
البيت السني بين الانقسام والمصلحة العامة – كامل كريم الدليمي
لم يعد خافياً على أحد أن حالة الانقسام داخل البيت السني تجاوزت حدود التنافس السياسي الطبيعي، لتتحول في كثير من الأحيان إلى صراعات جانبية استنزفت طاقات المكون وأضعفت قدرته على الدفاع عن قضاياه الأساسية. ففي الوقت الذي تنتظر فيه الجماهير حلولاً حقيقية لمشكلاتها الخدمية والمعيشية والأمنية، تنشغل بعض القوى والشخصيات بخلافات شخصية وحسابات ضيقة لا تعود بالنفع إلا على أطرافها، بينما يدفع المجتمع الثمن من استقراره ومستقبله.
إن أخطر ما في هذه الصراعات أنها تُفعَّل أحياناً بصورة مقصودة لتحقيق مكاسب سياسية أو تعزيز نفوذ هذا الطرف أو ذاك، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة القرار السني أو على حساب الملفات الجوهرية التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة. وبدلاً من أن تكون المنافسة وسيلة لتقديم برامج أفضل وخدمة المواطنين، تحولت إلى معارك إعلامية وتصفية حسابات أضعفت ثقة الشارع بقياداته السياسية والاجتماعية.
لقد مرّ المكون السني خلال السنوات الماضية بظروف معقدة وتحديات كبيرة، وكان يفترض أن تدفع تلك التجارب الجميع نحو توحيد الصفوف وبناء مشروع وطني متماسك يعيد للمجتمع استقراره ودوره الحقيقي في الدولة. لكن ما حدث في أحيان كثيرة هو العكس؛ إذ أصبحت الخلافات الشخصية والتنافس على المواقع والمكاسب مقدمة على المصلحة العامة، الأمر الذي فتح المجال أمام مزيد من التشتت وفقدان التأثير.
ولا يمكن إنكار أن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي وصحي في أي بيئة سياسية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى حالة دائمة من التصادم والتخوين وإضعاف الآخر، وعندما تُستخدم الأزمات المجتمعية كورقة ضغط أو وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية آنية. فالمواطن البسيط لا يعنيه من ينتصر في الصراع بقدر ما يعنيه أن يجد أمناً واستقراراً وفرصة حياة كريمة وخدمات تحفظ له إنسانيته.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الخطابات التصعيدية، بل إلى مراجعة جادة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع مصلحة المجتمع فوق الحسابات الشخصية والحزبية. فالمكونات لا تُقاس بعدد قادتها أو حجم خلافاتهم، وإنما بقدرتها على حماية مجتمعها وتحقيق تطلعاته. وأي مشروع سياسي لا ينطلق من هموم الناس الحقيقية سيبقى مشروعاً هشاً مهما امتلك من نفوذ أو حضور إعلامي.
إن المرحلة الحالية تتطلب من القوى السنية كافة أن تدرك أن استمرار الانقسام لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضعف وفقدان التأثير، وأن الرابح الحقيقي من هذه الصراعات ليس المجتمع، بل حالة الفوضى والتراجع التي تصيب مؤسسات المكون ومكانته. لذلك فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض تغليب لغة الحوار والتفاهم والعمل المشترك، لأن مستقبل المجتمع أكبر من أي خلاف عابر أو مصلحة مؤقتة.وفي النهاية، فإن التاريخ لا يتذكر حجم الصراعات بقدر ما يتذكر من عمل من أجل الناس، ومن قدّم المصلحة العامة على مصالحه الخاصة. أما المجتمعات التي تُستنزف في خلافاتها الداخلية، فإنها تخسر الوقت والفرص معاً، وتترك أبناءها يدفعون ثمن الانقسام جيلاً بعد جيل .




















