تعود بالذاكرة الى روايته البكر الوشم،لتذكرك بأبطاله الاشكاليين المتمردين المأزومين. هؤلاء الابطال الذين تزخر نفوسهم بخيبة مرة من عمل سياسي بائس جربوه،فيمضون الوقت في المقاهي والتسكع والتشرد والانزواء،مع غيرتهم على وطن يتقوض شيئا فشيئا.

وتظل أعماله كلها تتحدث عن جــــــيله،بأمـــــانة واخلاص حتى أنك لتستطيع أن تعرف أبطال رواياته بمضاهاتها بشخوص حقـــيقيين،أو كما قال الراحل عزيز السيد جاسم عن رواية الوشم”انها قصتنا جميعا”.

في حضوره الأخير الى بغداد في العام الماضي،جاءني صوت الربيعي هذه المرة من فندق فلسطين مرديان،لكنه لم يحدثني عن مشكلة عائلية، ولا عن الناصرية،ولكنه قال لي بألفة:

ـ أريد طعاما عراقيا،دولمة ، تشريب،كبة ،أي شيء يذكرني بأيام بغداد الجميلة.

قبل عامين،وضع عبد الرحمن الربيعي حياته بين دفتي كتاب عبر مذكرات صادقة يروي فيها تفاصيل حياته أطلق عليها عنوان:”أهي حياة؟”،وكأنه يسخر منها أو يقول لنا،إن حياته التي عاشها صعبة قاسية،وهي قاسية حقا في شطرها الأول،ولكنها زاخرة بقضية جميلة وهي أن يكتب قصة أو رواية جديدة،وتلك حياة تستحق أن تعاش،وأن تقدر وتكرم.