
الخطاب الروائي وتحولاته في إطار المخيال
المحكي والملفوظ.. الإيهام والمناورة
محمد يونس
أن الخطاب السردي مر بتحولات عدة في اطار المخيال وتقريبا نشبهها بنشاط سيرورة مرتبطة بالزمن التواصلي, ومن الطبيعي أن هناك تأثيرا لسيرورة الأنثربولوجيا اجمالا , والنص الروائي هو ايضا توثيق تاريخي بأمتيازعبر الخيال السوسيولوجي وتأثير الجانب الاجتماعي للغة في اطر تخليق الشخصيات واذا لابد هنا ان تمتد مساحة الأيهام الذي لاشك انه اطار فني , ودائما ما تلبس الروائي ذلك الأحساس , فالشخصيات بين امتياز النموذج الواضح وبين الأيهامي ولكن هناك حقيقة من جهة الزمن تبرر سمة الحطاب الايهامية وتجعل المتن حكائيا مبررا تماما , وعنصر الملفوظ في الوحدة الصوتية يشترك في كثير من الاعمال الروائية كسمة ايحائية من جهة التركيبة اللغة اجتماعية ومن جهة هو تبرير الايهام اذا لم تكن هي ايهام أن السؤال الذي يطرحه السرد لابد أن يشكل معنى مماثلا لوجودنا الحي والفعالية البشرية ولكن قيمة السرد في اطار سماته تتمثل بنوع السرد وحركة السارد داخل النص السردي , وهنا لابد من ان يكون الايهام عنصر اولي في اطار فعله وتالي في اطار تأثيره , وعملية التلقي يجعلها الايهام تمر بفترة المتعة المركبة بين تواصلها كمتعة من جهة ومن اخرى عبر تأملها عنصر الايهام , وشخصية مثل ( راسكلينكوف ) في رواية الجريمة والعقاب لاتوهمنا بنشاطها الساكسوني الا عبر مارسمة السلوك التقليدي المالوف , فاطار المشهود في تلك الشخصية غير اطار المضمور وكذلك يختلف ظاهرها عن جوهرها وهنا لابد للزمن من التواصل والميوعة كي يخترق الظاهرباتجاه المضمور ويكون الدليل الى حدوده والنتائج التي يسعى اليها ويكون الايهام عنصر نشاط طبيعي في الفن الروائي ويتحول المسرود اليا من الالهاء وألإبهار،الى الوظيفي والمدرك . تقول جوليا كرستيفا في دراسة لها /الكلمة والحوار والراوي (إن الرواية التي تحتوي على بنية كرنفالية تسمى رواية بوليفونية ((متعددة الأصوات)). ومن بين الأمثلة التي يقدمها باختين يمكن أن نذكر رابليه، سويفت، دوستويفسكي. ويمكننا أن نضيف الرواية “الحديثة” للقرن العشرين – جويس، بروست، كافكا- مع التوضيح بأن الرواية البوليفونية الحديثة، بما لها بالنظر إلى المونولوجية من وضع اعتباري مماثل للذي للرواية الحوارية للأزمنة السابقة، تتميز بشكل واضح عن هذه الأخيرة. فقد حلت قطيعة في أواخر القرن التاسع عشر، بشكل يبقى به الحوار عند رابليه وسويفت ودوستويفسكي على المستوى التمثيلي والتخييلي، بينما في الرواية البوليفونية لعصرنا يكون الحوار “غير قابل للقراءة” (جويس) ويحصل داخل اللغة (بروست وكافكا))1? ومن هناك سمات تحدد ملامح عصر الكتابة والزمن ظاهرا هنا ياخذ شكل العصر عبر اللغة المحكية والسمة التمثيلية للعصر في الخطاب , ومجموعة الكتاب الذين حددتهم كريستفا هم اقطاب عصور مختلفة تماما ولكن انسانها واحد ولسانه وصوتيته ايضا , وعنصر المفارقة في المادة المكتوبة يفتت تلك الوحدة الى وحدات , وهذا ما تصف به العمل الكتابي عند نجيب محفوظ حيث يكاد يكون اخفاء لعنصر المحاكاة وابداله بعنصر الاستنساخ , واعمال نجيب محفوظ تمثل دائرة سردية تتحرك خلالها شخصية واحدة وتتبدل في كل دورة مثلما تمر به الافعى ,والحائز الوحيد من الوطن العربي على نوبل بجنس ادبي يعتبر غير عربي صيرورة وتاريخا وفنا هو ليس تأكيد ضمني على اهمية الجنس الروائي وانما للقدرة في جعل تلك الشخصية بتواصل نشاطها الاجتماعي تتبدل من شكل الى اخر وكذلك لمحافظته على التكييف لتركيبة التاريخ والزمن وكذلك قوة ملاحظته في تعيين مرجعيات الاصوات المتعددة ,حيث جعل الالهاء يرتبط بالمكان الروائي وليس بالشخصيات .
اللفظ والكلام
ان العمل الروائي لايقف الا عند نتيجة مفترضة هي داخل كيان النص الروائي حقيقة يجب الايمان بها وان كان ياتي ذلك في الاطار الاولي في سمة المتعة ومساحتها , واهمية البناء التدرجي للاحداث يميز عنصر الزمن وييتيح للايهام التطور حتى حدود لايكون فيها هو عنصر مفاجأة تؤثر سلبا على المتعة التي بلغت ربما تتشوق لتتفاعل وان كان افقيا مع الشخوص وتغيير النتائج حتى عبر التفاعل في تحييد الاحداث , وكثيرا ما كان التأويل عند التلقي عنصر ازاحة للنتائج ومحو جزئي لملامح الايهام التي تكون قد توضحت مع التدرج الالي للنص الروائي ويكون لفعل الرواية تأثيره ايضا فالماضي لايقتصر خلاله الايهام على شروط للتبدي والمضارع يساوق فيه الالهاء سمة الحاضر والمستقبل يتبع فيه سيولة الزمن , والخطاب هنا يخضع لعنصر الزمن ايضا .يرتبط الزمن اللغوي بسمة تؤكد ملامح عضوية وفي اثناء الممارسة الكلامية وتكون صفة تعريف او ما يعّرف الزمن وينتظم به كوظيفة للخطاب. وبهذا الخصوص فأنه يتمحور حول الحاضر المعّرف والمحدّد مثل اللحظة التي يتحدث فيها المتكلم , ولابد للعمل أن يأخذ مداه وتستغرق كافة التفاصيل عبر منظومة الزمن ولا تقف الا عند النتائج التامة , وعمل مثل (الحرب والسلم) لابد له ان يكون من جهة الظروف التي يحكمها الزمن المعين للثيمة ان تكون هي معايشة لظروف الحرب حتى في ادق التفاصيل, وهناك شخصيات كبرى واساسية واخرى صغرى في رواية (الحرب والسلم) , ومن الطبيعي هناك ايهام تقوم به الشخصيات الصغرى عبر الزمن المنقطع والذي يتلاشى بعد ان يبلغ ذلك الزمن المنقطع حده , وتبقى سمة الزمن المنقطع نسبية وغير نهائية ,وهنا لايتلاشى الايهام تماما , ولابد ان يكون هناك وسيط ضمني بين المتن الحكائي والمبنى من جهة ومن اخرى بينهما وبين منظومة السرد الروائي وهو عنصر الزمن الغير منقطع ولا هو الثابت في الاشكال التي داخل المتن وان كان الخطاب بسمته اللفظية ككلام وفيه مستوى ترادف , وهناك رأي يؤكد جزما انه لاوجود لتواصل لساني صرف ابدا، بالمعنى الصريح للكلمة وكما يعتقد وبحسب امبرتوايكو،بل انما هناك نشاط سيميائي هو في صفة بالمعنى الشامل للكلمة، حيث تتكامل انساق علامات عديدة فيما بينها , والبعد الانطباعي الايهام لايفسر عبر عضوية الخطاب ووضوحه ومهارة لغته فقط وانما عبر جوهر الاحاسيس اجمالا وينتقل من احساس شخصية الى اخرى وهذا طبعا يرتبط بالممارسة الاجتماعية للخطاب واللغة هنا ليست وسيلة حكي او شكل لفظي فقط وانما الجانب السيميائي فيها يدعم فاعلية الزمن والايهام ايضا ولكن بنسب وسياقات غير تامة , واشيع في وجهات نظر أن الكلمة هي على الدوام محمّلة بمضمون أو بمعنى بهامش افكار ومحدد الملامح أو حدثي , ويرجح باختين في كتاب / الكلمة في الرواية (إن تطور الرواية يقوم على تعميق الحوارية وتوسيعها وإحكامها. وبذلك يتقلص عدد العناصر المحايدة، الصلبة التي لاتدرج في الحوار. فيتغلغل الحوار بالتالي إلى أعماق الجزئيات وأخيراً إلى أعماق الذرات في الرواية )2 وطبيعي هناك عوامل ثانوية واخرى اساس والنشاط الملحوظ في الرواية فيه عدم جدية وان هناك قصدية ضامرة أو عدم قصدية في نسبة النشاط الزمني وبعد الايهام ايضا.لابد من أن هناك تناسب غير ثابت ولا هو قصدي داخل منظومة اللغة الروائية بين المحكي المحدد الزمن وبين ما هو غير محدد الزمن , وان كانت سمة كلاهما خطاب روائي سيان في حدود الحكاية وبعدها المعين او في السعي الدلالي عبر منظومة السرد , وهنا لا نقر بفكرة لا احد يتكلم والتي هي وجهة نظر متطرفة تدعي ان الاحداث تجري بذاتها , والفعل الروائي يوجه مساره هنا باتجاه الحدث ولكن عبر مقومات البناء اللغوي لكل من زمان ومكان وكلام واحاسيس وكل ايضا يستوعب زمنه وصفته المعنونة ويندر ان تبنى رواية بفعل زمني واحد , حيث أن الفعل الماضي ينقسم عدة انقسامات منها ما يربطه بشكل التاريخ المستتر واخر بالتاريخ المستمر وكذلك الفعل الحاضر , وهذه الانقسامات لاتؤثر في الزمن اذا، كون الافعال المتغيرة محكومة اليا بأزمانها ولا يمكن لزمن فعل معين استيعاب ما من خارجه الا اذا كان هناك سعي فني وتكنيك ايهامي ايضا يتطلب عدم ثبات الفعل , وهنا نستمد رأي لكانت يؤكد فيه أن الزمن وجود موضوعي , وهذا يرتبط باطار الموضوعية بالايهام بمستوى تفكيري تقريبا وهو دافع الكثير من الكتاب فلا قصدية هناك مباشرة بالايهام وانما عامل فطري كما اعتقد يتولد فيما بعد ويكون مادة تراكبية يشترك فيها الكاتب كذات عقلية فقط من جهة وكراوي ضمني من جهة اخرى , ويكون النتاج قناعات مختلفة او عدمها وتلك هي حدود الفطرة .
قصدية الأيهام
أن عملية بناء رواية فيها قصدية ايهام لابد أن تنتج بالتالي نوع من العالم الغرائبي الذي يتلاشى تدريجيا دون أن يفقد تأثيره , ودور الزمن ليس كمعالجة وانما هو نظام رغم السيولة يقوم من خلال بنية النظام بتنظيم النشاط العام , وهذا احد العوامل الحساسة والمهمة التي تبقي الرواية صافية الافق وغير مبهمة او تحتاج الى توضيح , واذكر هنا مقصد لبيرل باك على أن هناك روائيون يحبون أن يقرأ القراء لهم روايات غير منقوصة , وطبعا الصفاء الذي اقصده هو التمام والكمال الاجمالي والجمالي, وهنا اقصد الاطار الخارجي أي شكل الرواية كتعبير انثربولوجي وليس الشكل الفني الا عبر منظومة الزمن ومدياتها وعوامل ارتبطها وحدودها عبر الجانب الارسطي الافقي وايضا العمودي المتحرك , وهما اتجاهان وان بديا متعاكسين ولكن كل منهما يؤدي وظيفته دون تأثير على الاخر او منه , وهنا يكون عامل طبيعي أن تتقدم الرواية نحو اتمام مهمتها بمثابرة الساعي الى الكمال وأن يكن كل كمال هنا هو مفترض , ولكن دون بلوغ مرام ومقصد فرانك او كونر حيال أن العمل الروائي كمادة كتابية هو هزل وامر غريب , فيما هناك سعي جدي متعدد فمن جهة هو ابداعي واخرى قلق ذاتي مشترك بين المستويين الانثربولوجي والابداعي, وماهية هذا القلق تتوضح من خلال اللغة والشخصيات والزمن ومنظومة السرد , وهنا يسعى الروائي لتبرير قلقه عبر قصدية بين الرغبة الشخصية بالايهام وبين السعي الفني لذلك , وكافكا احد الامثلة هنا ورواية ( ك) من عنوانها نقف على ذلك المسعى ولاشك أن التحليل النفسي للادب سيحيل في الاساس الى قلق الكاتب مقصد موقفه وهدف نتيجته , واغلب كتاب العالم في اطار الروي يعتمد موقف شبه شخصي في تجربة الكتابة الروائية قاصدا سيان كان كما عند دوستفسكي بتبرير الايهام تعويلا عليه في عدم وضوح الهاجس الشخصي وبيانه وتجليه , ففي رواية ( الاخوة كرمازوف ) القلق الانساني او المرضي كان يعبر نيابة عن دوستوفسكي ( الاب ) في الحدة والتطرف الاجتماعي والمستوى المتفاقم من التأزيم الحساس سايكلوجيا , فكان ابطال دوستوفسكي يقفون على حافة العظمة اوالجنون وعند مفترق طرق روحي أو كما يراه البعض نفسي وهم في تلك الصورة البشرية الصعبة يشكلون اجمالا قلقه الشخصي وايضا جوهر الاحساس النفسي والانفعال لصالح الهدف الذي يعيشه ودافع الايهام, وهنا من الطبيعي ان يهيمن اليا نوع من الاضطرار الذي لايمكن لمبدع من نمط دوستفسكي أن يتخلى عنه , حيث لابد من الايهام , فتجد احدى الاشارات من الكاتب تجعل الايهام شفرة واضحة تعبيرا وغير مدركة سببيتها فتجد شخصية ( الاب ) في رواية الاخوة كارمازوف مثلا و شخصية ( القاتل الساكسوني) وكذلك الامير ميشكين في رواية ( الابله ) وغيرها مبررة بالميزة التعبيرية للايهام داخل مجتمع الرواية الارسطي ولاتأثير لزمنها البادي كموج مضطرب, وتقريبا يكون تنابسها العكسي خاليا من خلخلة في جانب المتن بسمته الوجودية التي قد تكون مخلوقة احيانا واحيانا استعارها الكاتب من فضائه الاجتماعي الذي هو الصورة اللفظية للمبنى الحكائي , ودوستوفسكي في اغلب الاحوال عمد الى جعل شخصياته تمتلك امكانية تفسير السلوك الانساني عنده وتبوح بما كان هو يخفيه ولايجد مبررا لاعلانه , وهنا لانقصد في النتائج التي عكس مرض الصرع عند دوستوفسكي، ففلوبير كان ايضا مصابا وهو روائي ايضا ذا صيت واهمية , هذا اذا استثنينا فان كوخ كونه كان فنانا تشكيليا وعمله اكثر اثارة حسية , وكما هنا ليس دوستفسكي هو بدون دوافعه الذاتية اراد وبكل دوافعه المرضية كمصروع أن يواجه نمطية العالم العقلاني .من المهم ان الرواية تقدمت نحو المعلوم فيما كانت سابقا تتحرك نحو افق المجهول , حيث كان الموضوع ليس زمنا فيه نوع من الاشتراط والدافع لتحقيق واقع فيه نقص أو فراغ أو ثغرات ويسعى الى الاكتمال , فكانت الملحمة والاسطورة والشجاعة الخارقة تبقى حتى نهاية العمل الروائي شفرات لا يمكن بلوغها النتائج التي هي ربما حادثة حاصلة سابقا مرات عدة, وفيما سبق كان عنصر الايهام غير منفصل ولا هو تعبير عن مجريات الامور وانما كان سعي يتم من خلاله تحقيق ما هو غير راسخ ومجهول في الذهن الجمعي , وكان التباهي كرمز اساس وعنوان الشخصيات المدعومة من خيال الكاتب لايزيحه الايهام بل على العكس يبهت مما حوله وبالتالي تزداد مساحة المؤسطر او الملحمي او حتى النموذج , واما الزمن كان مثل حصان طروادة مجبرا على استيعاب حكاية طويلة النفس واشراك حتى العناصر المحايدة والتي تنمو وتتبرعم بعد ان تتأثر بالتباهي المركزي والوصف الدائري , وهذا طبعا ما كان اعتباطيا وسمات الخطاب الروائي كانت مثيرة للجدل من جهة ومن اخرى للسخرية ومن ثالثة للمتعة وما كان هناك تلقي خارج تلك الحدود , وكان القراء يعيشون متعة هي اشبه بحلم يقظة , واللغة هنا تمثل ذلك المعنى الاجتماعي , ويرى البعض ممن يعولون على اللغة في صفتها الحوارية بإن التطور الذي تمر به في سيرورتها الرواية هو يقوم على تعميق صفة الحوار وايضا يقوم بتوسيع مساحة تلك الصفة ومن جهة اخرى يقوم بإحكامها. وبذلك يتقلص عدد العناصر المحايدة الصلبة التي لاتدرج في الحوار. فيتغلغل الحوار بالتالي إلى أعماق الجزئيات وأخيراً إلى أعماق الذرات ويشمل جوهر الاشياء وتكون الشخصيات في الرواية لاتعبر عن نفسها كما في الرواية الكلاسيكية والتاريخية والواقعية بل تعبر عن مضمون الاشياء وقيمتها المادية والاستاطيقية , وهنا يتفاقم عنصر الزمن كموضوعة متعددة المعاني وتتغير الدلالة فيه من حين الى اخر وكما ان عنصر الايهام يدخل هنا في جوهر الزمن ويكون دوره في ابهات الدلالة التي يقف زمنها ولايتحرك بها الى انتاج معنى اخر , ولابد من الاشارة على الاطر العلمية كمضمون زمني في الرواية الحديثة , فعندما ينظر الشخص الى ساعته لابد هنا ان الزمن ارتبط بالساعة وليس بالشخص , وهذا يعاكس الرواية القديمة والتي كان فيها الشخص بوصفه زمنا بشريا ويكون بذلك عنصر الزمن الاساس والذي من خلاله تكون قيمة الاشياء تحدد , وهنا من الطبيعي ان تختلف منظومة السرد اختلافا تقريبا جذريا , والسرد الحديث يكشف عن مواقع علائق النص الروائي والوحدات الدلالية, وهناك مظهر فكري في الرواية الحديثة والتي سميت رواية افكار لكونها بنية خطاب روائي لايستعرض شكل الرواية عبر اللغة العضوية بل مضمونها الفكري او الايدلوجي ومستوى الاحاسيس, وفي حاضرنا صارت الرواية مثال للفعالية البشرية وعلى صيغة السؤال الذي يطرحه الراوي الظاهر او المستتر, والذي لابد أن يشكل معنى مماثلا لوجودنا الحي والفعالية البشرية، ولكن قيمة السرد الروائي تتمثل بنوع السرد وحركة السارد داخل النص السردي, والتجربة الروائية والقصصية التي تسعى الى بناء نص مفترض يحاكم الظاهرة الوجودية بسؤاله , ويقول مارتن هيدجر في دراسة له بعنوان مفهوم الزمن، نشرت في مجلة العرب والفكر العالمي، عدد 4 سنة 1998يربط فيها هيدجر جانب الزمان بالكينونة، وكما أنه كما يعتقد لا طريق لتأمل الإنسان إلا من خلال الزمان، كما أنه لا يمكن تأمل الزمان إلا من خلال الإنسان، والأدق أن يدرك الإنسان انطلاقاً من الزمان؛ لأن الزمان هو سر الكائن الإنساني كله، ( فإذا كان الكائن البشري موجوداً في الزمن بطريقة خاصة جداً، بحيث يمكن فك لغز ما هو الزمن انطلاقاً منه، يجب عندئذٍ أن يحدد هذا الكائن هنا، وفقاً للسمات الأساسية لكينونته )3 , وبما أن الزمان هو الكائن السردي في الرواية لابد له من ان يملك تاثيرا مباشرا متنوع الايقاعات , فالخطاب كنشاط لفظي يكون مرتبطا اساسا بالزمن والكلام في سمته الوصفية او الحوارية ايضا هو محدد بزمن , ولكن الزمن هنا يتغير عبر تغير الوصف والحوار والمكان ايضا وهنا يمكن تسميته بالزمن السببي والذي يرتبط باسباب تتغير من ان الى ان اخر , وقد يكون هنا وجود عوامل اجرئية او ما يسمى بالتقنية او العامل الفني , وقد تكون الذات تستخدم صقة المتكلمة اللغة ـ ضمن البنية التي تم تحديد خطوطها لفعل الخطاب ـ لتبني من خلالها تركيب خطابها أو منطقه: إنها لغة (ذاتية، شخصية) داخل اللغة بوصفها (بنية اجتماعية محايدة). هكذا إذاً، تستخدم اللغة بوصفها كلاماً، متحولة إلى هذا التعبير الملح عن الذات، وهو ما يشكل شرط الحوار فبروست مثلا كان يبحث تقنيا عن النفس الانسانية الضائعة وليس عن الزمن الضائع , حيث ربط الزمن بامكنة اساسية في عمله المتميز ايقاعا وجوديا واحساسا سايكلوجيا وما كانت روايته الكبيرة الحجم الا مساحة دخانية , حيث حتى الان قائم زمن السؤال الانساني الذي كانت تضج به نفس بروست وجسده ايضا , وما قام به من ايهام قصدي في مواضع عدة هو محاولة لتبديد ذلك ( الغبار اللعين ) محاولا من خلال الكتابة اعادة انتاج حياة تنبض حيوية وصحة ومستغلا الظروف الواقعية في تفسير بؤسه ومعاناته وربما عاش بروست حيرة كبيرة في اخفاء حقيقته وعذابه وشعوره المرير لولا استثماره عبر الزمن لعنصر الايهام وذلك مهم جدا في الاطار السيكلوجي في الادب, ويقول برخت في كتاب / الفن والتجربة ( ان الفن الواقعي يمتلك شكل متميز .. استشرافا واسعا , وليس دلالة مستقبلية ضيقة , لان الحياة نفسها .. واسعة ومتعددة الاشكال وطافحة بالمتناقضات , ثمة وسائل عدة للتحدث عن الحقيقة , كما ان هناك طرقا كثيرة لاخفائها )4 , وفي عصر الرواية الجديدة هناك ممن استخدم الايهام بوصفه مادة العصر الادبي والانثربولوجي على السواء وضروري جدا التعويل عليه , فرواية كلود سيمون الشهيرة ( عصر الفلاندرا ) هناك ايهام في شخصية الراوي فمرة يكون الراوي الضمير المستتر ( هو ) ومرة اخرى يحل محله ضمير اخر هوضمير متصل ( انا) , وطبعا هنا لابد من وجود سمة صياغة فنية كاجراء تكنيكي قصده الكاتب وعول عليه ربما في نتائج مؤجلة ترتبط فنيا ببنية الرواية المستوية وايضا بمنظومة الزمن اجمالا .
الموضوعي والأيهامي
من الملفت للنظر انه قد سبق لـ (جاكبسون) أن يقوم بعملية جلب انتباه ساعيا فيها للتمييز بين الملفوظية نفسها كصفة ايهامية، وبين موضوعها ويقصد بذلك (المادة الملفوظة )، للبرهان على أن بعض المقولات النحوية يمكن لها أن تشير إلى أن عملية التلفظ والقائمين بها ليس في النطق وانما بالتلفظ هم سيشيرون عضويا او تفننا بما هو اشارة ضمنية للايهام، أو عبرهم تحيل الاشارة إلى عملية (الملفوظية) ، أو القائمين بها هم فقط وحدهم ؛ وهنا على سبيل المثال فأن الضمير يرجع الى «أنا» ولكن الغير ثابت هي الوحدات النحوية والصرفية التي تحدد الحضور بوصفه موضوعاً للخطاب، ومعه الحاضر الزمني ملازم ويتحدد من خلاله, وتشكل رواية ( موبي ديك ) تقريبا احد الامثلة التقريبية , ورواية ( موبي ديك ) جعلت هرمان ملفل في جوهره الحسي ووجدانه البشري يعيش الحوت الابيض وكانه هو اناه حيث لم ينفصل عن تفكيره الخاص اذا استثنينا تفكيره العام داخل المتن الروائي، لذا طرح سياق الايهام عبر الحوار الفلسفي مع الذات الساردة والتي هي ذاته, ونا كانت طاقة ملفل الابداعية طاقة مذهلة حيث ليس من السهل إن يتحرك السرد بموجات الاحاسيس العاتية داخل منظومة صراع غير متكافى اجمالا, وصراحة اجد أن ستيفان زفايج اكثر كتاب العالم ايهاما في موقفه الذاتي الحساس المرتبط بفكرة الانتحار المؤجل وما من عمل روائي له الا كان معايشة تجريبة أو احساس بكنه الانتحار، وما كان إلا إن يجعل شخوصه يضمنون له ذلك وقد تمثل الايهام في جميع الاعمال الروائي لديه . لقد كانت التجارب الكبرى تنشد السير الذاتية كخلاصة مهمة انسانيا وتجعل المثال الحيوي يبلغ مداه المفترض دون قيود لانه هو الهدف المنشود , وكانت الاعمال المكتوبة باعتبار انها جنس روائي تماما ولا يمكنها رد ذلك بل التزامه لانها احكمت البناء بكل اشتمالاته وعبرت عن المعنى الروائي بصورة فضلى وعمق موضوعي, وكما تركت للايهام المجال الكامل كي يحقق مبتغاها وعلى الاخص في تبديد فكرة ان ذلك العمل الروائي ان لم يكن سيرة فهو ذاتي في رسالته وحدود شفرتها .نجد انه في القرن العشرين ولتجديد النمط الروائي قلب السرد هذا النظام الزمني رأساً على عقب وذلك بإدخال الماضي المركب أولاً ثم الاستعمال المتزايد للحاضر. وهنا نلاحظ انه خلال قرن واحد من الزمان تغير النظام الزمني للسرد بصورة كلية تماماً. فالماضي البسيط الذي هو حجر الزاوية حسب رأي رولاند بارت لم يعد يستعمل الا بطريقة هي كما يعتقد متخلفة الى حد كبير. أنه الزمن الحاضر الذي بدأ استعماله منتظماً منذ الخمسينات من قبل الرواية الجديدة والذي هو بصدد أن يصبح في يومنا هذا الزمن الروائي المهيمن وهو الزمن الذي يستعمله الروائيين بصورة لافتة.
المصادر
- الكلمة والحوار والراوي – جوليا كريستيفا –
- الكلمة في الرواية ميخـائيل باختين
- مفهوم الزمن – مارتن هيدجر- مجلة
- العرب والفكر العالمي، عدد 4سنة 1998
الفن والتجربة – ترجمة علي الحلي.
























