الإحتفاء بحرية الشعب والجسد – خاطرة بين المسافات – فاطمة الحسيني

الإحتفاء بحرية الشعب والجسد – خاطرة بين المسافات – فاطمة الحسيني

في وقت مبكر من التحاقه بعالم القصة القصيرة، كان (الرمز) رفيقاً اسلوبياً ملازماً ، احد من اهم اشتغالات حسن العاني وانشغالاته السردية، ولعل مجموعته القصصية الاولى (سيد الاشجار- 1980) تنبئ عن هذا الاهتمام بصورة جلية، ولا اود الدخول في التفاصيل بقدر الاشارة الى ان المجاميع القصصية الخمس للمؤلف كانت حافلة بالرموز ، ويخامرني الاعتقاد، ان هناك قاعدة شروع رمزية واحدة ينطلق منها الكاتب على الصعيدين (القصصي والصحفي) ، على الرغم من ان البناء الرمزي اكثر وضوحاً في منجزه القصصي، مع اننا نتلمس في منجزه الصحفي قدراً وافياً من الاشارة والدلالة والتلميح والايماء على حساب (المباشرة) التي هي من مقومات العمل الصحفي!!

اخر مجموعة قصصية صدرت له حديثاً ، وهي السادسة ، تحت عنوان (ليلة الاحتفاء بالحرية) ، يمكن ان نتلمس ببساطة، كيف اصبح المؤلف اسير الاسلوب الرمزي بحيث استعبده تماماً ، مع ان هذا الاستعباد في المعيار النقدي يعد بصمة ايجابية تحسب للكاتب ، ولو رجعنا الى قصص المجموعة الثمان ، لاكتشفنا انها جميعاً تخضع لهذا التوصيف ، فقصة السد على سبيل المثال لا الحصر تشير من طرف خفي الى سقوط الدولة بعد 2003، والمعادل الرمزي يتمثل بانهيار السد الذي هو الدولة، وهذا الانهيار اضر بالاطراف جميعها وقصة (الشرفة) ترمز من جانب استعاري الى السرطان الذي تتعرض له البطلة(الحبيبة) ، وهكذا يبقى الرمز سيد الحضور ، سواء من حيث الشكل الفني ام من حيث الدلالة المضمونية بغض النظر عن كون المضمون سياسياً او عاطفياً او انسانياً ، ولكن ما يجب الالتفات اليه بعناية كبيرة هو مستويات الرمز عند الكاتب ، انه احياناً في متناول الادراك ، واحياناً يضع القارئ امام اكثر من تفسير ، وفي بعض الاحيان يصعب التقاطه او اكتشافه لانه شديد التعقيد ، وقصة ليلة الاحتفاء بالحرية التي يقرب حجمها من رواية قصيرة هي من هذا النوع، وموطن الصعوبة فيها ان احداثها مخادعة ، فهي تبدو (واقعية) بكامل تفاصيلها، والباس الواقع ثوب الرمز يعقد المشهد، فالمظهر العام للوقائع يقول ان العلاقات الجسدية هي الثيمة الرئيسة لسيرة البطل. وهنا تبدأ لعبة الكاتب الرمزية التشويقية التي تخفي وراء احتراقات الجسد، صرخة سياسية عنيفة ، ذلك لان تلك العلاقات برغم توافر اسباب نجاحها تتعثر في اللحظة الاخيرة ولا تكتمل ، وبالتالي لا تبلغ الهدف الجسدي ، وهي اشارة ( قد تبدو بعيدة نسبياً ) الى جملة الانتفاضات والمحاولات لاسقاط النظام السابق ونجاح (الثورة)، الا انها تفشل في اللحظة الاخيرة ، واذن ففشل العلاقات الجسدية في الوصول الى الهدف (النشوة) ، هو عينه الفشل السياسي في الوصول الى التغيير (الثورة)، ويوم نجح البطل في اخر محاولاته الجسدية وبلغ الهدف، كان ذلك رمزاً لنجاح اخر محاولة سياسية قدر لها اسقاط النظام ، ولكن ما الذي رافق هذا النجاح في كلا الحالتين؟ انها الفوضى العارمة في السياسة التي اقترنت بالتغيير (حواسم وانفلات امني ودمار وطائفية وكواتم…)، وفوضى عارمة في الجسد واقامة علاقات هستيرية (تعبر عن اعلى درجات الحرمان) كان من نتائجها تعرض البطلة الى حالة غامضة، قد تكون الموت او الاغماء ، وهنا تأتي براعة المؤلف الرمزية الحاضرة ، حيث اشار في ثنايا القصة الى امتلاك البطلة لنبتة غريبة تعيش مع مالكها على قيد الحياة ، وتموت بموته، وعند تعرضه الى طارئ مرضي تذبل، والذي حصل ان النبتة في المشهد النهائي كانت تمر بحالة ذبول ، اذن البطلة لم تمت ، وهذا يعني سياسياً ان الفوضى التي لازمت 2003 لا تشير بالضرورة الى موت (التغيير) ولكن المؤلف في الوقت نفسه لم يخبرنا ، هل تستعيد مريم (البطلة) عافيتها، ام انها في الطريق الى موت محقق… انها نهاية مفتوحة!! ليلة حسن العاني اربكت القارئ بامتياز بغض النظر عن ذلك الكم الهائل من الامتاع والفن القصصي…