
الديمقراطية.. درس في سلطة الطلاگة والطلاگتين – امجد طليع
الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة صانا مارين رئيسة الوزراء الفنلندية السابقة خسرالانتخابات لكنه لم يخسر النتائج، فقد حصد الحزب في الانتخابات التي جرت في الثانيمن نيسان الماضي 43 مقعدا ليحل ثانيا بعد حزب المؤتمر الوطني الذي اعلن حكومتهالائتلافية قبل ايام، و كان عدد مقاعد الحزب الاشتراكي في الدورة النيابية المنتهية 40 مقعدا بفارق مقعدا واحد عن الفائز الثاني وترأس الحكومة للسنوات الاربع الماضية.
بعد الخسارة اعلن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بانه لن يشارك بحكومة المؤتمر الوطنيالفائز بانتخابات هذا العام، بسبب تقاطع الرؤى والمتبنيات وخصوصا في مجالاتالاقتصاد والموقف من الهجرة والطبقة العاملة فضلا عن توجه المؤتمر الوطني للأئتلافمع حزب الفنلنديين الاصليين اليميني المتطرف ويمثل نقيض الحزب الاشتراكي ذوالتوجه اليساري الليبرالي.
لم يتوقف الحزب الاشتراكي عند هذا الامر بعد خسارة الانتخابات وانما اعلنت زعيمتهالنجمة السياسية الصاعدة عالميا صانا مارين تنحيها عن رئاسة الحزب رغم ما حققته مننجاحات سياسية داخلية وخارجية تاركة المجال لمن يرغب بقيادة الحزب للمرحلة المقبلة.
تشكيل الحكومة
بستة واربعين مقعدا اعلن فوز حزب المؤتمر الوطني بالانتخابات يمين تقليدي وتوجهراسمالي، انتخبه الفنلنديون للحد من سياسية الانفاق التي انتهجتها مارين في فترةحكمها وسببت ارتفاع حجم الدين الخارجي، امر يهدد نظام الرفاه الذي تعتمده البلاد..
كشف المؤتمر الوطني بزعامة بيترو اوربو عن سياسات حزبه للمرحلة المقبلة، رفضتمعظم احزاب اليسار المشاركة في حكومته لانها لا تنسجم مع المبادئ القائمة عليها تلكالاحزاب مثل الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة وحماية المناخ ودعم المهاجرين والارتقاءبالخدمات الاجتماعية والصحية والضغط على الاثرياء لصالح الفقراء، ولن تجازف هذهالاحزاب بنقض وعودها لناخبيها والا اعُلن موتها سياسيا.
الاحزاب المنسجمة مع المؤتمر الوطني اعلنت موافقتها على المشاركة في حكومته وضمتحزب الفنلنديين الحقيقيين يمين متطرف والحزب المسيحي الديمقراطي وحزب الشعبالسويدي ممثلا عن الاقلية الناطقة بالسويدية في فنلندا.
كان حزب المؤتمر يهدف الى خفض الانفاق وهذا يتطلب حزمة قرارات صعبة على المواطنينالفنلنديين لعل اكثرها تاثيرا خفض المنح المقدمة للعاطلين ورفع اسعار باقة من البضائعمثل اسعار الادوية والمشروبات الروحية، فضلا عن منح الافضلية لاصحاب رؤوس الاموالعلى حساب العمال.
الفنلنديون الحقيقيون كانوا يهدفون الى الحد من الهجرة وتقليص الدعم المقدمللمهاجرين وخفض اعداد القادمين مستقبلا ورفع سقف شروط منح الجنسية للاجئين.
حزب الشعب السويدي هدفه الحفاظ على لغة وثقافة الاقلية السويدية، وتعرض خلال فترةالمفاوضات الى هجمة انتقادات نتيجة لمشاركته بحكومة يمينية متشددة على حسابتوجهاته الليبرالية بسبب ما يتعلق باللغة والثقافة.
انطلقت المفاوضات وكانت الاحزاب المتحالفة ملزمة وفق الاعراف الفنلندية بالتفاوض فيمبنى ساتو التاريخي وسط هلسنكي لما لهذا المبنى من رمزية سياسية كونه اول مبنىللبرلمان الفنلندي.
وضعت 11 طاولة للتفاوض، عشرة منها للجان وواحدة لرؤساء الاحزاب للمصادقة علىفقرات البرنامج الحكومي المتفق عليها من قبل اللجان.
استمرت المفاوضات 80 يوما وشارك فيها 850 خبير مستقل في جميع المجالات المدرجةبالبرنامج الحكومي لتحديد صلاحياتها القانونية والعلمية والاجتماعية وغيرها.
عشرات الصحفيين يتواجدون بمقر المفاوضات لتزويدهم بالمعلومات بشكل يومي تقريبا،استهلك خلال هذه الفترة 45 الف كوب قهوة.
ادت حكومة اوربو يمينها الدستورية يوم 20/ حزيران من 19 وزيرا، 11 منهم نساء وحصلالمؤتمر الوطني الفائز الاول على 8 وزارات وقسمت 11 وزارة على الاحزاب الثلاثة الاخرى.
خلال الثمانين يوما ما بين اعلان النتائج واداء الحكومة الجديدة يمينها الدستوريانشغلت صانا مارين بتمشية امور الدولة ولم تصدر اي قرار ولم تعد تتعامل مع الاعلامكما كانت رئيسة بالاصالة وما ان تولى اوربو المنصب اخلت صانا مقر اقامتها الحكوميوعادت للعيش في بيتها، ودعت الاعلام الى الكف عن متابعة اخبارها العائلية..
باختصار افرزت الانتخابات الفنلندية جناحين يمين ويسار، نجح اليمين في انتاج ائتلافشكل حكومة بتوجه تجمعه رؤيا مشتركة في ادارة الدولة وكانت هذه (طلاگة اليمينالحاكم) اما احزاب اليسار فكانت ترفض رؤية اليمين في ادارة الدولة وشكلت (طلاگةالمعارضة) وكسبوا الى جابهم النقابات والاتحادات العمالية وعدد من وسائل الاعلاموالخبراء الاقتصاديين الرافضين لتوجهات اليمين وبذلك سارت عملية الحكم (بطلاگةواحدة)، انتقلت فيها سلطة بسلمية وتوجهت (طلاگة المعارضة) لاستخدام حقهاالدستوري في كشف عيوب البرنامج الحكومي وفقا لرؤيتها.
ثمانون يوما وانا ارقب سير العملية السياسية الفنلندية والتي كانت قريبة زمنيا منتشكيل حكومتنا وما عقب الانتخابات العراقية من فوضى انهت الجدوى من تصويتالناخبين لمرشحيهم، عملية العراق السياسية لا تحترم بها العهود وليس للمتنافسين فيهاهوية سياسية واضحة، ولا رؤية لادارة الدولة، تدار اتفاقاتها في غرف مظلمة، ويحصلالخاسرون فيها على وزارات دون ان نعلم نحن العامة ما هو السبب، المفاوضات تجريوفق الطرق العشائرية فقادة الكتل لا يحتاجون الى خبير يصوب قراراتهم وانما القوانينوالدستور يخضع لارداتهم، وقت الخلاف لا يرحم احدهم الاخر بالتخوين وكيل التهم ولايستحي من العودة للتحالف معه، اتذكر اني كتبت في جريدة الزمان الغراء مقال بعنوانرسالة في الخصومة السياسية وتحدثت فيه عن للتهم التي وجهها الاطار للبارزانيوالحلبوسي على خلفية تحالفهم مع التيار الصدري وبعدها باسابيع تحقق ما توقعتهحيث عاد الاطار ليتحالف مع الطرفين بعد انسحاب الصدريين من البرلمان دون ان يحسبحساب لجمهوره وناخبيه.
وانا اكتب مقالي هذا تذكرت الفلاح الذي خرج يحرث الارض ومعه كيس من التمر، عندماجاء وقت الغداء اكل ما يستطيع وقام بتلطيخ المتبقي بوحل كان قربه حتى لا ياكله، بعدساعة من العمل ذهب مرة ثانية للتمر الملطخ وهو يقول هذه ليست ملطخة ويأكلها والثانيةكذلك والثالثة الى ان اكله كله.
ولما لا يسمح بكل شي فان ديمقراطيتنا (ام طلاگتين) ايها الناخب مفتوحة على مصراعيها،على عكس ديمقراطية الفنلنديين (ام طلاگة واحدة) ومنها لا يمر شيء لا يلائم الاعرافالعريقة والقوانين والدستور ومفهوم فلسفة الديمقراطية الذي وضعه الاولون.























