البنية الايقاعية لجمالية الحرف في لوحة الخط العربي

 

د. جاسم محمد صالح الدليمي

 

 

 

 

يتشكل تلقي الإيقاع البصري في لوحة الخط العربي من خلال معطيات التكوينات الخطية لشكل الحرف في إطار نوع الخط وفنيته ومسار تلك التكوينات وما تستظل به من زخارف نباتية او هندسية ليتكامل ذلك كله من اجل إقامة بؤرة بصرية إيقاعية تؤثر في الوجدان البصري للمتلقي وتوجه حركة تفاعله النفسي والشعوري مع لوحة الخط وتشكيلاتها الحرفية. وتتأسس البنية الايقاعية لجمالية الحرف العربي من خلال مجموعة معطيات شكلية او تكوينية للحرف فيما يُشاهّد في اللوحة الخطية أولها رسم الحرف وهندسته في إطار فنيَّة الخط وحرفيته ، ثانيها موضع الحرف من الكلمة وترتيبه فيها، ثالثها زخرفة الحرف ومساحة امتلائه او مقامه في فضاء اللوحة، ومنها تمكن الحرف من اشباع نظر الرائي او استقطابه ليكون نبضة ايقاعية بصرية مؤثرة في بناء المسار الايقاعي للوحة. فضلا عن تغيير موضع الكلمة من الجملة او العبارة المكتوبة بقصد جعلها باعثا على نمو هاجس الإيقاع البصري واتساع المدى الموسيقي شعورا ووجدانا لدى المتلقي. ان توالي النبضات الايقاعية في اللوحة الخطية يُنتج بنية ايقاعية ويضبط مستوى الرصد البصري لقيمة الإيقاع ودوره في بيان الأثر الجمالي لموضع الحرف والكلمة في سياق التكوين الخطي للوحة ، والنبضة هي أصغر وحدة بصرية إيقاعية تنبعث من شكل الحرف ورسمه أو زخرفته في اللوحة الخطية نحو عين الناظر (وهي تقابل السبب والوتد في علم عروض الشعر) ومن تتابع النبضات بفعل تنقلات عين الرائي بين حروف اللوحة وكلماتها وعباراتها يتولد إحساس وجداني شعوري ذو اثر نفسي ايقاعي يمثل البنية الايقاعية للوحة وتشكيلاتها الخطية بمعنى اخر أن البنية الايقاعية للوحة الخطية تنتج او تنشأ من خلال تتابع النبضات الايقاعية التي يستقبلها نظر الرائي ليتولد عنها هاجس سمعي وإحساس وجداني شعوري مؤثر في نفس المتلقي وموجه اليه ايقاعا منتظما زمنيا ومقروءا بصريا.

وعند معاينة رسم الحرف وملاحظة شكله تبرز عناصر مساعدة في نمو النبضات الايقاعية تتمثل في استقامة الحرف أو انعطافه وانسيابيته ورشاقته وامتلائه وامتداده واختزاله وتنقيطه وتجريده ونسبه الوزنية في إطار الكلمة وموضعه من اللوحة لتتضافر تلك العناصر في انتاج نبضات بصرية ايقاعية. فضلا عن مساهمة الحروف الأعمدة في اللوحة ونعني بها الحروف البارزة فيها أو الأكثر بروزا بما يستقطب نظر المتلقي ويكوِّن مركزا بصريا ايقاعيا يوجه حركة عين الناظر وبما يماثل أداء العزف المنفرد – الصولو-لآلة موسيقية في مسار اللحن ، كل هذه تمثل بؤرا بصرية إيقاعية تنتشر في لوحة الخط العربي. ثمة صفة تداخل بين الحرف والصوت تجمعهما – كعلاقة الدال بالمدلول – وتعد صلة ارتباط وثيق بينهما حيث الحرف هو هندسة الصوت ورسمه خطيا والصوت هو منطوق لفظي سماعي للحرف – الصوت فيزيائيا هو الأثر الناتج عن اصطدام ذبذبات الهواء بغشاء الاذن – ويمكن أن تمثل هذه الصفة نبضة إيقاعية تؤسس أو تساهم في إقامة مسار إيقاع بصري سمعي حيث يولد عن رصدها – من خلال تتابع التشكيلات الحرفية وزخرفة الكلمات والعبارات في اللوحة الخطية – المجرى الايقاعي للعبارة المقروءة المنظورة.

إن قراءة الحرف لسانيا تنتج صوتا مسموعا خارجيا يكشف عن جرس الحرف ورنينه ودرجة تذبذبه في أذن السامع قوة أو ضعفا. وإن الاصغاء اليه بصريا يُجري الإحساس النفسي المضمر بين أنفاس القراءة والشعور به ويبيّن نسبة أثر التوتر الوجداني الحاصل لدى الناظر. وهناك – في اعتقادنا – نسغ ايقاع سار بين الحرف والصوت متذبذب ناشئ عن تحايث بنيوي متين قائم بينهما يُمكِّن العين أن تسمع ما تبصر ويسمح للأذن أن تبصر ما تسمع. وإن هذا النسغ الايقاعي هو مُنبِّهُ إصغاءٍ يتجاوز وظيفة الادراك البصري للأشياء وهو ذو صفة جمالية لا تتقيد بموضع النظر انما تحتويه او تختزله بتأثير المحفز الايقاعي الجمالي للمقروء بصريا ولأجل توظيف البؤر الايقاعية الناشئة عن تماهي الحرف رسما والصوت ايقاعا في اللوحة فضلا عن إعلاء القيمة الجمالية لفن الخط العربي الذي لا يتقيد بجعل الكلمات صورا انما يجعل المقروء مسموعا يستقبله البصر وتصغي اليه البصيرة وينبض به الوجدان. إن موضع الحرف في الكلمة أو ترتيبه قائم وفق ضوابط البناء الصرفي للمفردة اللغوية وإن تغيير هذا الموضع في إطار الكلمة ينتج تغييرا في الدلالة وهذا مدار اهتمام اللغوي أما في مجال فنيّة الخط العربي وإقامة جمالياته فإن اجتهاد الخطاط بتغيير موضع الحرف من الكلمة إنما لإنتاج قيمة جمالية مضافة لها أثرها الفاعل في البناء الايقاعي للوحة فضلا عن تأثيراتها الجمالية في عين الرائي.