الرأي العام العراقي .. تجربة بين دفتي كتاب

الرأي العام العراقي .. تجربة بين دفتي كتاب

مازن صاحب

حين يجمع خبير في استطلاعات الراي العام تجربة عقد ونصف خلت بين دفتي كتاب، يحتاج المتلقي الى الكثير من الروية  والتمحيص لمعرفة الكثير عن هذا العالم الجامع لعدة علوم انسانية واحصائية ، هدفه تحويل التحليل اللفظي لمشاهدات معيشية يومية  الى لغة الارقام وهنا مكن الخطورة والتحليل والفهم المفترض ان يعتمده  اهل الحل والعقد في صناعة قرارات الدولة .

مع ذلك ركب الصديق الدكتور منقذ داغر مخاطر ذلك وصدر له عن دار الذاكرة كتابه الذي منحه عنوانا لافتا ((العراق من الاحتلال الى الاعتلال– الراي العام العراقي 2003-2020 دراسة توثيقية)) كونه رجل الاختصاص في استنطاق المتغيرات المجتمعية بلغة الارقام والجداول الاحصائية وفق معايير علمية جعلت كبريات مراكز الابحاث الدولية تعتمد نتائج المسوحات التي يقوم بها للراي العام العراقي على طاولة الباحثين وامام صناع القرار في دولهم ، فيما لا اظن ان اي صانع قرار عراقي قد حاول الاستفادة من هذا النتاج العلمي في تعزيز صناعة السياسات العامة وتطوير البرامج الحكومية ناهيك عن البرامج الحزبية بما يطورالعملية السياسية ويخرجها من نطاق مفاسد المحاصصة الى فضاء دولة المواطنة.

هذا الكتاب الذي ضم اربعة ابواب في خمسة عشر فصلا ، تناول اغلب مظاهر واعراف الحياة المعيشية في تلك الفترة التي تحصر المرحلة الاخطر في تاريخ العراق المعاصر وبما يتطلب الحياد التام الذي يتوافق مع مواصفات الجودة المتعمدة في  مؤسسة  كالوب الدولية  لاستطلاعات الراي العام التي جعلت من المؤسسة الفتية التي اسسها داغر ومجموعة من اصدقائه  تشرف على اعمالها في الشرق الاوسط وشمال افريقيا ،هذا النجاح المنهجي في التعامل مع متغيرات الحدث العراقي تطلبت ان تقدم مؤسسة المستقلة للأبحاث كوكبة من الشهداء ، اهدى لهم المؤلف كتابه ، يؤكد   جدل كبير عن ذلك الجهل المرفوض في المجتمع العراقي من اجل فهم افضل للتعامل مع نتائج استطلاعات الراي العام  ما زلت احث صديقي  المؤلف على  تكرار  برامج تدريبية  توضح  حقيقة  الارقام التي تنتهي اليها تلك الاستطلاعات من اجل ان يفهم من ينبغي لهم الفهم  اهمية مثل هذا العمل الكبير على التنمية المستدامة ولعل ابرز مفاصلها في محاربة الفقر وتطوير الجوانب المعيشية  ورعاية الطفولة وغيرها من مفاصل التنمية المستدامة كمشروع اممي للقرن الحادي والعشرين في الباب الاول عالج  المؤلف ما تقدم كمدخل إلى الرأي العام العراقي ، وثق فيه عمله في بداياته الاولى  ما بعد 2003 واوجز  عمل 17 عاما من استطلاعات الرأي العام في مؤشرات وأرقام ، ثم انتقل الى الباب الثاني  بعنوان “السياسة بعيون العراقيين ”  تضمنت ” هندسة الدولة .. نظام علماني أم اسلامي؟؟ “

في متوالية زمنية  من تراكم نتائج  استطلاعات اراء العراقيين ، ليعالج  نظرتهم للدولة وفق منظوري العلمانية والدين ، ثم تطرق الى  اخطر  النتائج  في  نظرة العراقيين الى  الطائفية في من حيث كونها تطبيقا سياسيا أم نظاما اجتماعيا ، ولا اريد  الغاء حق متعة الاطلاع للقاري الكريم على هذا الكتاب ، الا ان هذه الفصول الثلاثة  اسست مواقف عراقية مهمة لتحديد الهوية الوطنية العراقية، لينتقل بعدها المؤلف الى التحولات الكبرى في الرأي العام وانعكاساتها السياسية، فيأتي السؤال الكبير: لماذا تفجر الغضب العراقي .. انتفاضة تشرين 2019.

في الباب الثالث ،  يظهر المجتمع بعيون العراقيين من خلال نظرة تدور 360 درجة تبدأ في رأس المال الاجتماعي والاثار السياسية لتآكل الثقة بين العراقيين  ، ثم المجتمع العراقي بين المحافظة والتجديد ، ليمضي الى حقوق المرأة .. كفرضيات ديمقراطية واثارها على  الاسرة والأطفال .. رحمة أم نقمة ؟؟ وتوقفت كثيرا  عند  مقارنته بين العراقيين والعرب  في اوجه التشابه والاختلاف .

وخصص الباب الرابع ليلقي نظرة فاحصة على الاقتصاد بعيون العراقيين من خلال سؤال يبدو  ما زال بلا  اجابة  ” أين أموالنا .. (فلوسنه وين؟؟) ،  وتكون له اجابة  جزئية في الفصل الخامس عشر بعنوان ” الفساد في العراق من التجزر إلى التجذر”

وفي الخاتمة  يؤكد الدكتور داغر انه لا يمكن شخصنة تحليلات الراي العام او برمجتها  لصالح وجهة نظر ضد أخرى ، بل هي حصيلة تفاعل الوعي الجمعي لعينة البحث الوطنية والتي تمثل مختلف شرائح المجتمع وبالتالي يتطلب من جميع الفعاليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التعامل مع هذه النتائج  كمدخلات  لتصحيح خطوات عملهم  في  ظل نظام ديمقراطي يبقى الشعب  هو مصدر  السلطات  الدائم فهناك  الكثير  من الأمور  الإجرائية التي يمكن توقعها  من خلال التفكير المسبق لاستطلاع الراي العام ، والكشف عن هذه الرغبات ليس في وقت الانتخابات فقط بل في جميع الأوقات يخدم كل من يتصدى للشأن العام ، وهذا يتطلب منهجية عمل في السياسات العامة للدولة والأحزاب والمجتمع المدني باتحاداته  ونقاباته  فضلا عن وسائل الاعلام لفهم أهمية وضرورة التعامل مع علم استطلاع الراي العام والذي كانت للشركة المستـــــــقلة للبحوث الريادة فيه عراقيا .