الحراك المصري وخلط الأوراق ـ صباح علي الشاهر

الحراك المصري وخلط الأوراق ـ صباح علي الشاهر
هل يمكن القول ببساطة أي الجانبين محق، وأيهما مخطئ؟
أزعم أن الادعاء بالاجابة القاطعة ليس الا محض مكابرة، أو في الأقل أمر يتسم بمزيد من الخفة في اعطاء الأحكام السهلة في قضية ترتدي كل هذا الكم من التعقيد.
الاخوان وحلفاؤهم يزعمون أنهم ضحايا هجوم مخطط له، وبأيدي يشيرون الى أنها أجنبية، ويدعون أن كل القتلى من جانب واحد الاخوان ، رغم أن بين القتلى جورج ثم أن الاعتداء بدء حينما هاجمت جماعة من الملتحين خيم الاعتصام، ومزقتها، وانهالت على المعتصمين بالضرب الشديد على مرأى من الاعلام وعدسات الكاميرات، ولعل اعتصام الملتحين السلفيين أمام الماسبيرو وترديد العبارات المقذعة بحق العاملين بوسائل الاعلام، والانهيال بالأحذية على صور الاعلاميين والاعلاميات المخالفين للاتجاه الاسلامي السياسي، والتهديد والوعيد الذي وصل الى حد الدعوة للسحق، أمر لا يمكن الا أن يصيب حتى البسطاء من الناس بالذعر، والخشية مما يمكن أن يحدث على أيدي هؤلاء فيما لو أنهم تحكموا بكل مفاصل الدولة، ولا أعتقد أن هذه المشاهد لم يكن لها تأثير على دفع الناس وبهذه الأعداد الغفيرة الى محاصرة الاتحادية ، لقد حشدت مثل هذه التصرفات الناس للوقوف بوجه الظلامية والتخلف، ومن أجل دولة مدنية يطمئن لها كل مصري، ويشعر بالانتماء لها.
هل يمكن الجزم بأن كل الاعتداءات كانت من الجانب الاسلامي، أو المحسوبين عليه؟
اذا كان الأمر كذلك فمن أحرق العشرات من مقرات الاخوان وحزب الحرية والعدالة؟
ولماذا تُحرق هذه المقرات أصلاً؟ وهل يمكن لمن يدعي الايمان بالديمقراطية القيام بهذا العمل الهمجي؟ ثم الى أين ستمضي مصر لو أن جماعة الاخوان ومؤيديهما قاموا باحراق مقرات أحزاب المعارضة؟
قوى المعارضة تدعي أنها ليست من قام باحراق هذه المقرات؟
يمكن تصديق هذا القول، بناءاً على طبيعة توجهات هذه القوى؟
ولكن يمكن تصديق ما يدعيه الاخوان من انهم لم يعتدوا على أحد، وانهم يدعون الى أمر ربهم بالحسنى، وبناءاً على طبيعة توجات هؤلاء أيضاً، فمن ذا بمقدوره الزعم أن الذين يريدون التمسك بشرع الله، يقومون بالاعتداء على الناس بمثل هذه الوحشية؟
هل يوجد طرف ثالث دخل بين الطرفين، وقام بما قام به؟
أمر يصعب نفيه، ولكن ينبغي الاقرار بادئ ذي بدء أن هذا الطرف الثالث موجود أصلا بين الطرفين، وهو يفعل فعله عندما يصل الاستقطاب الى الذروة.
ينبغي القول للطرفين الطرف الثالث بينكم، ابحثوا عن المتطرفين، انهم من قام بقتل الابرياء، وحرق المقرات، ولا تهم التسمية، وعبثا البحث ان كان من فعل هذا ملتح بزبيبة أم حليق اللحية بجبين ناصع.
نعم ما بين الاخوان والمعارضة فلول، وموساد، ومخابرات أجنبية، ومخربون من كل لون وصنف، ولكن هناك مصلحة مصر أولا وآخراً، وهذا ما ينبغي أن لا يتجاهله أي طرف من الطرفين المتخاصمين.
ليس المستهدف الآن الاخوان أو هيمنتهم على الدولة، ولا القوى المدنية المعارضة، فهؤلاء وسائل يتم النفاذ من خلالها وعبرها.. المستهدف دور مصر..
أين تكون مصر؟.. ذلكم هو السؤال البالغ الأهمية..
ليس صدفة أن تكون مصر في قلب العالم العربي، في الصدر من النسر العربي، الذي أريد له أن لا يحلّق، أن يبقى نقشاً على جدار، أو شعار.
ولم يقيّض لمصرنا هذه أن تقوم بدورها الا عهد الراحل الكبير جمال عبد الناصر، وقتها كانت مصر زعيمة الأمة بحق، ورائدة التحرر في آسيا وافريقيا، وقائدة وزعيمة لحركة عدم الانحياز، اذا تكلم قائدها سمعه العرب من الأطلسي حتى الخليج، كانوا يسمعونه ان كانوا معه أم ضده.
هناك بين العرب من يعمل لكي تتبوأ مصر دورها الذي تستحقه، وهناك من لا يريد لها أن تلعب هذا الدور، حتى لو كانت مصر بقيادة اخوانية لا راديكالية، ولا قومية وانما محافظة وبسمات رجعية لا تختلف عن أنظمة المنطقة.
السعودية ليست ضد التوجه المحافظ في مصر، لكنها ضد أن تكون مصر زعيمة التوجه الاسلاموي، حيث يمكن أن يُسحب البساط من تحتها، وتفقد موقعها كقائدة ذات باع بترودولاري . هي لا تريد أن يكون دورها ثانوياً، ولا تريد أن تكون ظلاً، فاذا عرفنا أن مصر تملك الأزهر، مع جيش عرمرم، من المثقفين الاسلاميين، أصحاب الشهادات العليا في كل الاختصاصات، والمؤهلين أكثر من زملائهم السعوديين للحديث عن الاسلام المعتدل، ويمتلكون قدراً من الصدقية والاقناع، وبعد التفاهمات مع الأمريكان، وهو ما يخيف السعودية أكثر، تبين لنا حجم المخاطر التي تتهدد الهيمنة السعودية في هذا المجال الذي اعتبرته حكراً لها.
ولهذا فللسعودية مصلحة أكيدة لا في اسقاط الاخوان، ونجاح الليبراليين، وانما في اضعاف الاخوان، للدرجة التي تدفعهم للدخول مضطرين تحت العباءة السعودية، ومهادنة الوهابية، الممثلة بفرق السلفية المتشددة، وصولا الى الخروج من عباءة التنظيم العالمي، وبالأخص قطر والقرضاوي، ولكن هذا الأمر يبدو صعباً ان لم يكن مُتعذراً، لأنه يعني أن اخوان مصر سيغيرون جلدهم، في حين أنهم يطمحون بعد سيطرتهم على مقاليد الحكم في مصر الى قيادة العالم العربي، والاسلامي، وهم يعتقدون أنهم مهيؤون لمثل هذا الدور، تنظيمياً وعددياً.
موقف تركيا لا يختلف عن موقف السعودية الا بالتفاصيل، فتركيا الناتو، هي أول من عرض تجربة ديمقراطية وسطية للاسلام، مختلفة عن تجربة ايران الراديكالية، بغض النظر عن البعد الطائفي، الذي لا اعتبار له عملياً الا في اطار التحشيد، والتهييج الذي يستهدف أغراض سياسية تلبس لبوساً طائفياً. تركيا هذه التي تسمى التنظيم السياسي للأخوان باسم حزبها الحرية والعدالة ، ليست متماهية مع اخوان مصر، ولا اخوان مصر متماهون معها، فتركيا الحرية والعدالة بقيادة أردوغان تطمح الى اعادة بريق العثمانية في محيطها الطبيعي الذي تجاهلته قرابة القرن، ثم تفطنت الى أهميته بعد أن يئست من امكانية قبول أوربا لها ضمن نسيجها المختلف، تركيا هذه مع مصر بالصبغة الاسلامية، ولكن التابعة لا المتبوعة، ومصر أكبر من أن تكون تابعة، حتى في قمة صعود الامبراطورية العثمانية، أبت مصر محمد علي الا أن تكون مستقلة عن هيمنة الدولة العثمانية، وقائدة في محيطها.
والسؤال المهم هنا، من سيتبع من؟ وما هي حدود التعاون والتفاهمات بين تركيا التي لم تحافظ على بريقها ودورها، ومصر التي تبحث عن دور يليق بها.
مصير اردوغان وحزب الحرية والعدالة التركي يتوقف على نتيجة الأحداث في سوريا، ومصير مرسي وحزب الحرية والعدالة المصري، يتوقف على نتيجة الأحدث في ميدان التحرير وميادين مصر وشوارعها.
أحدهما، بعد أن اطمئن للداخل، أراد مدّ نفوذه خارج البلد، فاصطدم بعقبات، ربما لن يخرج منها سالماً، والآخر، أراد بروح من المغالبة بسط نفوذه داخل البلد، فاصطدم بمجتمع عرف طريقه للميادين، وتذوق طعم الحرية بعد عقود من الحرمان، وبدا أكبر من توقعات البعض، وأكثر تمسكاً بحريته وبمدنية الدولة من أكثر التقديرات تفاؤلا.
من يهمس في اذن أردوغان بأن اللعب مع الأمم والشعوب، وان كانت مقادة من دكتاتوريين، ليس كاللعب مع الحزب الجمهوري، وبلدية استنطبول.
ومن يهمس باذن مرسي بأن شرع الله لا يفرضه مخلوق على خلق الله، لأن هذا المخلوق لا يفرض شرع الله، وانما فهمه أو فهم جماعته لهذا الشرع، الذي يظل شرعه وشرعهم، لا شرع الله.
AZP07