البعد السايكولوجي يعانق الرعب والحزن

البعد السايكولوجي يعانق الرعب والحزن

قصص تكتب على دوي إيقاع متّزن

كاظم السعيدي

لقد توّجت هذه المجموعة القصصية (دوي على إيقاع متزن ) للكاتب راسم قاسم بجائزة الطيب صالح وحازت على المرتبة الاولى ..فإشتملت على قصص عدة …تغطي كل قصة حالة اجتماعية من واقع المجتمع العراقي .مشتملة بعضها على الحرب (مطحنة الموت ) ..ففي    ( قصة الاعمى ) حيث تقمّص البطل شخصية الاعمى ، ليسبر أغوار العالم السفلي، وأراد أن يدخل الى ظلمات (ذلك الاعمى) فأغمض عينيه بشدة ..وأطبق أجفانه على بعضها تحت نظارته السوداء ..(فهبط سلما بحذر مخيف ،نحو العالم السفلي بإرادته. ص14.. ثمَّ اسدل الستارة بين عالم الاضواء والنور وبينه ، وراح يقلّد الاعمى ، فينظر بعينين مغمضتين ،الى النافذة التي كانت تعيش في عالم الرؤية ..ليعيش الظلام الدامس ،بكل أبعاده وتخيلاته السايكولوجية ..وراح البطل يتخيل ، ليشعر أنه يلامس سقف (سيارة الكيا ) بعصاهُ ،مقلّدا إياهُ ..حيث تملّكهُ حزن ُوشعور غريب بعدم العودة الى عالم المبصرين ..فشعر بالندم على فعلته تلك ، إنثال تصور غريب ملاه باليقين ..إنهُ أعمى

فعلاً ، قائلاً: _ لذاته ..سأبقى هكذا أعمى حتى لو فتحتُ عينيَ .خشبتُ أن أفقد ذلك الكنز ..(النور) ص16..تملكه خوف ٌ من أن يفتح عينيه ،فانتابهُ القلق وضاق صدرهُ ،من أن يبقى في ذلك السجن المظلم .. وما زال عقلهُ يبثُ شفرات التخيل ..مع إنعدام نقطة الاستسلام والتفسير لديه ..ويضيف البطل ..بأنه شعر بالتشاؤم من بقائه بسجن العمى المفتعل ..ماذا سيحل به لو إستمرّ هذا الحال ..؟ فهل سيبقى رهين هذا السجن الجسدي ..؟ ص17..فلقد جسّد البطل تلك المحنة ،رغم محاولته فتح جفنيه المطبقين ،فلم يفلح في ذلك .. ولّما يئس إستسلم لحالة اليأس ،لكنه ُ راح يفكر باحثا عن حل .. ولّما قصة (الكوّة ) فإنّ ثيمتها تعالج صراع الانسان مع الحياة ،بظل أوضاع مملوءة بالمأسي والمعاناة ..من أجل البقاء على قيد الحياة ..وتحدّث بطل القصة ..الراوي العليم ، كيف سرد لحظات المعاناة ،التي واجهته وصديقه البدوي الذكي .. وكيف هربا من جحيم الحرب، بصهريج لتهريب النفط ..داخل صندوق حديدي ..ليهربا خارج حدود البلد ..تخلصاً من سرية الاعدامات ، وديمومة مطحنة الموت ..وحينما تحركت بهما السيارة ،زادت في معاناتهما وعذابهما من خلال رجرجة الحركة وإصطدام رأسيهما بجدران الصندوق الحديدي ..وهما محشوران بداخل الصندوق..وليس لهما منفذ للهواء سوى ثقبين صغيرين لكل واحد منهما ،ألصقا أنفيهما عليهما ،طالبين التنفس ..ص30..وهنا صوّر البطل ..المعاناة التي تتردد في مخيلته ..عدة إسئلة ٍ عن قيمة الحياة ، فلم يبقَ أمامهما إلاّ نقطة صغيرة تلامس أنف كل واحد منهما .. ووضح البطل ..هذا الجهاد للوقوف بوجه الفناء والهروب من قيود الطاغية ..وهنا وضّح الكاتب ،عندما تموت الاحلام والرؤى ،تبرز حقيقة واحدة ..أن لا بديل للحرية مع الحياة ..

وأمّا القصة الثالثة (أنا والجاحظ في سوق الخضار ) فلقد أكّد الكاتب ..بأنّ كتاّب أيام زمان يكتبون للحكام وأصحاب المال والسلطة ..لكن بائع السمك ..هذا جاحظ العينين ..فلقد نقل لنا الكثير من الوقائع واللوحات الاجتماعية ..من كتبه (البخلاء ،البيان والتبيين ،الحيوان..) ص33..وصوّر الواقع الاجتماعي البصري تصويراً رائعاً ..وهو الوحيد الذي نقل لنا المعاناة الاجتماعية لتلك المدينة العظيمة ..(البصرة)حيث وضَح الكاتب أنه لم تعدْ هناك من محرماتأو مستحيلات أمام الجوع والفاقة ، التي فرضتها سنوات الحصار منذُ عام (1990- 2003) ولم يبقَ شيئا لدينا ..فقدنا كل شيء ..مالنا ، ذكرياتنا ،وحتى أشجارنا ، لقد حرقها الحصار الاقتصادي ..بسبب سياسات حمقاء ،غير متزنة وبطولات فارغة لا تمت للواقع بصلة ..ص34..

وفحوى القصة ..أنّ البطل يختار تلك الكتب الثلاث ليبيعها في سوق الكتب ، ويحصل حوار بين البطل وأبا عثمان (الجاحظ ) وكأنّ لسان حاله يحاور البطل ..لماذا تبيعني .؟.هل أنا عبد لك ..؟

أو لابيك حتى تبيعني ..أنا حرُ يا رجل .. وأنا أملك حريتي ..ص37 هنا البطل يبدع في الحوار مع الجاحظ ..وبعد أن أخذ الحديث أبعاداٌ إقتصادية ، يسامحه أبا عثمان .. عليها لكن دمعة ساخنة إنسابت من مقلتي البطل ..حينما تخيل..بأن الجاحظ ..قابع في زاوية من ا لسوق،يرمقه بحزن ولسان حاله يقول ..(لك الله يا هذا ..) عندما أبدل البطل ثمن الكتب بأكياس من الخضار والفواكه وجعلها زاداً للعائلة .. وأما قصة .(حدث في المجرة ) هنا يغور الكاتب في الماضي ويستذكر أنواع التعاسة والتعب من وراء الجري وراء لقمة العيش ..وسرعان ما يغادر البطل بيته ..يسبح في خيال الزمن اللامرئي .. ويتوغل كثيراُ في هذا التفكير ، لتصور له مخيلته ،خيانة نصفه الثاني ..حباً في الرغبة والمتعة حتى ركبته موجة العودة لداره ..وتمحورت القصة حول حبه للكتب ،مما أفرز كره زوجته له ..لانه إتخذ من الكتاب خليلا له وأسرف في حب الكتاب وقراءته ..لذا فإنه فقد حب زوجته له .. لكن البطل رسم حلماً يتهم به زوجته بالخيانة ..وهذا الحلم لاصلة له بالواقع إطلاقاً..حيث سبح في عالم الغيبيات ..حينما تعّرف عليه رجل أبيض اللون ،عملاقاً جلس أمامه في المقهى ..لا يراه الاخرين إلا هو .راح الرجل الوهم يسرد للبطل خصوصياته ،لحد الامتعاض منه ..حتى أخبره برغبته بمغادرة الواقع المؤلم دون أسف سيغادره لوحده ،دون ولديه و زوجته ..

وأمّا قصة (حكم القرية ) فهي تتناول القيم والاعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية، في المجتمع القروي المتخلف. عندما أصدر حكمه الظالم على الشابة القروية الغضة.(عسلة ) بالموت غسلا للعار ..وإحياءً لشرف المجتمع القروي وتقاليده البالية ، لجرمٍ لن تجنيه .(عسله ) فالعطار المسن الجشع ،هو الذي لفّق عملية هروبها مع عشيق مجهول، لانها رفضت الزواج منه ..عندما أجبرها أهلها على الزواج منه ..والصحيح أنها ذهبت لاخيها في معسكره ،لتحتمي به من الظلم الذي لحق بها ..لكن الاب يجبر الاخ ويتفقا على قتلها ، رغم معرفتهما الحقة ، ببراءتها . وحتى الرجل العطار الجشع،إعترف ببراءتها أمام القانون ..وراحت (عسلة ) ضحية قيم بالية ..فكان حكم القرية حكماً جائراً ، بقتل شابة بريئة ..لانها دافعت عن حقها في الحياة ..وفق القانون ووفق قيم المجتمع الانساني المتحضر ..الذي يمنحها حق الحرية بالاختيار ..

وأمّا قصة ( رغبات مستحيلة ) هنا البطل يثبت من خلال توصله الى قناعة ، بأن الاحاسيس الانسانية تخضع لمؤثرات تنبعث من الذات ،التي تخضع لعوامل فسيولوجية تتداخل فيها عناصر كيميائية ونفسية ..بالرغم من عمق الحزن والماساة التي حلّت بالزوجة ، لكنها إستجابة لرغبتها الجنسية ، حينما داعب ذلك الشخص مشاعرها وأحاسيسها ..مما جعلها تستسلم مرغمة وتسلمه نفسها ليتلفع معها عباءة الليل داخل المقبرة .. في الوقت الذي يوارى جثمان زوجها الشهيد ، أهله وذويه ،ووضح البطل سبب إستجابة زوجة الشهيد حينما داعب مشاعرها وأحاسيسها ..ذلك الشخص ..عندما كان يجلس قربها في السيارة ملاصقا لها بجسده ..

وأمّا قصة ( عندما سرقوا وجهي ) هنا البطل إشتغل على ثيمة رمزية مرتبطة بعالم الوهم والخيال من الناحية السايكو لوجية ،حيث تخيل البطل نفسه ،أنه بلا وجه شانه شان الكثيرين الذين عاشوا وفقدوا هوياتهم الانسانية ، كما تعددت أسباب الضياع ..حيث يشعر بطل القصة ،بأنه يعيش بعالم مسوّر بالاسرار والطلاسم ،كما كان يشعر ليس هو الوحيد الذي ضاع وجهه ،بل هناك كثيرون ..سرقت وجوههم،فتحول من حالته الخاصة الى الحالة العامة ،لاستعادت الرمزية لوجهه .. وفي نهاية المطاف تاكد أن الوجوه المسروقة ،لا تعاد كما كانت ..حيث للزمن حقوق وللسارقين حقوق ايضاً..ص91..

أمّا قصة (دوي على إيقاع متزن ) فهي تتناول جهد موظف متقاعد ، راح يتذمر من رتابة عمله اليومي ، الموزع بين البيت والمقهى ،وسابقاً كانت الوظيفة ، التي أخذت منه سنين شبابه الغض ..وكل ما تبقى لديه من تاريخ ،يؤكد مهنته هو ذلك الملف .(إرشيف ) خدمته الذي ظلَّ محتفظاً به سنين يفخر به .حتى راح قسم من رواد المقهى يسخرون من إحتفاظه بارشيف حياته المهنية ، وذات يوم حمل ملفه بكيس أسود قاصداً المقهى .. لكنه حصل ما لم يكن بالحسبان ..حينما عانقت خطواته الشارع ، أطلّ عليه جندي أمريكي من عربة مدرعة ، وأمرهُ برمي الكيس الاسود على الارض ..فاحتار بالامر وتردد كثيرا بعدم رميه ، لكن إصرار الجندي الامريكي، أجبره على رميه أرضاً ..وصارت عيناه معلقتان بالكيس (الكنز ) ملفه التقاعدي الذي يحمله .. ولكنه سرعان ما صار تحت عجلات المدرعة ، لتسحقه وتمزق أوراقه الصفراء متناثرة في الهواء ..وكأنها صرخة مدوية ، ومدمرة لسنين العمر ..(كدوي على إيقاع متزن )..          وأما قصة ( ليلة أخيرة من حياة فنان تشكيلي ..) وتشبه هذه القصة الى حدّ ما ..( قصة حدث في المجرة .. ) لانها تشترك معها في الثيمة الاساسية لها .. حيث يسبح البطل خيال الزمن اللامرئي .. فياخذ الرجل الغريب ..هادي السيد بجولة ليفك رموز اللعبة ويحصل حوار بينهما ..واخيرا،يمسك (قابض الارواح ) يد هادي السيد ، ويحلّق في اجواء المدينة ..فيشعر بجسده يطير عاليا ..ثمّ يقول للرجل البائع ..إذهب بي لدجلة ..فهي التي تحتضن أحزاني..دائما، ثم دع ماؤها يغسل أدراني ..يلبي طلبه ..ثم يعودا لبضاعتهما بالزقاق المظلم ..ثم يقول ..لهادي السيد ..خذ ..من هذه العلبة وضعها على أنفك ..قال .إنها رائحة أمي ..وطفولتي ..ثم ً يضيف .الرجل البائع ..تعال ..لترى.الخوف والرعب الذي لم تره ُفي حياتك ..وسوف أجعل من روحك تخرج هاربة من جسدك البالي .. ثمَ شاهد أشخاص كثيرون في تلك الليلة ..بأن هادي السيد ..يحلق في سماء بغداد ..ناشرامعطفه الرّث ..كمظلةٍ .. يقهقه ساخراً من كل شيء ..

وأمّا قصة ( نزوة لالهة الطين ) تتحدث عن (صبرة بائعة الطيور )كيف وقعت بحب البطل ،وراح يحدث صديقه عنها ، الذي يشاركه السكن ..فكانت بائعة الطيور الحسناء،المراة اللغز ،تلك القروية الجاهلة ،والتي تزوجت دون حبِّ .وظلت تفتقد الحب ،الذي وجدته في البطل .وتدور احداث القصة ،بين (صبرة ) وحبيبها حتى تتعلق به حد الجنون والهوس ..فوصلت لمرحلة ،أنها كانت تمشي وتكلم نفسها ..مما جعلها تترك محلها في السوق .وتتوارى عن الانظار ،وكان إختفاؤها مفاجئة لحبيبها ..بحيث هو الاخر كان مسحوراً بجمالها..وهنا وضح الكاتب ترابط المشاعروالاحاسيس بينهما .وبعد مرور عدة أيام سمع خبرا عنها من صديقتها ،والتي تجاور محلها في السوق .. واخبرته بانّ (صبرة ) موجودة وتروم مقابلته ..وتمّ اللقاء في بيت مهجور ، بعيد عن انظار المارة ..وكان يحلم باحتوائها ..وعندما التقاها ،قال : لها لقد أقلقني غيابك ..ردت عليه .أنت السبب في غيابي ..وأنت سحرتني بحبك ..ودمرت حياتي ،كنت زوجة وأم مثالية ،وانت قمت بسحري ..وعليك ان تخلصني من السحر ..فاعطني شيئاً من ملابسك الداخلية .وأعطاها ما أرادت ،وإتفقا على موعد للقاء اخر ..وحينما يلتقي بها ثانية،تطلب منه شيئا يصعب عليه تنفيذه ..مما جعل حبيبها يحمل حقيبة سفره ،ويرحل مسرعا تاركاً صديقه مع لغز كبير ..

والقصة الاخيرة ( همس الابواب القديمة ) وهي تتناول الرؤيا التي تموت ، وتأخذ معها كل ما إختزنه إرشيف العقل ..ص124..

ويعيش البطل حالة التمني للاشياء .. ويصف إرتياده مقاهي بغداد ،والمكتبات لانه مولع بالقراءة ..حيث يصف مناقشاته مع أصدقائه .روّاد المقاهي الجميلة ..وكان احد اصدقائه ،شاعراً متسكعاً..لا يعمل يجوب الشوارع والحانات ..فساله البطل..يا شاعرنا ما ذا تريد من الحياة .؟ قال: أريد من الحياة أن تهبني أجمل إمرأة مثل ..هيلين التي أججت حرب طرواده ..لكن هذا مستحيلا أن تهبني ذلك ..فهي بخيلة كل البخل ..إذن أنا أسعى مثل غيري وراء

سراب ..وما دام فوق التراب تراب ..إذن عليّ أن أعيش مع الخمرة الى النهاية ،لانها الوسيلة الوحيدة التي تقربني من الحياة ،بصورة حقيقية ..ص 138..

وتمر الايام ويختفي الشاعر..وحينما يسال عنه البطل ..يردهُ نبأ موته في ذلك الشارع ، بعد أن إرتأى أن يهلك معانقاً لهُ حتى الموت ..

إذن المجموعة القصصية ..( دوي على إيقاع متزن ) تكتسي حلّة الواقعية ..

ومدونة باسلوب جميل ،يجعل القارئ معانقاً الكتاب برغبة وشوق لمعرفة النهاية ..كما يتعرض الكاتب الى مسارات وتأملات سايكولوجية ، مملوءة بالغيبيات .وما يتعرض له الانسان من ماسي وآلام في الحياة ..كما أنَ الكاتب ظلَ ممسكاً بالخيط السردي ،بلغة سلسة متخذاً إسلوب التداعي الحر في الكتابة .. وهذا يدل على قدرته في صياغة المفردات ..كما أن هناك مشتركات في الثيمة بالمجموعة ،حيث أن هناك قصتان .(هما ،حدث في عمق المجرة ،ليلة أخيرة من حياة فنان تشكيلي ..) بصيغة التشابه في الفكرة والحبكة ، النسيج القصصي .. وإلتقاء أبطال القصتين بقابض الارواح ..وأخيرأً أتمنى للكاتب مزيداً من الابداع ..

المجموعة / دوي على ايقاع متزن / فائزة بجائزة الطيب صالح ..الناشر/الشركة السودانية للهاتف السيار / زين ..