مسرحية 1-2
الجدار – نصوص – حامد الزبيدي
مسرحية ذات فصل واحد .
الشخوص : الكائن1..الكائن2 .. المجموعة مكونة من ستة رجال وست نساء ..رجــــــل ميت .
المنظر : في العمق جدار آيل للسقوط في أعلى وسطه ثلمة تشبه كوة صغيرة ..
يظهر وجه الكائن1 من خلال الكوة الصغيرة يمد عنقه للأمام ..
الكائن1 : ثانتوس .. ثانتوس .. أيها الاله المخدوع . .حين غشاك القيد ..تمزقت عباءتك السوداء.. وتكسرت أجنحتك الحمر وأطفئت شعلتك الرمادية و أشرقت الحقيقة الفارغة ..حقيقة مزيفة لا معنى لها .. ضعنا بعدها في متاهة لا حد لها ( يسحب رأسه الى الخلف ثم يتحرك خلف الجدار يقف في نهايته ) أصبحت حياتنا ضياعاً ..حياتنا هباء..ولدنا من بطون أمهاتنا ونحن جياع .. رضعنا حليبا فاسدا حتى صرنا أعداء .. كلنا اعداء ..كلنا يأكل لحم أخيه ويشرب الدماء ..كلنا سفهاء نعرف الفضيلة ونتملص منها وننصر الرذيلة ونبدل الأمن والسلام بالفتن والقتل والنيران .. بئس التربية التي تلقيناها في بيوتنا ومدارسنا ودور عبادتنا.. بئس الإيديولوجيات التي نؤمن بها ..إنها ما شفعت لنا من السرقة والتهجير والحرق والهدم والقتل ..نحن فاشلون الى حد النخاع وتافهون الى حد الحذاء .. لا نستحق هذه الحياة التي جعلناها كابوسا مريعا ..حولناها الى منطقة حمراء تنتشر في جميع أمكنتها رائحة الموت .( انارة خافتة ، تظهر المجموعة أمام الجدار، تؤدي رقصة الموت ، الكائن1في مكانه ينظر لهم بمرارة ..الكائن2 يقف جانبا ، ينظر لهم بمكر ودهاء ) ..
المجموعة 1: لا يحق لكم الحياة بيننا .. أنتم من فكر غير فكرنا ..ومن دين غير ديننا ومن مذهب غير مذهبنا ..فلا نحن منكم ولا أنتم منا .
الكائن2: ( يقترب منهم يقف في وسطهم ..الى الطرف الأول )أنتم على صواب .. أهدموا الجدار و أخرجوا هؤلاء الكلاب من الديار .. تأمنوا على أموالكم وأعراضكم و أنفسكم وعلى مستقبلكم .
المجموعة 1:سمعا وطاعة يا مولانا .. أخرجوا من الديار ..إنكم قتلتمونا وذبحتمونا.
المجموعة 2 : أنتم سفكتم دماءنا .. ذبحتنا تقاريركم السرية بالأمس واليوم غياهب سجونكم .. أنتم خائنون ..أنتم مجرمون ..تحـــــــــــــــالون تهجيرنا وقتلنا وهدم الجدار ..
الكائن 2: أصبتم يا رجال ..خذوهم بغتة في ظلام الليل ..وقتلوهم حيث وجدتموهم .
المجموعة 2 : سمعا وطاعة يا مولانا .. أيها الأشرار كفاكم متاجرة بدمائنا..
المجموعة 1: أيها الرعاع أنتم تجار الموت سلبتم منا الحياة وجعلتمونا في الحضيض قتلتم أبناءنا ورميــــــــــتموهم في الأنهار وعلى المزابل وعلقتــــموهم على أعمدة الكهرباء انكم أوباش لا تحترمون الموتى ولا الممات .
المجموعة 2: أيها الأراذل سرقتم الأموال وهدمتم الأمن والسلام وذبحتم الأجيال ولم تصونوا شرف الأرض .
المجموعة1: وهل أنتم صنتموه يا قراد الخيل؟
الكائن2: لا داع لهذه المهاترات .. هيا يا رجال الى القتال ..ولتكن بيننا وبينهم حرب مقدسة ..المجد لنا والذل لهم .
المجموعة : هيا الى القتال من أجل الشرف والكرامة .( يغنون أغاني تعبويه ويرقصون)
الكائن2 : ( الى المجموعة) قاتلوهم من أجل مستقبل أولادكم ..من أجل غد أفضل (يضحك بسخرية ،لنفسه) لتذهبوا أنتم وجداركم الى الجحيم ..الى جهنم وبئس المهاد.
الكائن1: ( يدخل في وسطهم ) يا أخوتي.. يا أصدقائي .. يا جيرتي .. أطفئوا نار الفتنة وأحقنوا دماءكم .. لا تستمعوا لهذا الوخيم ولا لغيره من المنافقين الذين يريدون بكم شرا ..حلوا النزاع بينكم بالسلم إن كان بينكم نزاع ..من يقتل أحدا منكم كأنما يقتلنا جميعا .. كلنا نقتل ..كلنا نموت معه ( يدور بينهم ) اتركوا الجدار.. اتركوا الشجار.. لا تتحدثوا بلغة القتل والانتقام ..تحدثوا بلغة المحبة والسلام يا أهل السلام ..
الكائن2 : ( يهتف بصوت عال)لا مكان للآخر بيننا إما هم أو نحن ..عليهم (ثم يقف جانبا ) .
( إنارة خافتة ، يهجم بعضهم على بعض بطابوق الجدار ،أصوات اطلاق نار، أزيز طائرات ، أصوات رباعيات )
الكائن1: ( يدخل بينهم )أقفوا القتال ولا تجعلوا ارضنا ساحة حرب أو منطقة تصفية حسابات.. يكون ضحيتها الفقراء والكادحين .. لن يرحمكم التاريخ غدا .
( المجموعة لا تصغي اليه ،إنها منشغلة برقصة دموية )
الكائن2: ارجموا هذا الشيطان بحجارتكم المقدسة .. ابعدوه عن تجمعاتكم الطاهرة (لا أحد يصغي له )
الكائن1: أنت أساس هذا البلاء والدمار .. أنت الخراب ذاته (يغيب عن ناظره) .
الكائن2 : ( يقف خلفه ، يقلد صوته ) أيها الأوباش مزيدا من الدماء .
الكائن1: أيها الأخوة هو ذا المنافق الذي أوقع بينكم وجعلكم أعداء ..اخرجوه من بينكم تعيشون بأمان وسلام ..أطردوه من بينـــــكم تأمنوا على عرضكم ومالكم وأنفسكم
الكائن2: اخرس يا مرتد ..أقبضوا على هذا الكافر الذي انتهك حرماتنا وكفر بمقدساتنا ..أقتلوا هذا الخنزير قبل أن يفلت منكم .
المجموعة : أمسكوا المرتد ..أمسكوا الخنزير .(يطاردونه ، يهرب منهم )
الكائن2: استعدوا يا رجال البرنو والكلاشنكوف ..استعدوا يا رماة ..ارم .
( صوت اطلاقات نارية ، دوي انفجارات ،اظلام ..صراخ ، تختفي المجموعة ) .
الكائن1 : ( واقف في وسط اليسار بمفرده انارة خافة ، يظهر الجدار مقسماً الى ثلاثة مثلثات متقطعة تشبه الاهرام ) نصبت في كل حي مقصلة .. وامتدت أعواد المشانق في الطرقات .. ماتت القبرات بلهيب المفخخات .. وتهدمت القلعة المحصنة وأنتهى الجدار وبدأ موسم النحيب .. ما ذقت طعم السكينة ..كل عمري غريق ..
الكائن2 : ( يظهر خلفه ثم يدنو منه ) أيها الدجال ..ما قيمة الصفر عند الغرق .
الكائن1 : عمري ماكنت صفرا .
الكائن : لا تكذب ..أنت صفر على الشمال ..هكذا هو أسمك مدون في سجلاتنا منذ عهد بعيد ( يضحك بسخرية ) .
الكائن1: أنا هنا أعيش بينكم صفرا على الشمال ..أما هناك أنا نقطة وحرف وأنتم وسجلاتكم هباء .
الكائن 2 : أيها اللاشيء..نحن هنا الوارثون.. نحن هنا القوة والجبروت.. وباختصار .. نحن هنا كل شيء .. ولا يعنينا من نكون هناك .
الكائن1: أيها الكائن الدخيل .. لم أينما أكون تكون؟ ماذا تريد مني ؟
الكائن2 : ستعرف يوما ماذا أريد منك .
الكائن1: تذكرتك الآن .. نعم ، أنت ذلك الجاثوم القابع فوق صدري ..تذكرتك أيها الظل الذي لم يتركني ابدا ..اعلم سيأتي يوما ، تتكسر فيه كل السلاسل وتتحطم كل القيود ..وتفقأ عينك التي لم تر شيئا قط .
الكائن2: أنا رأيت كل شيء .
الكائن1: كفاك غرورا .. إنك لم تر شيئا .. أنت تحلم .
الكائن 2: بل رأيت ولكنك لن تصدق ذلك .. لأنك أنت ومعيتك تعيشون في الأحلام التي خلقتها أخيلتكم السوداوية .. لأجل أن تهربوا من ماضيكم الأسود و مما صنعت أيديكم من جحيم .. بينما نحن نعيش الواقع الذي خلقناه لأنفسنا و جعلناه يفوق الخيال .. إنه أجمل من الجنان التي توعدون فيها .. أجمل مما تتصور ..لا تبتئس ..في لحظة ما .. سأجعلك تعيش الواقع الذي لم تحلم به أبدا . ( يختفيان) تظهر أمام الجدار المجموعة تجر جثمان رجل من قدميه وهو ممدد على الارض، والنار تشتعل في ثيابه .
الكائن2: هذه نهاية كل خائن ..كل سارق .. هذه نهاية الجبناء الذين قعدوا في بيوتهم ولم يشتركوا معنا في ساحات القتال .المجموعة : (ترقص بجنون وتهتف وتزغرد) (كرصناه كرصة الواوي ..وشعلنه أجداده حركناه حركة الكافر .. بدمه وثيابه ) قرصناه قرصة الثعلب ..وأشعلنا أجداده .. حرقناه حرقة الكافر ..بدمه وثيابه .
الكائن1: هنا .. في هذا المكان الموبوء بالحقد والكراهية ..ضاع الانسان ..حين تفجر البركان .. صار رمادا .. من أوقد النار ؟ الخبز رماد ..الكرامة رماد ..الفضيلة رماد ..الإنسانية رماد .. كل شيء هنا رماد .. الدخان غطى وجه الشمس ..الغل جعل من الإنسان حيواناً متوحشاً .. الانتقام ..جعل منه حيواناً مفترساً. انتهت الانسانية في هذه القيعة المباركة ..القيعة المقدسة ..اذ تتشاجر فيها المسوخ وتتقاتل الوحوش فيما بينها بضراوة حتى الموت والجبابرة الهة الارض يتفرجون على الكائنات البشرية الساكنة في بيوتها وهي تلتهمها النيران النازلة من السماء والمهاجرة التي تغرق في البحــار والمحيطات.
الكائن2: ( يظهر أمامه فجأة ، يجسد شخصية المدعي العام ) ثبت لدينا بالدليل القاطع .. أنت تحمل أفكار هدامة ..أفكار مظلمة ..ذبحت الفــــــــــــقراء وقتلت المحتاجين وشردت الأطفــال والنساء ..وسرقت قوت الناس وخلقت الفرقة فيما بينهم .
الكائن1 : وما هو دليلك على ما سبق بيانه ؟
الكائن2 : ( يدنو منه يهمس اليه) أو نسيت يوم ماكنت رفيق دربي ..ألا تتذكر ماكنت تنوي فعله ؟
الكائن1: كانت في أخيلتي مشاريع انسانية كثيرة .. كنت أتمنى أن أنفذها في الواقع وأجعلها حقيقة .
الكائن2: نحن لسنا بحاجة لها .
الكائن1: أنتم لستم بحاجة لها أما نحن ما أحوجنا لها .
الكائن2: ما تقوله ليس حقيقة ..إنها مجرد أحلام لا ولادة لها هنا ولا مكان .
الكائن1: أنت كابوس مريع سكن في أخيلتي ..جن ازرق يســري في دمي لا أصدق ما يجــري .
الكائن 2 : تذكر جيدا .. يوم ما تراني ملاكا ..سأجعل أخيلتك وردية وتصدق ما يجري (يضحك بسخرية ) يا نكرة ..
(يختفيان)
( تظهر مجموعة من الرجال واقفة أمام الجدار)
الأول : أنت مرتد .. تركتهم يهربون دون عقاب.
الثاني : وأنت كافر ..قتلت رجلا نطق بالشهادتين .
الثالث : أنت لص مارق .. هدمت المنازل على أهلها وسرقت المحلات التجارية .
الرابع : وأنت مجرم خائن .. اغتصبت النساء وسرقت مني ما غنمت .
الكائن2 : ( يدخل بين المجموعة ) ما جريمة هؤلاء الأنذال يا رجال؟
* ثانتوس ( إله الموت في الأساطير اليونانية القديمة.























