البعد الإقليمي في الأزمة السورية ــ خضر عباس عطوان
لمناقشة ما يحصل في سوريا، ولدراسة الابعاد الاقليمية لما يجري فيها، يقتضي الحال ابتداءً وصف ما يجري، هل هو أزمة صراع حرب داخلية؟ أم أزمة صراع اقليمي؟ ام ازمة صراع دولي؟
ان القول بأن ما يجري في سوريا هو شأن داخلي فحسب انما هو تجنٍ على الحقيقة، فاذا كان الحدث السوري هو نتيجة غياب اسس المشاركة السياسية، والذي تسبب بازمة داخلية غذتها اطراف اقليمية ودولية عدة للخروج من اسر نظام بوليسي شمولي، فانه سرعان ما وصل الى مستوى الحرب الاهلية، عندما التزم المعارضة مكون محدد من الشعب السوري العرب السنة والاكراد السنة ، وعندما التزم النظام السياسي الحاكم مكونات محددة العلويين والدروز كوسيلة ضامنة لامنه وكأداة لقمع حركات الاحتجاج على غياب المشاركة السياسية في ادارة الدولة.
هذا الحدث سرعان ما اصطف اليه مواقف اقليمية عدة ودولية، ككل، منها مؤيد الى احد طرفي تلك الحرب، وما عزز القناعات ان ما يجري في سوريا انما هو حرب اهلية طائفية ــ اثنية هو ان الاصطفاف الاقليمي في المواقف قد توافق ونوع الانتماء الطائفي. ونوع الاصطفاف اعطى انطباعاً ان هناك صراعا اقليميا ودوليا اراد ان يفرغ شحناته، ووجد في الحالة السورية ارضا خصبة بمباركة من السوريين والعرب، فكل منهم قبل ان يكون اداة في لعبة الصراع الاقليمي والدولي، وقبلوا ان تكون سوريا ساحة له مهما كانت تضحيات السوريين، وقبلوا بالادوار المرسومة لهم تطوعا، وجعلوا كل السوريين يتحملون الاذى المترتب على ممارسة تلك الادوار.
وربما يقاطعنا راي هنا، ان المجتمع الدولي يشكل وحدة واحدة تتعاطى التاثير والتاثر، وان احتمالات الانعزال عن اي تاثير هو شيء غير ممكن، وان ما موجود داخليا صار ومنذ انتهاء الحرب الباردة مكشوفا على الخارج بفضل نهج التدخل الانساني، ووسائل الاتصال الحديثة.
الا اننا نقول، لماذا لم يتدخل العرب في الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي سادت بعض دول العالم الغربي خلال فترات سابقة؟
ان دول المنطقة قد اسست لقبول التدخل الخارجي لانها ضربت مفهوم المواطنة، وجعلته غير موجود في سلم اولويات نظام الحكم، فكان ما اؤسس من انظمة حكم غير شرعية الا عند مجموعات سياسية واجتماعية صغيرة، لا يأس باقي الشعب على عملية انهائها باي شكل كان بقصد انهاء التمايز السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
اذن، لما حدثت اضطرابات سوريا تحت عناوين داخلية، سرعان ما حدثت موجات الاتصال التالية
1 ــ قوى الشعب السوري التي ثارت ضد النظام، تحركت صوب الداخل لتعزيز الاضطراب الداخلي، وتحركت نحو المنطقة العربية وتركيا والدول الغربية طلبا للدعم والاسناد.
2 ــ النظام الحاكم، وقد تحرك داخليا باتجاه قمع الاضطرابات بقسوة، وتجاه ايران ولبنان والعراق وروسيا والصين طلبا للدعم والاسناد.
لكن، الى هذه اللحظة يصعب تبرير اسباب وقوف بعض من البيئتين العالمية و الاقليمية وراء سوريا وتحملها لموجات الصراع مع الغرب والعرب؟
ان روسيا تدرك انها خسرت العراق، وتم استغفالها في الشان الليبي، وبقي لها كل من سوريا وايران كدول تبحث عن خيارات خارج ارادة الغرب، اما الصين فانها تدرك ان سوريا وايران هي مواضيع مساومة عليها استغلالها في العلاقة مع الغرب بقصد تعزيز عناصر قوتها للانفتاح على شرق وجنوب شرق اسيا.
اما ايران، فانها بعد عام 2003 استطاعت مساومة الولايات المتحدة وفقا للاتي
منح الامريكان قدرة على احتلال العراق باقل الكلف، مقابل التغاضي الامريكي عن تمدد النفوذ الايراني في المنطقة العربية الرخوة، في زمن ضاع العرب بين ما يريدون داخليا وبين ما تريده الولايات المتحدة لهم. فشعر العرب باستغفال الولايات المتحدة لهم في حرب العراق، عندما سلم العراق الى خيارات تجعل العرب في موضع العدو لعراق ما بعد العام 2003.
في هذه المرحلة من الغفلة، تمددت ايران في مواضع عدة من المنطقة، وكان تحركها يتم في هدي احتمالين
ــ الاحتمال الاول وهو الخيار الافضل، ومفاده ان الرخصة الامريكية الناجمة عن تسهيل ايران لاحتلال العراق يجعل من التمدد الايراني مقدمة لبناء دولة ايران الاقليمية الكبرى.
ــ الاحتمال الثاني، وهو الخيار الاسوأ، ومفاده اذا ما ارادت الولايات المتحدة لاحقا مواجهة ايران، فان ايران قد حركت خط الدفاع الى آلاف الاميال بعيدا عنها، الى مجموعات ارتضت بارادتها ان تدافع عن مصالح ايران على ارض العرب وبواسطة الدم العربي، بمعنى ان ساحات اي مواجهة ستكون بعيدة عن الارض والدم والاموال الايرانية، وستعتمد على موجات التطوع الارادي داخل الارض العربية، التي اصبحت تخيط انسجتها بدءا من سوريا، ثم تمددت الى لبنان والبحرين واليمن، الخ.
اما العراق، فقد اصبح خارج دائرة اي حساب تقليدي بفك عرى العلاقة مع ايران لاسباب عراقية داخلية، ولاسباب متعلقة بارادة الولايات المتحدة ومشروعها في استنهاض مشاريع تفكيك بنى الشرق الاوسط، وبناء خريطة اقليمية جديدة.
اذن، سوريا بالنسبة لايران هي القلب لادامة نفوذها في المنطقة العربية، اما العراق فهو اشبه بالقدم الثالثة التي نمت لايران واصبح جزءا من جسمها. ومن ثم لا يصعب تفسير الموقف الرسمي العراقي من ازمات وقضايا المنطقة، فهو لا يكاد يجرؤا على الابتعاد عما تريده ايران. اما تركيا، فانها ومنذ عام 2002 اتجهت للحنين على امجاد الدولة العثمانية، وخلطت بين دولة دينية كانت سوريا جزءا منها، وبين دولة علمانية، العلمانية هي دينها، واصبح هذا الخلط مدعاة لاعادة التوجه التركي، فصارت تصيغ نموذج اسلامي محتواه دين علماني، وكانما المخاطب به ان يقبل العرب بتركيا قائدا بدلا من الدعوات الباطنية التي تريد ان تجعل من ايران قائدا، وهذا القائد التركي يحدد محتوى الدين الواجب الاتباع والذي يرضى عنه الغرب صلاة وصيام وحج حسب الحاجة، وشرب سلوكيات ومظاهر مما يرضى عنه الغرب، فاندفعت تركيا باتجاه كل العرب، وازاء النموذجين الطائفي المتشدد الايراني، والمنحل التركي، ضاع العرب، وصارت تركيا نموذج لدى البعض، كما ان ايران نموذج لدى البعض، طالما انه لم تتدخل الدولة في حريات الاشخاص، ونسي العرب والاتراك قوله تعالى لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم.
ومع اتجاه الولايات المتحدة الى احداث تغيير في خريطة الشرق الاوسط عام 2004 و2005 الشرق الاوسط الكبير والفوضى الخلاقة ، قبلت الولايات المتحدة باسناد ادوار لتركيا فيما يتم صياغته، طالما ان اتمام الخريطة الجديدة بحاجة الى توافقات واسناد والا دخلت المنطقة في فوضى تامة، وستتمدد ايران على حساب العرب المتعلقين بصدق الصديق الامريكي وحمايته، في ظرف لم تلتفت الولايات المتحدة الا الى ضمان تحقق مشروعها في تفكيك المنطقة دولا وشعوبا، وكان العراق بالونة اختبار لما تحتاج اليه من اجل اتمام عملية التفكيك، وكلفة التفكيك، فاعيد صياغة الادوات ليتم اطلاقها عامي 2010 ــ 2011 في مصر وتونس، فنجحت في جعل الادوات محلية وليس خارجية، الا انها فشلت في ليبيا كون النظام السياسي الحاكم قد اسس لدولة نظام الشخص الحاكم، حتى اصبح انهاءه يتطلب انهاء الدولة والمجتمع في آن، وهو ما احتاج الى عملية جراحية قام بها حلف الاطلسي.
وبقي للولايات المتحدة سوريا ودول الخليج ودول المغرب واليمن والسودان والاردن، وحسب المخطط الامريكي الذي كشف عنه عام 2006، فان كل هذه الدول مستهدفة بتغيير خريطة الشرق الاوسط، لاستهداف ظهور خريطة جديدة، ووضع في دول الخليج والمغرب واليمن والسودان من القضايا ما يجعل احتمالات تفككها اللاحق ممكنا. اما سوريا، فان المساعدة على اثارة الداخل باستغلال فسحة ضعف النظام السياسي لم تنجح، ولم يبق الا اعتماد النموذج الليبي، كون النظام كالمرض الخبيث الذي نخر الجسم السوري، ويعيش في بيئة اقليمية تجعل من ذلك الجسم وسيلة لنشر المرض، واستخدمت تركيا بوصفها دولة جوار راغبة وقادرة على ممارسة التاثير في الشان السوري لتكون اقرب الى العلاج الكيمياوي الذي يخفف من الالام نزع المرض من اجزاء الجسم، في لحظات حث الجسم على التحرر من المرض، فكانت تركيا تدعم معارضة الداخل السوري، وتستضيف معارضة الخارج، وتضغط على النظام السياسي السوري من اجل اعتماد اصلاحات ستزيد لاحقا من المشاركة السياسية، وهي وجه اخر ليقل قدرة نظام بشار الاسد على السيطرة على مؤسسات الدولة من خلال تمكين الاخرين من القوة والسلطة والمال.
اما اسرائيل، فانها النموذج الاكثر نشازا في الشرق الاوسط، الا ان الولايات المتحدة ابقتها خارج سياق الاحداث، في اعادة انتاج الشرق الاوسط الجديد، وطلبت منها التريث في الحكم على من سيبسط سيطرته على المجتمع والسلطة في الدول العربية، فالمجتمعات العربية لا تحتوي الا التيار الديني بوصفه قادر على تنظيم نفسه ليفوز بالحكم في اي تنافس حر في هذه المجتمعات، وهذا التيار لا يستطيع ان يصطدم بمجتمع غلبت عليه مظاهر الانحلال والعلمانية، فيكون على هذا التيار اعتماد احد خيارين
ــ الاصطدام بالمجتمع من اجل فرض تدين على السياسة والدولة والمجتمع.
ــ او الانفتاح على الغرب و الولايات المتحدة من اجل ممارسة الحكم، وعليه ان ينتظر اجيالا عدة حتى يستطيع اعتماد لغة الحلال والحرام، وانتاج مجتمع اسلامي، فاختار الخيار الثاني، وفي هذا الخيار لم تكن اسرائيل جهة مستهدفة في طروحات التيارات الاسلامية التي تولت الحكم في الدول العربية، فلماذا تستثار اسرائيل؟
بقي احتمال ان تلجأ سوريا نظام الحكم الى خيار التصعيد مع اسرائيل لشد اللحمة السورية الداخلية، ولتشتيت الانتباه عن الابادة الجماعية المنظمة بحق كل من يخالف وجود النظام او رأيه، وهنا بادرت اسرائيل بانها سترد بقسوة على اي انتهاك للمجال الذي يقع تحت سيطرة اسرائيل، وهو رد يعرف السوريون انه لن يتدخل اجد لكبحه، وسينتهي الى تسريع انهاء النظام السوري اكثر منه ادامة وجوده. والاكثر مما تقدم، ان اسرائيل ستجد نفسها قادرة على العيش في بيئة اقليمية يوجد فيها اكثر من دولة غير الدول القائمة، بمعنى ان تفكيك سوريا المطروح الى دول حلب، والدولة العلوية، ودولة دمشق، والدولة الدرزية، انما هو خيار مستحب لاسرائيل، وهذا الخيار سيتحقق لاحقا بحكم ان بنية المجتمع السوري قد فككتها الحرب الاهلية الراهنة، التي يقف فيها العلويين والدروز كاطراف حاكمة الى الضد من باقي الشعب السوري، واستندوا الى الدعم الخارجي في ادامة حملات ابادة منظمة القصد منها التمهيد لخرائط جديدة في سوريا، وبل وتشير مصادر عدة ان النظام الحاكم انشا مليشيات وسلحها باسلحة سحبت من الجيش السوري، وعناصر تلك المليشيات هم من العلويين والدروز فقط.
ويبقى الطرف الاضعف في كل ما تقدم هم العرب، فايران انخرطت فعليا هي واتباعها بالمال والرجال والسلاح لتكون من يقود سوريا فعليا، بل وهددت اكثر من مرة ان التدخل الاجنبي لاسقاط نظام الحكم في سوريا سيقابله تدخل ايران واسع النطاق، اما العراق فهو في اقل تقدير تغاضى عن استخدام موارده في ادامة نظام بشار الاسد، وتركيا من جانبها تشارك بمشروع الشرق الاوسط الجديد، وفي حملات اسقاط النظام السوري.
والخلاصة، ان ما يجري في سوريا انما هو في الواقع لعبة صراع اقليمي ــ دولي، لم يكن العرب فيها اكثر من ساحة وادوات له، قبلوا بدورهم تطوعا وتحملوا كل الاذى المترتب عليه، من اجل مشاريع لن يكون للعرب فيها عزة او كرامة، كونها في الاصل مشاريع خارجية.
AZP07
























