الباحث العراقي د. رشيد الخيون لـ(الزمان):لا أتقيّد بمنهج فكري محدد إنما المعلومة هدفي وأداتي
{ اّفة الحكام السلطة ولو نصح
المستشارون صداماً وسمعهم لما دخل
الكويت
{ مايجري في العراق إسلام سياسي
عاجز عن إعلان دولة دينية
أحمد عبد المجيد
الشارقة
منذ نحو عقد من الزمان وأنا اتابع الجهد الفكري للباحث رشيد الخيون، تابعته قارئا ومشاهدا في لقاءات أجرتها بعض الفضائيات معه وشعرت بالاعتزاز والزهو لوجود عراقي من طرازه تاركا الفرقاء يغرقون بخلافاتهم السياسية، بينما يجتهد هو ويثابر لتحويل خلافات الطوائف والملل والنحل إلى منطلق للحكمة والموعظة الحسنة والتسامح وإشاعة السلم الأهلي. وقدر لي أن التقي بالخيُّون في ثلاث عواصم: في بيروت رأيته خلال لقاء عابر، وقد عرفني على شخصه الصحفي الراحل رياض قاسم. في وقت كان الباحث والمفكر عبد الحسين شعبان محوطاً بجمهور واسع حضر حفلاً لتوقيع أحد كتبه الجديدة. أما في دبي بدولة الإمارات فقد وجدته تاركا بصمة على أروقة فندق الحياة ريجنسي حيث كانت تتواصل ورش وحلقات نقاش على هامش فعاليات منتدى الإعلام العربي الذي ينظمه سنويا نادي دبي للصحافة.
وقبل أيام صادف أني التقيته في الشارقة، ضمن ضيوف معرض الكتاب الدولي متوجا بالإرث الذي يحمله على منكبيه، هماً ومسؤولية ورغبة في إضاءة درب العراق المدلهم، وكنت في غاية سعادتي وأنا أجالسه مشاركاً اياه الكثير من أوجاع القطيعة بين الماضي والحاضر وانشغالاته التي أثمرت ثلاثة كتب كبرى تتناول التاريخ الإسلامي في معظم محطاته، ولاسيما تلك التي بذرت هذا الانغماس الأعمى بالفرعيات الطائفية على حساب شعلة المشتركات الإنسانية الرحبة. لقد أمضيت معه أربعة أيام مفعمة بالانسجام وروحية تلاقي الأفكار؛ التي قادتنا إلى حوار قد تبدو بعض أسئلته لا غنى عن طرحها ولا مناص من تكرار استخلاص عبرها واعتبارها، في خضم أوضاع محلية وعربية ودولية غاية في التعقيد والتصعيد، وغالبا ما يكون الاسلام عنوانها وبارودها وصاعقها المخيف.
هنا واجهت رشيد الخيُّون، أو طلبت إليه، أن يقدم إليّ بعض الخلاصات والرؤى التاريخية مما بحث فيه وتابعه ووجد الاختلاط فيه:
{ لماذا رشيد الخيون يتجه إلى التراث الإسلامي؟ وكيف؟
– هذا السؤال طرح علي كثيراً وأجابتي لا تكون مختلفة تقريبا وهو الهواية و الميل، أحيانا عندما تكون فناناً أو شاعراً من الصعوبة أن تجد جواباً مناسباً، لأنه الشَّاعر يوجد في داخله ونما مع تكوينه، النفسي والبيئي، والبيئة تؤثر وتساهم في تحدد أتجاهك، الكتب الأولى التي قرأتها حددت الاتجاه، وأعتقد أن أول كتاب فتحته وقراته كان في مرحلة الدراسة المتوسطة، ولم أكن في مرحلة الابتدائية قارئاً لقصة او كتاب ما، وقرأت حينها الروايات التاريخية المفروشة على رصيف شارع الرشيد، يجلبها من يسافر إلى بغداد ويجد البسطيات ملأى بها مع رخص الأثمان، منها مثلاً: “خالد بن الوليد”، “العباسة أخت الرشيد”، وغيرها من الروايات لجرجي زيدان التي كنا نقراها لبساطتها وأسبوب كتابتها مع أنها غير صالح لبحث أو استشهاد بها.
بعدها بأشرت بشكل أكثر وأفضل بكتاب “البيان والتبيين” للجاحظ، حيث كان والدي يقرأ به ويتركه على الرازونة وعندما يخرج أتخذ موضعه نفسه بالقراءة حيث كان يتمدد على فراشه في الظهيرة، إضافة إلى أنني كنت في المدرسة منشداً إلى درس التأريخ، وكان معلمنا يونس الحاج مجيد يكلفني بشرح الدرس أمام الطلبة، يُقابل ذلك فشل في درس الرياضيات مثلاً. وعندما تصادفني قضية أريد قراءتها في التأريخ أو مشاهدة أثر من الآثار يتبادر الى ذهني التفكير في الناس الذين عاشوا حول هذا المكان والبيئة والزمن والسياسة التي كان فيها، وأجدها لحظات انفصال عن الواقع.
{ متى شعرت أنك قد أصبحت، فعلا، باحثا في التراث الإسلامي؟
– حتى الآن لم أشعر أنني باحث في التراث، والسبب أن الناس والقراء يعطونك هذا اللقب أو هذه الصفة، وأنك لا تستطيع تحديد ذلك بنفسك، وأن التراث مثل أي علم اآخر، بحر واسع كلما تدخل فيه يتسع أفقه أمامك إلى ما لا نهاية، وبهذا لا تقوى نفسك على القول بأنك اكتملت وأصبحت باحثاً أو مؤرخاً، لكن بحدود العنمل وقيوده لا بد أن يشار إليك بالباحث في مجالك، ولا استهين بنفسي، ولا أقول ذلك من باب إدعاء التواضع إذا قلت ذلك، لكنه القلق مِن الألقاب التي تطلق حالياً جزافاً.
* الباحثون لديهم أدوات عندما يريدون كتابة نص أو يوثقون واقعة خصوصا في التأريخ، كيف تحاكم الأدوات التي تعتمدها؟
– أداتي الأساسية هي المعلومة أي رواية الحدث أو خبره، فإذا قرأت اجتهاداً لشخص معين يقول فيه: إن هذا رأيه او كذا، اذا لم يكن قريباً الى الحدث أو مواكباً له، وعلى منزلة من الاجتهاد، لا أستطيع اتخاذه كمعلومة أو رأي وأبني عليه، لذا أداتي الأولى هي المعلومة ومنها أتفرع.
{ كم وجدت في هذا الكم الهائل من الموروث العربي الاسلامي مزورا؟
– كثير وكثير جداً، ولكن التزوير له درجات، حيث تجد حادثة كاملة مزورة وأخرى جزء منا مزور، وتجد حادثة أدخل عليها بعض التزوير، وبأعتقادي لا توجد حادثة صافية نقية مئة بالمئة وذلك لأن الحادثة قول ينتقل عبر الروايات، فلان قالها عن فلان وفلان نقلها عن فلان، وكل جيل يضيف شيئاً، لكن ثبت لدينا الآن عندما تأخذ كتاب تأريخ الطبري مثلاً “تأريخ الرسل والملوك” أو ” تاريخ الأمم والملوك”- مثلما يرد في طبعات أُخرـ وتأخذ كتاب “الكامل في التأريخ” لابن الاثير والفرق بينهم 300 سنة تقريبا، تشعر بالفرق، مع أن الأخير أقتبس روايات الطبري كافة بعدما ثقفها من الأسانيد لكي يخفف على القارئ وربما على نفسه لتسهيل النسخ، ثم يبدأ بتأريخه الخاص م بعد الطبري، فنرى أنه في بعض الأحيان يسمع رواية الطبري ويضيف عليها ما سمعه بنفسه من الرواة، لهذا أصبح فيها شيء مختلف، بمعنى لا تجد حادثة نقية مئة بالمئة، ولكن تجد درجات من المصداقية، حيث أي أن التزوير يكون أقل في قضية أو أكثر في قضية أُخرى.
{ كم ساهم هذا التزوير في الوضع الحالي، التشظي والمشاكل؟
– توجد واقعة، أو وقائع، ساهمت في الوضع الحالي، ويوجد تزوير ساهم بذلك أيضا، وقد يكون له اتجاهات عدة، سياسية او دينية او مذهبية، ولكل شخص إتجاهه والمساهمة كبيرة جداً، لأننا أمة مبنية نفسيتها على التاريخ، وأن الرواية التاريخية توجه العوام يمنياً وشمالاً، مثلما يحصل اليوم بغض النظر عن صدقها أو كذبها،
لدينا المدارس الدينية الفقهية مكونة من مدارس الحديث والنص والرأي، كلها تعمل على الماضي، ودراسة النص غلبت على هذه المدارس، لأن النص، خلاف الرأي، سهل الفهم ويجذب الناس، لذلك ساهمت هذه المدارس مساهمة كبيرة في تكريس حالات التزوير التاريخية، والتي تستخدم عادة في النزاعات الدينية والمذهبية. فالحادثة التي وقعت منذ الف سنة لا تصلح أن تٌعل اليوم لتوجيه الناس وقيادتهم وفقها، فعندما تقحم في المنهج المدرسي تتحول إلى شرار فتنة وشد المتلقي إلى الماضي بقوة، فالزمن في إتجاه وما يصب في أدمغة التلاميذ في إتجاه آخر، إن للتزوير التاريخ أثر كبير في خلافاتنا المذهبية والطائفية، وتسببت بحروب وسفك دماء كثيرة وقتل أُناس بسببها، وهي قضية قد لا يكون لها أصل ولكنها مكتوبة وموجودة في التأريخ، والمشكلة عندما تكتب في التأريخ تصبح كحقيقة.
{ هناك من يقول إن التأريخ يكتبه الاقوياء. ما حدود إيمانك بهذه المقولة؟
– قالوا إن التأريخ يكتبه المنتصرون والقوي هو المنتصر عادة، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن الكثير من التاريخ أيضا جاءنا ضد المنتصر، فكيف يفسر ذلك؟ كموبقات الخلفاء والسلاطين، وهم الأقوياء، من أين أتتنا كيف كتب خصومهم المهزومين هذا التاريخ. إذن التاريخ لم يكتبه المنتصرون فقط، في الوقت السابق لم تكن هناك حساسية مثل الآن، كل ما تسمعه ترويه ومثلا يقولون عن فلان قاد ثورة مثل ثورة الزنج أو القرامطة وغيرها، والمؤرخون آنذاك كانوا ضدها بشكل من الأشكال، وجعلوا الدين هو الفاصل على أن الثائر كان مارقاً على شرع الله، ولكنهم عندما يذكرون اسم هذا الثائر يلحقون باسمه القول: إنه كان كريما وكذا وكذا، لكنه كان فاسقا! مثلما كان الحال مع حسن الصَّبَّاح، المتوفى 518هـ، وأسس وقاد النزاريين الإسماعيليين، والذين عرفوا خطأً بالحشاشين.
{ هل تعد ذلك معالجة موضوعية؟
– فيها جزء من الموضوعية لأنه اعطاك امكانية أن تعرف أن هذا الرجل ليست حقيقته كلها فاسقة، اذا نحن من أين اتينا الان بأن يكون عمر بن عبد العزيز أفضل من هشام بن عبد الملك أو من سليمان بن عبد الملك، من التاريخ نفسه، وعمر بن عبد العزيز لم تكن السلطة الأموية تحبه(أقصد أولا عبد الملك)، وكُتب التاريخ حسب ما وصلنا، حتى صار ابن عبد العزيز أيقونة بالنسبة للعهد الأموي، بل حتى العهد العباسي، وأصبح خامس الخلفاء وفق حديث ورد في كتب الصحاح، وعلى ما يبدو قاله: سفيان الثوري المتوفى السنة 161 هجرية، حيث قال الخلفاء خمسة، خامسهم عمر بن عبد العزيز، على اساس أن الخلفاء الراشدين الأربعة كانوا على نقاء خالص ملحقون بنقاوة العهد النبوي، ولم تكن خالية من الأخطاء لكنها الوحيدة التي لم يستطع المؤرخون أن يضيفوا لها أخطاء معينة وفعلاً أن أخطاءها كانت قليلة بالنسبة للقسوة على الناس والاستحواذ قياساً بما جاء بعدها، وكانت قد استمرت بسيطة في في دائرها ومسؤلياتها، دون أن يُنكر أنها شهدت قتل ثلاثة خلفاء.
{ هناك من يرى أنك ترصد التأريخ من منظور ماركسي، هل هذه خصلة ايجابية ام سلبية؟
– يعد خاطئا من يعتبرني كذلك، لأنني لا اعتمد إتجاها فكرياً في الكتابة، بل اعتمد المعلومة ومع تأثري بــحسين مروة في كتابه عن النزعات المادية في الاسلام ودراسات هادي العلوي الذي أثر علينا بدراساته،كن لم أنحى منحهما في التفسير أو الكتابة. فأنا لا أستطيع القول: إن الثورات دائما صحيحة، وأن الماركسية لا تسمح لي القول غير ذلك، بل التاريخ فيها ثورة دائمة، لكن ليس معنى هذا الاتجاه الماركس لم يقدم قراءات فذة للتاريخ. لذلك عندما اقرأ ثورة الزنج(255- 270 هـ) ليس مثلما يقرأها فيصل السامر أو قراءة حسين مروة، بل أقرأها تحول مستبد إلى مستبد آخر.
{ لماذا؟
– لأن تلك الزمن لم يكن يسمح بخروج حاكم غير مستبد، سوى أتى عن طريق الوراثة أو عن الثورة، أي حاكم عادل أو لنقل حاكم اشتراكي. فالزمن كان بحدود زراعة ارض وحكم مالك الأرض ومالك العبيد (الرق)، لذا عندما تقوم بالثورة وتصبح حاكماً صحيحاٍ انك قضيت على الحاكم باعتباره ظالماً، ولكنك بدأت بتاسيس ظلم جديد، لذا نظرتي لها كــرواية أن الحَجَّاج بن يوسف الثَّقفي كم كان قاسيا، لكن إذا كانت عنده ايجابية ما يجب ان يؤرخ لها، لا يؤخذ بمرحلته التاريخ وبطبيعة الحكم، لان القصة ليست تصنيف التأريخ على أساس طبقات وعلى أساس صراع طبقي، بهذا لا أسير بهذا الاتجاه وليست لدي هذا الاعتبار، ولا اؤمن بأتجاه فكري في البحث لأن الباحث يجب ان تقيده المعلومة والرواية ودقتها ويني الحدث عليها.
{ لماذا اهتمامك بالملل والطوائف في هذا الوقت بالذات، عندما اشتدت النزعات الطائفية في العراق وفي المنطقة؟
– جوابا للعصر الرديء في هذا المجال، وتقديم نوع من التوثيق للموجود خوفا من انتهائه وثم ان هناك أناساً يدافعون عن التسامح أو يريدون تثبيت ونشر التسامح عبر العلم، وأريد الإسهام بهذا التسامح والتعايش الديني عن طريق التاريخ، فلأننا أمة ماضوية أسعى عبر التاريخ تثبيت فكرة التعايش في أذهان الناس، حسب ما نعثر عليها من ذلك السلوك، ذلك لا اخلقه إنما ابراز ما لدينا من تاريخ التعايش والتسامح، الذي اطلقت عليه “التراث المحجوب” الذي يرفض الناس التكلم فيه كثيرا، وتاريخنا ليس كله تكاره. أحاول أن أهيئ الناس لقبول التسامح عبر أننا هكذا كنا، ويأتي شخص ويسالني هل أن تاريخنا كله تسامح؟ أقول إنه لو لم يكن في تأريخنا تسامح لما بقى المجتمع حتى الان مختلطاً، لان العنف يقصي عادة ويُفرق، ونحن الآن أمام مجتمعات موجودة ما زالت مختلطة.
{ اذن أين تجد سبب التكاره عندما تذهب الى التاريخ؟
– تجده دائما عندما تبحث عن عنف او قضية بين طوائف خلفها وزيراً أو خليفة او صاحب عقيدة.
{ ما ردك على من يعتقد ان أخذ العبرة من التاريخ أمر غير منطقي ويصفه بالوقائع الزائدة؟
– هذا غير صحيح، لأن كل أفكارنا وثقافتنا مبنية على التاريخ والماضي وليس لدينا شيء جديد يُعتد به. إن الجديد الآن جاءنا من الخارج ونحن الان ندور حول تأريخنا، وطبيعي لم تجد أمة دون تأريخ وأوروبا وصلت إلى الديمقراطية عبر التأريخ، كانت هناك ديمقراطية عند اليونان والرومان، وأن تأريخهم المرتبط بالعنف والدم والقتال بين الامم قد أوصلهم بعد رمي توحشه في المتاحف، إلى منهج انساني جديد في الحياة غير مقطوع عن الماضي، وهم يتغنون بنهضة القرون الوسطى التي مضى عليها ألف عام.
{ لماذا؟
لأنه تأريخ ولا اعتقد انها فكرة صحيحة بان هذا أمر ولى وذهب. فالقصة هي ليست ماء شربته أونسمة هواء مرت وانتهى الموضوع، لا، إنه تاسيس سياسي اجتماعي ونفسي، استطيع أن اعبر عن وجود التاريخ في الناس بالجينات، فهذه الفوارق بين سكان المعمورة جاءت على أساس الفعل التاريخي، وكم لدينا من سومر وأكد في حياتنا الدينية والاجتماعية لا نستطيع الانفكاك عنه، لذلك هل نرى ان الايطاليين مطابقين للفرنسيين أو الانكليز مطابقين للدنماركيين مثلاً، لا لأن لكل منهم تأريخه الذي بنى مجتمعه عليه.
{ هل هناك مشتركات حقيقة بين ما يسمى بالأمة الإسلامية تؤدي إلى وحدتها ؟
– عندما كانت الخلافة موجودة تسمى عالمها بالإسلامي، ولكنها كانت متنوعة، حيث كانت لكل بلد إمارته، وكانت يمكن اعتبارها فدراليات أو كونفدراليات، الخليفة يأخذ الخراج والأمير يحكم بطريقته، المهم حق الخليفة مضمون والاقتصاد أولاً، فكان هذا الاطار تحت سيطرة سياسية واحدة تجمعها السياسة. أما عن قضية المشتركات الأُخر، فان المشترك الأول كان على أساس الديانة، لكن كم من غير المسلمين عاش وفعل داخل العالم الاسلامي، فذاك عصر الامبراطوريات وقد انتهى، وبدأ عصر الدولة الوطنية، وتوجد بعض الجماعات الدينية ما زالت تبحث عن عصر الامبراطورية بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية العام 1924 حين انتهت وتشكلت الدولة التركية، واستمروا بالبحث عن دولة الامبراطورية التي انتهى زمنها، وشكلوا جماعات ساسية دينية الطلب. لكن الشعوب قد اختلفت عبر الزمن، نريد ذلك أو لا نريد، والآن ما يربط بين الشعوب الجديدة كدولة هو حقوق القوميات و الاديان والمذاهب، والحقوق هي الرابط عندما يكون البلد واحد ومتنوع أيضا.
{ هناك من يقول إن الإسلام دخل الأمم الأخرى ليس بالفكر وإنما بالسيف، ما مدى صحة ذلك؟
– العلماء المسلمون لم ينكروا ذلك، قصص الفتوحات وغيرها حدثت بالسيف، لكن ليس فقط بالسيف فابن تيمية مثلاً يعترف أن الإسلام انتشر بالمصحف والسيف، كانت هذه الحالة طبيعة المرحلة، وسابقا عندما يراد نريد نشر ديانة معينة من قبل سلطة أو السيطرة على مكان ما لغرض التوسع يكون بالسيف، وهذا لا ينكر، لأن التاريخ بنفسة يتكلم عن هذا الموضوع، أما بالمصف والدعوة فكان إسلام أهل اليمن، واندينوسيا ومثيلاتها دخلت الإسلام من خلال التجارة، والسيف استخدم في وقت الفتوحات والغزوات والتي توقفت في زمن عمر بن عبد العزيز.
نعم حدثت معارك بعد عمر بن عبد العزيز لكنها لا تأخذ شكل الفتوح. توقفت الفتوح، لأن الدولة بعد التوسع لم تعد لديها إمكانية السيطرة على الاطراف وسيكون التوسع ضرراً عليها باعتبار أن العديد من الامبراطوريات توسعت ثم انفجرت، لذلك توقفت إضافة إلى الصراعات الداخلية في الدولة الإسلامية من خلال الثورات كالخوارج والعلويين وغيرها من الثورات في العصر الأموي، لذا جعل التفاتها إلى الشأن الداخلي، وأن عمر بن عبد العزيز أراد ان يحل المشاكل الداخلية فأجرى حواراً مع الخوارج بعد حوار علي بن ابي طالب الذي لم يستوعبوه وعندما بدأ ابن عبد العزيز بالحوار يقال انه قتل بسبب انه لم يناسب وضعية الدولة الاموية بشكل عام.لهذا لدينا دول عدة توسع بها الإسلام بعيداً عن السيف، كما قلت في مثال اليمن حتى جاء الحديث المشهور “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، وكثيرمن امتدادات الإسلام حصلت عبر التجار الحضارمة لإلى اندونيسيا عن طريق التبشير. عندما تقول السيف أيضا ستحصل على إجابة بأنه تركنا المسيح واليهود على ديانتهم وأخذنا الجزية منهم، وأن الكثير دخلوا الإسلام بضغط الجزية، ولكن هذة القصة لا نستطيع أن نحاكم فيها الإسلام في هذا الزمن، فالجزية أصبحت غير مناسبة للحضارة، لأنه في السابق كانت نظاماً عالمياً، فالرومان والساسانيون كانوا ياخذون الجزية ومعلوم أن الإسلام ديانة تبشيرية، مثلا يعني ان المجوس (الساسانيين) عندما يحتلون بلداً لا يغيرون ديانته لأن المجوسية ليست ديانة تبشيرية، ولكن المسيحية تبشيرية فالرومان عندما يحتلون مكاناً ما فأنهم يبنون كنائس وغيرها، اليهود والصابئة غير تبشيرية، الديانات التبشيرية عندما تتولى السلطة يكون الدخول فيها تحت السيف والاقناع وقد يوكن الاقناع تحت ظلال السيوف أيضاً، لأنها تتعانمل بمنطق سلطة الملك أو الامبراطور أو الخليفة لا بمنطق الراهب أو الشيخ. بينما دعوة الاسلام بدأت بمكة بالاقناع من خلال الكسب الشخصي، ولذلك قال اخوان الصفا (في القرن الرابع الهجري ورسائلهم انتشرت في بغداد نحو سنة 371 هجرية) يقولون: “الاسلام بمكة دين وبالمدينة ملك” أي دولة .
{ هل حصل أنك كنت تقرا وقائع وتتساءل لماذا يفعلون ذلك وكان عليهم ان يفعلوا كذا؟
– كثيرا جداً، لكن دون لوم وأنما من جانب الألم من الحاضر الموجود، ففي تلك اللحظة لا استطيع محاكمتهم وفق الزمن الذي أعيش فيه.
{ لماذا تقول مثل هذا الكلام؟
قلته بعد أن قرأت الذي بعده، يعني أنني أقول مثلاً الذي جاء بعد 14 تموز والذي بعد 1963 ووغيره، لكن هل لو كنا في ذلك الوقت مدركين وداخلين في الحراك الثوري ونتصور نوري السعيد بهذا الاستبداد الذي قرأناه عنه؟ هل نستطيع أن نقول هذا الكلام؟ طبعا لا. القصة أننا لا نستطيع اعطاء رأينا في فكرة أو قضية حدثت، لتصحيح مسارها متأخرين، الا بعد المرور عليها من خلال التجربة بالقراءة وغيرها.
مثلا كتبت في كتاب “مئة عام من الاسلام السياسي بالعراق”، عن عدم وجود ضرورة لتأيس تنظيمات حزبية بكربلاء والنجف، إلا بعد ما كشفت من الصراعات المرير بين الأحزاب والجماعات خلال 1959 بين الشيوعيين والمتدينين والقوميين، فقلت كان من الأفضل على الحزب الشيوعي ولا غيره من الأحزاب، لأن هذه المنظمات لو لم تتشكل لما حدث هذا الصراع، عندما أقولها الآن لا يعني انني وعيت واصبحت أكثر وعيا منهم، لا لانني بعد ان قرأت الحالة استطعت أن أحكم بهذا الموضوع،. أحيانا أحداث كثيرة تلعب فيها الصدفة دوراً مؤثراً، والصدفة في وقتها لا أحد يستطيع التحكم بها، مثلا يعني لو أن الخميني لم تسمح له فرنسا بالطيران لإيران أو لم تخرجه السلطات العراقية (1978) لكان للثورةإيرانية الآن وجها آخر. كذلك لو أن عبد الخالق السامرائي لم يعدم أو يسجن، ولم يُخرج من حزب البعث، وعلى ما نقل عنه من سلوك قويم، لكان توجه الدولة العراقية آخر. لو ان صدام حسين لم يصل السنة 1979 الى السلطة لكان اتجاه الدولة بشكل آخر أيضاً، الكثير من المصادفات والأحداث متوقفة على شعرة وأن يتغير زمن بالكامل، يعني لو أن عبد السلام عارف باق في منصبه لما بقى البعثيون في العراق، هذه الأمور وغيرها نقولها من باب التداعي الذي وصلنا إليه، ولكن في لحظتها لا احد يستطيع التحكم بالحدث الذي وقع، ومع ذلك أن الاحداث يخلقها الناس فيلام من عملها لأن بعضها قاد العراق إلى الحطام، فمن المسؤول عنه والمشكلة أيضاً ان من يكتبون مذكراتهم، ممن كان لهم جور في صناعة الأحداث، كل منهم يكتب مذكراته كأنه ملاك، لا يشير إلى حصته من خلق هذا الحطام.
{ في تقديرك لو أعيد التأريخ إلى الوراء هل سيكرر الحكام اخطاءهم؟ وهل المؤرخون سيستأنفون ما كتبوه.
– على الرغم من أن عودة التأريخ أمر مستحيل، إلا أنه أمر طبيعي أن تُكرر الأخطاء، وكثير من الحكام ارتكبوا الأخطاء نفسها التي ارتكبوها سابقوهم دون اتخاذ اي حذر أو عناية لاجتنابها.
{ هل هذا غباء منهم؟
– ليس غباءً، إنما الظرف يتحكم بهم بهذه الطريقة أو تلك، وأن فاقد الشيء لا يعطيه، بمعنى ليس لديهم شيء آخر جديد. يقول الجواهري في قصيدة أفتيان الخليج: تقول أما لك مِن جديدٍ/ أقول لها القديم ه الجديد!
{ الحكام بهذه الحالة يكونون لا ادريين؟
– لو نقارن الحاكم قبل وبعد حكمه نجد أن السلطة تغيره، مثلا أن الأشياء التي ارتكبت بعد 2003 كان العديد منها يفعلها النظام السابق، مثل قضايا الانتقام والتجييش وعسكرة المجتمع والاغاني الوطنية، جميعها تعاد بطريقة ثانية دون الاستفادة وكأن الهدف كان إسقاط صدام حسين والباقي يبقى كما هو، كقوانين وتعسف الحملة الإيمانية مثلاً، فمضار الحملة حتى الآن مستمرة، ولا يوجد اي من قوانينها قد رفع، والقضية إنه عندما يأتي إلى الحكم لا يفكر بشكل آخر، كي يقوم بالإصلاح، وليس تفكيره فقط بل تفكير ممن حوله من المستشارين، وأنا متأكد من أن صدام ما فعل كل ما حصل لوحده، إنما شاركه المستشارون، ولو كان هناك مستشارون جيدون لانسحب من الكويت مثلاً، ولكنه إذا رأى المشجعين أكثر من الناصحين، وهذا لا يعني تبرئته من الذنب.
{ الان ما يجري في العراق يوضع تحت أي مسمى؟ إسلام سياسي أم خوارج؟
– قطعا أن ما موجود في السلطة إسلام سياسي، ولكنه إسلام سياسي مشوه مغلوب على أمره، ولا يستطيع إعلان دولة دينية بسبب يافطة الديمقراطية.
{ هل تعتقد ان الإسلاميين يؤمنون بالديمقراطية؟
– وصل الاسلاميون للايمان بالديمقراطية بضغط المصلحة، وعندما شاهدوا الديمقراطية من مصلحتهم آمنوا بها، والديمقراطية بالنسبة إليهم لا تعني التي نعرفها، الحرية الاجتماعية وتبادل السلطة، لا،الديمقراطية هي مدى تاثيرهم هم وقوتهم، وهنا تفرض الديمقراطية نفسها ويعني متى ما تمكنوا بشكل كامل فأن الديمقراطية تكون عندهم لا شيء، والديمقراطية تبقى عند المسلمين فكرة غربية غير دينية أو إسلامية وهي خارج الدين.
{ من بين جميع مؤلفاتك العديدة ايهما تفضل؟
– كل الكتب التي ألفتها بحثية، وهناك كتب الفتها على شكل رحلات ليس لها علاقة بالبحوث وتعد من صنف الخواطر. لكن بالنسبة للكتاب الذي اعتز به هو “مذهب المعتزلة من الكلام الى الفلسفة”، لأنه وضعني على جادة النشر، وكان أول كتاب نشر لي عملت فيه العام 1988 وترددت في نشره حتى 1994 وكنت انشر بحوثي في الصحف وبدأت بالكتابة باسم مستعار بسبب خوفي من النشر، خوفاً من الخطا وليس من الانتقاد، والخوف من الجرأة على كتابة مقالة حتى قال لي أحد المحررين يكفي الكتابة باسم مستعار. وكتابي الآخر “معتزلة البصرة وبغداد”، حيث جمعت فيه كل المعتزلة ببغداد والبصرة، اعتز به لأنه مؤلف من التراث المحجوب تراث الحوار والمناظرات وحرية الرأي، التي تحاول التحرر من الهيمنة الدينية، حيث سمح لك المعتزلة أن تسأل عن الله ومكانه وخلقه وفعل الانسان والقدر بأطار فلسفي، لأن المناظرة لابد أن تكون لها حدود فكرية. والكتاب الاخر والخاص بالمجتمع العراقي هو “الأديان والمذاهب بالعراق”، حيث عملت عليه العام 1998 عندما بدأت الهجرة بسبب الحصار، وكان هم العراقي الهجرة فقط وبعدها جاءت أحداث 2003. استمرت الهجرة لأسباب مختلفة معيشية وأمنية وطائفية واصبح العراقي قلقاً لا يفكر الا بالهجرة للبحث عن مستقبل دراسي أو معاشي أو من يريد حماية نفسه، ولكن العبء الأكبر وقع على الأديان والمذاهب غير المسلمة، لأنهم الأقل عدداً، وتؤثر الهجرة على نسبة وجودهم، فيما لم تؤثر على الطوائف المسلمة لكثرة العدد، ومن المتضررين كان الصابئة المندائيين والمسيحيين. لقد أصبح هذا الكتاب مؤلفا من ثلاثة أجزاء، والآن قيد الطبع، واعتز به واطلقت عليه الموسوعة الكاملة للأديان والمذاهب، حيث وثقت فيه كل المذاهب والآديان الحية الموجودة الان.
{ هل تعتقد أنك أسهمت في تأسيس مدرسة عراقية في قراءة التراث الإسلامي ؟
– لدينا أساتذة عملوا على تأسيس مدارس، وعندما عملت في التاريخ اخذت فكرة البحث والتقيد به والاخلاص له من أولئك الكبار، مِن منا لم يتعلم طريقة البحث من علي جواد الطاهر مثلاً، وعندما أريد ذكر الاعتزاز بالمعلومة والتقيد بالمصدر بهذه الشدة، أكون قد أخذت الأسلوب من جواد علي وعبد العزيز الدوري، والتقيد بالواقعة وتحديد تاريخها اخذتها من الموثقين الكبار كوركيس عواد وميخائيل عواد وعبود الشالجي.
{ وماذا عن الحسني والعزاوي؟
– أما عبد الرزاق الحسني فهو صاحب باع في التاريخ السياسي الحديث استفاد من عمل في رئاسة الوزراء، واستطاع تأليف الكتاب العظيم “تاريخ الوزارات العراقية”، لكنه أضر القارئ والباحث بكتابته عن الأديان والمذاهب عندما كتب عن الصابئة والأيزيدية والبهائية، فأضر الكثير ولم يقصد ذلك، وانما كان يأخذ المعلومة من أي لسان ويضعها. وفي الحقيقة اننا لا نستطيع ان نأخذ الا من مصادر موثوقة، وعندما توفي كتبت عنه أنه كبير في التأريخ السياسي العراقي لكنه متخبط في الأديان والمذاهب، زعباس العزاوي موثق وجاد ومخلص ويجيد اللغة التركية والفارسية لكنه ليس صاحب منهج في التاريخ بل صاحب جمع وتوثيق، وهذا العمل ليس قليل بل لم يستغن عن كتابه “العراق بين احتلالين”، لكن جواد علي وعبد العزيز الدوري يعلموك كيف تتعامل مع التاريخ لأنهم أكاديميون.



















