الاستراتيجيات الروسية في الشرق الأوسط
عامر راشد
تعكف القوى الدولية الكبرى على تطوير استراتيجياتها للتعاطي مع مرحلة المخاض السياسي الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط ما بعد الثورات العربية، وتأثيراتها المتوقعة على نسق ميزان القوى الإقليمي وامتداداته الكونية، نظراً لدور الثورات في رسم المستقبل، وما تستدعيه من قراءات مستحدثة لإيقاع سريع من المتغيرات، والانخراط في الهندسة السياسية لهذه المنطقة الحيوية من العالم.
وتنشط الدبلوماسية الروسية على هذا الصعيد، للحفاظ على علاقاتها الخاصة مع بعض الأطراف الإقليمية، والبحث عن حلفاء جدد، كضرورة حتمية للأمن القومي الروسي. ويعود الخوف الرئيسي الروسي إلى اعتلاء حركات الإسلام السياسي سدة الحكم في بعض البلدان العربية، ومنزلق فوضى الصراعات الداخلية في بلدان أخرى، وتنامي التأليب المذهبي والطائفي، وقابلية انتقال نموذج الثورات العربية إلى الجوار الآسيوي المسلم في آسيا الوسطى، التي تعيش دولها أوضاعاً داخلية مشابهة نوعاً ما للأوضاع العربية، وصعود الدور التركي. وعلى المستوى الروسي المباشر تأثيرات كل ذلك على منطقة القوقاز، التي عانت حتى فترة ليست بالبعيدة من قلاقل أمنية خطيرة، ومازال ينظر إليها كخاصرة رخوة للأمن الروسي.
ونظراً للتداعيات المباشرة وغير المباشرة للثورات العربية، بدأت الدوائر السياسية الروسية بالبحث عن استراتيجيات جديدة، وتفعل كل ما بوسعها بالوسائل الدبلوماسية للحفاظ على مصالح روسيا بإتباع تكتيكات هجومية، غير معهودة عموماً في السياسات الخارجية الروسية خلال العقدين الأخيرين، كردة فعل على ما جرى في ليبيا ورفض تكراره في بلدان أخرى، والمقصود بذلك سوريا على وجه التحديد. فروسيا تخشى من التغيير الدراماتيكي غير المحسوب في البلدان العربية، لكن لا يمكن القول إنها تخشى من دمقرطة أنظمتها السياسية، ومن باب أولى لا تقف ضد الدمقرطة، خاصة أن حركة التغيير باتت أقوى من أن تُحتوى، لأنها تعبر عن إرادة المجتمعات، ولأن ما كان قائماً بالفعل لن يستمر، بعد أن بدأ نسق النظام الشرق أوسطي السابق بالتفكك والانهيار، نتيجة بروز أدوار إقليمية مغايرة في طور التشكل، بتقوية تركيا لنفوذها على حساب النفوذ الإيراني والإسرائيلي، وامتلاك مصر فرصة تاريخية لاستعادة دورها كقوة إقليمية مركزية تقود العالم العربي، مثلما كان الوضع عليه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وتعتمد روسيا في بناء إستراتيجيتها الجديدة على إرث السياسات السوفييتية والروسية، التي كانت على الدوام تنتقد نسق العلاقات الدولية غير العادلة، والتفاوت الحاد في التنمية بين دول الشمال والجنوب، والنهب الاستعماري لخيرات شعوب العالم الثالث، وعدم حل الصراع العربي ــ الإسرائيلي على أسس متوازنة وشاملة. كما تميزت السياسات الروسية برفض مزاعم صراع الحضارات ، وإدانة الكيل بمكيالين في الحرب على الإرهاب ، وتفنيد محاولة إدارة بوش الابن إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين. ومنذ الثورات العربية يلاحظ فارق ملموس في السياسات الروسية إزاء الشرق الأوسط، ففي بداية الولاية الرئاسية الثانية للرئيس بوتين عام 2004 بلورت روسيا توجهاً جديداً يقوم على دور فاعل لها في المنطقة، من بوابة بناء عوامل ثقة متبادلة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي عبر اللجنة الرباعية الدولية ، وعلاقات متوازنة مع الأطراف الإقليمية الرئيسية تركيا، إيران، إسرائيل ، بالتوازي مع استعادة دفء علاقاتها التقليدية مع البلدان العربية، والبحث عن نموذج مستقبلي للتعاون معها.
بينما أصبحت الدبلوماسية الروسية عقب الثورات العربية لا تتردد في اللجوء للخشونة في معارضتها استخدام دول حلف الناتو للقوة العسكرية ودعم المعارضات المسلحة لإسقاط أنظمة بعينها، في محاولة للتأثير في سياق التغيرات ببلدانها، بدل الحوار السياسي والمبادرات الدبلوماسية لمعالجة الأزمات، والإبقاء على قنوات مفتوحة مع أطراف الصراعات لأداء دور الوسيط، بما يضمن سير التحولات الديمقراطية بإيقاعات مدروسة لا تؤدي إلى فوضى واقتتال داخلي وفراغ في السلطة، على غرار الحالة الليبية الراهنة، مع إدراك أن الاستقرار الداخلي في البلدان العربية غير ممكن إلا من خلال دعم إصلاحات ديمقراطية جذرية، تنهي عقوداً من الاستبداد، وتغييب الديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.
ويقودنا هذا إلى الحساسية الروسية التقليدية من المشاريع الأطلسية للتمدد إلى الحدود الروسية، عبر التغلغل في المجال الحيوي الروسي، آسيا الوسطى والقوقاز ، وتحوُّل الحساسية إلى مخاوف كبيرة من تنامي دور تركيا في مجريات الثورات العربية، وما سبق ذلك من كشف مهندس السياسة الخارجية التركية أحمد داوود أوغلو عن الدور الذي تطمح بلاده للعبه، لاستعادة زعامتها العثمانية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ودول البلقان، بإقامة كومنولث عثماني ، تركيا الدولة الوحيدة القادرة على قيادته لتمتعها بميزة الهوية المركبة، الآسيوية والشرق أوسطية والبلقانية.
وبالفعل، بدأت تركيا تعمل منذ انحلال الاتحاد السوفييتي لإضعاف التأثير الروسي في أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، ولم يكن الاختراق التركي ليحصل لولا المساندة الأمريكية المشروطة بدور تركيا في إستراتيجيات الناتو ، لمحاصرة روسيا، واحتواء التحرك الإيراني تجاه آسيا الوسطى والقوقاز، الذي يتقاطع في منطلقاته مع التخوّف الروسي من الدور التركي، لاعتبارات تمس بوحدة إيران أرضاً وشعباً، من قبيل إحياء المطالب التاريخية بتوحيد الشعب الأذري، الذي يوجد منه ستة ملايين نسمة في إيران، بالإضافة إلى مليوني نسمة من التركمان، وهذا بدوره يمثل إشكالية لإيران في تعاملها مع الطموحات التركية، تدفعها للتقارب مع المواقف الروسية، وتنشيط تحركها، بدعم روسي، نحو طاجيكستان ذات الأغلبية الفارسية، لكبح الدعوات إلى إقامة طاجيكستان كبرى ، وبناء شبكة علاقات اقتصادية وثيقة مع دول القوقاز غير الإسلامية مثل أرمينيا وجورجيا لموازنة التأثير التركي، وتحجيم التطلعات الطورانية التركية العابرة للحدود. ولذا ترفض روسيا سياسة الضغوط الأمريكية ــ الأطلسية على إيران، وبالمقابل ترفض تمدد الدور التركي، باعتبار ذلك جزءاً من لعبة لاحتواء الثورات العربية وإعادة توجيه دفتها، واستغلال نتائجها لتوزيع القوى الجيوسياسي والإقليمي في صالح الولايات المتحدة وحلفائها، بإدخال مشروع الشرق الأوسط الكبير من الباب الدوار. ما يعني أن إدراك خلفيات المواقف الروسية من الثورات العربية يتوقف على فهم مخاوف روسيا، التي تنعكس في علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، فالمخاوف الروسية تبدأ من مجريات الأحداث في سوريا والعراق وليبيا واليمن والبحرين، لتصل إلى العمق الإستراتيجي الروسي. ولا يغيب عن الحسابات الإستراتيجية الروسية أن تسوية الصراع العربي ــ الإسرائيلي من شأنه إرساء نسق علاقات إقليمية مستقرة، تضطلع فيه مصر بدور مركزي.
مجلة انباء موسكو
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
/5/2012 Issue 4199 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4199 التاريخ 14»5»2012
AZP07























