التاريخ المفقود بين الوثائق في منزل صدام

التاريخ المفقود بين الوثائق في منزل صدام
حمدي العطار
أثار مسلسل (منزل صدام) من انتاج بريطاني – امريكي زوبعة خارج نطاق الفنجان من قبل ذوي الاختصاص والمتحمسين ضد او مع صدام، واول خطأ وقعت فيه الشركات المنتجة لهذا المسلسل هو أشراك الممثلين الاسرائيلين في العمل وكأن شركة الانتاج متعمدة في اثارة المشاهدين العرب ضد المسلسل ومضمونه! العمل فنيا بحلقاته الثلاث الاولى كان مقنعا برغم التاريخ المغيب للعديد من الحوادث والمواقف المفصلية لتاريخ العراق منذ تسلم صدام للسلطة في العراق عام 1979 حتى القاء القبض عليه بعد 2003 من الامريكان، المسلسل من اخراج (اليكس هولمز وجيم هانلون) وقد حاولوا الاتصال بصدام في فترة توقيفه لمدهم بالمادة التاريخية الغامضة ومعرفة اسباب مواقفه الغريبة في تصفية خصومه ورفاقه ومحاربة جيرانه وعلاقاته مع العرب والغرب وطريقة ادارة حكمه وسلوكيات المحيطين به ابناؤه (عدي وقصي) وكذلك اقرباؤه (عدنان خير الله وحسين كامل وعلي حسن المجيد وبرزان وطارق عزيز) لكنه لم يستجب لهم لذلك كما يدعون استعانوا بطارق عزيز للحصول على بعض المعلومات اما المصادر الاخرى فهي عبارة عن مراجعة لما تم نشره من روايات وقصص قد لا ترتقي الى مستوى الوثيقة في الدقة لذلك القائمين على المسلسل اعترفوا بأن الخيال قد وفر لهم مادة فنية مقاربة لتلك الشخصية المركبة والمثيرة للجدل، المسلسل طابعه التمثيلي مشابه للحملة في الحرب على العراق والتي حرص الامريكان على مشاركة اكبر عدد من الدول فالمسلسل هو الآخر حرصت شركتي الانتاج الامريكية والبريطانية على مشاركه واسعة من جنسيات متعددة ! ولعل حرصهم دفعهم لمشاركة اسرائيل بدور رئيسي في المسلسل وليس هامشيا متواريا عن الانظار كما في الواقع المرير! فكان الملاك التمثيلي متكون من (نجال ناؤر- ممثل اسرائيلي من اصل عراقي- قام بدور صدام وهناك شبه كبير في الشكل،شهيرة اغداشلو-ممثلة امريكية من اصل ايراني – قامت بدور ساجدة زوجة صدام، فيليب ارديتي- ممثل فرنسي – قام بدور عدي، مكرم خوري-ممثل فلسطيني قام بدور طارق عزيز، سعيد عمائي – ممثل مغربي قام بدور برزان، وأوري جبرائيل – ممثل اسرائيلي – بدور علي حسن المجيد وعمرو واكد – ممثل مصري قام بدور حسين كامل، اضافة الى ممثلين من تونس لأن المسلسل صور في تونس واشترك كلا من (فؤاد ليثم ،محمد علي الهندي، لطفي العبدي،نادية بوسيه) هذه هي التشكيلة التي كانت تدور في فللك الشخصية المحورية صدام منذ أنقلابه على البكر- حتى محاكمته بعد 2003 – وجعلها المسلسل في حفلة عيد ميلاد (حلا) البنت الصغرى لصدام وموافقة البكر اجباريا بالتنحي في موقف يشبه تسويات القيادات في عصابات المافيا!بعدها تصفية القيادة القطرية للحزب في مؤتمر الحزب والتخلص من رفيق درب صدام (عدنان حسين) وكذلك تقريب حسين كامل وزواجه من بنت صدام هو واخوه صدام كامل مع ابعاد برزان الى خارج العراق بعد حادثة اغتيال الدجيل، تبدو الحوادث متسارعة وكأننا نتابع فلم سينمائي تم تقطيعه الى اربعة اجزاء ولو كان المسلسل ممتدا الى 30 حلقة لكان هناك فضاءات واسعة لتقصي بعض المفاصل الدرامية لمرحلة حكم صدام في العراق اما التركيز وانتقاء بعض الحوادث واهمال اخرى برغم اهميتها فيكون هناك غياب ونقص في المعالجة الدرامية للسيرة الذاتية فكانت اهم المحاور في الاجزاء الثلاثة الاولى هي (تسلم السلطة، تصفية الرفاق البعثيين، الحرب مع ايران، محاولة اغتيال صدام في الدجيل، زواج حسين كامل وتقريبه على حساب برزان، التوتر بين عدي وحسين كامل، قتل عدي للمرافق حنا، قتل عدنان خير الله، غزو الكويت، خروج العراق من الكويت، لجان التفتيش والحصار الاقتصادي، هروب حسين كامل الى الاردن، عودته الى العراق وتصفيته من عمه علي حسن المجيد) هذا ما تناولته الحلقات الثلاثة اما الحلقة الاخيرة وهي الاضعف فقد تناولت حرب 2003 واحتلال العراق واختفاء صدام والقبض عليه، لقد اهملت احداث ومواقف مهمة واسقطت عمدا مثل موقف الغرب والدول العربية من الحرب العراقية الايرانية، تصفية وانهاء الحزب الشيوعي العراقي، انتفـــــاضة الشعب العراقي سنة 1991 ، وهناك تناول سريع وخاطف لأستخدام الاسلحة الكيمياوية في حلبجة واعدام التجار، ان غياب المراجعة التاريخية من العراقيين وغياب الرؤية الصادقة غير المضللة للمعنين العرب هو من شجع الغرب وبالذات امريكا وبريطانيا لملأ الفراغ في هذا التناول الناقص للاحداث ولا يبرر لها اسناد دور صدام للممثل اسرائيلي بحجة الشبه او الاصل اليهودي العراقي لأنه شكل تحدي آخر للمشاهد وهو يرى الاستفزاز الفني يدخل في التأثير السياسي عليه. نحن بحاجة الى الجرأة الكافية والمهنية والكفاءة الفنية لأنتاج عمل سينمائي او تلفزيوني عن هذه الحقبة الزمنية وكتاب الرواية غير قادرين فنيا على اعطاء الدقة ولا بأس من الاستعانة بالجوانب الفنية وتقنيات التصوير مع رصد موارد الانتاج المناسبة لنقل الصورة الحقيقة لهذه المرحلة التاريخية العصيبة.
AZP20