
واشنطن- باريس -سيدني -الزمان
أعلن مسؤول السياسة الخارجيّة في الاتّحاد الأوروبي أنّ التكتّل «يأسف» لعدم إبلاغه أو التشاور معه بشأن الاتفاقيّة الأمنيّة المبرمة بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مشيرا إلى أنّه سيعمل على «تحليل تداعياتها».
وقال جوزيب بوريل، خلال عرض لاستراتيجيّة الاتّحاد الأوروبي للتعاون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إنّ «اتفاقا من هذا النوع لم يجر إعداده أمس الأوّل. هذا يستغرق وقتا. لكنّنا لم يتمّ إبلاغنا، ولم تتمّ استشارتنا. نحن نشجب ذلك». غير أنّه أضاف أنّ ذلك لن يؤدّي إلى «إعادة النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة».
وقال المتحدّث باسم بوريل، بيتر ستانو، «سيتمّ إجراء تحليل للوضع ولتداعيات هذا التحالف»، مشيرا إلى أنّ «الاجتماع المقبل لوزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبي، المقرّر عقده في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر في لوكسمبورغ، سيشكّل فرصة لمناقشة هذا التحالف».
فيما اكد مسؤول كبير في البيت الأبيض لوكالة الصحافة الفرنسية الخميس أن فرنسا والولايات المتحدة أجرتا اتصالات رفيعة قبل الإعلان عن التحالف العسكري الجديد بين واشنطن وكانبيرا ولندن والذي يشمل حصول أستراليا على غواصات تعمل بالدفع النووي بتكنولوجيا أميركية. وقال المسؤول إن «مسؤولين كبارا في الإدارة الأميركية كانوا على اتصال مع نظرائهم الفرنسيين لمناقشة» الاتفاقية العسكرية الجديدة مع أستراليا «بما في ذلك قبل الإعلان» الذي صدر الأربعاء.
وأضاف المسؤول الكبير في البيت الأبيض، طالبا عدم كشف هويته، «كما قال الرئيس (بايدن) أمس، نتعاون بشكل وثيق مع فرنسا بشأن أولوياتنا المشتركة في المحيطين الهندي والهادئ وسنواصل القيام بذلك».
ألغت السلطات الفرنسية حفل استقبال كان مقررا الجمعة في واشنطن بعد فسخ عقد تزويد غواصات فرنسية لأستراليا ما أدى إلى أزمة بين باريس وواشنطن.
وكان حفل الاستقبال سيقام في مقر إقامة السفير الفرنسي في واشنطن بمناسبة ذكرى معركة بحرية حاسمة في حرب الاستقلال الأميركية توجت بانتصار الأسطول الفرنسي على الأسطول البريطاني في 5 أيلول/سبتمبر 1781.
و قالت فرنسا الجمعة إنها غير قادرة على الوثوق بأستراليا في المحادثات الجارية بشأن إبرام اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي بعدما تخلت كانبيرا عن صفقة لشراء غواصات فرنسية لصالح غواصات أميركية.
وبدا أن باريس التي وصفت القرار الأسترالي بأنه «طعنة في الظهر» تصدر تهديدا بأن هذه الخطوة قد تؤثر على محادثات التجارة بالمعنى الواسع.
وصرّح وزير الدولة للشؤون الأوروبية كليمان بون لقناة فرانس 24 الإخبارية «نجري مفاوضات تجارية مع أستراليا. لا أعلم كيف سيكون بإمكاننا الوثوق بشركائنا الأستراليين».
وحاولت أستراليا الجمعة التخفيف من غضب الصين بعد الإعلان عن شرائها غواصات تعمل بالدفع النووي من الولايات المتحدة، متعهدة احترام القانون الدولي في المجالين الجوي والبحري اللذين تطالب بهما بكين.
وقال رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون في مقابلة مع محطة «2جيغابايت» الإذاعية الجمعة إن الصين لديها «برنامج كبير جدا لبناء غواصات نووية».
وردا على انتقادات بكين قال «لديها الحق في اتخاذ قرارات دفاعية لمصلحتها، وكذلك أستراليا وكل الدول الأخرى».
جاء رد فعل الصين عنيفا إذ وصفت عملية شراء هذه الغواصات بأنها «غير مسؤولة» وتهدد الاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما لفتت إلى أنها تشكك في الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية.
وحذّرت من أن هؤلاء الحلفاء الغربيين يخاطرون «بإلحاق ضرر بمصالحهم الخاصة». وأكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الخميس أن فرنسا «شريك حيوي» للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وذلك غداة الإعلان عن تحالف عسكري بين واشنطن ولندن وكانبيرا أثار حفيظة باريس.
وقال بلينكن خلال مؤتمر صحافي في واشنطن «لا يوجد انقسام إقليمي بين مصالح شركائنا» الأطلسيين والشركاء في المحيط الهادئ. وأضاف «هذه الشراكة مع أستراليا والمملكة المتحدة تظهر أننا نريد العمل مع شركائنا، بما في ذلك في أوروبا، لضمان (أن تكون) منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة».
وتابع بلينكن «نحيي الدول الأوروبية التي تؤدي دورا مهما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ونريد مواصلة التعاون الوثيق مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ومع آخرين في هذا الصدد».
ودخلت العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة في أزمة مفتوحة الخميس بعد إلغاء أستراليا صفقة شراء غواصات فرنسية واستبدالها بأخرى أميركية عاملة بالدفع النووي، ما دفع باريس إلى وصف الأمر بأنه «طعنة في الظهر» وقرار «على طريقة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب».
أعتمد جو بايدن على الفور الحزم نفسه الذي أبداه سلفه حيال العملاق الآسيوي الذي يعتبر «التحدي الجيوسياسي الأكبر في القرن الحادي والعشرين» بحسب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن.
إلا أن رسالته حول «عودة الولايات المتحدة» التي سعى إلى تمريرها في صفوف حلفاء الولايات المتحدة كانت تعد بالعودة عن النهج المتفرد والسيادي لسلفه دونالد ترامب.
وبدا أن الأشهر الأولى من ولاية بايدن شهدت ضمانات بهذا الاتجاه مع بادرات كثيرة باتجاه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والعزم المعلن لبناء جبهة مشتركة مناهضة للصين عبر الاطلسي.
إلا ان الانسحاب من أفغانستان أظهر محدودية هذا المسعى.
فرغم المشاورات التي أجريت حول هذه المسألة الحساسة لم يخف الكثير من الحلفاء الأوروبيين على رأسهم الألمان والبريطانيون امتعاضهم من سياسة الأمر الواقع التي فرضتها الولايات المتحدة.
ورد بايدن قائلا غداة انسحاب آخر جندي أميركي من أفغانستان «العالم يتغير ونحن منخرطون في منافسة حيوية مع الصين» موضحا أن أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة تشتت تركيز واشنطن وهو امر لم تعد قادرة على تحمله.
فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل ثمانية أشهر أظهر الرئيس الديموقراطي أن هذا الهدف يتفوق على كل الأهداف الأخرى.
فحتى على صعيد السياسة الداخلية يبرر خططه الهائلة للاستثمار الاقتصادي بضرورة الوقوف بقوة في وجه الصين.
- تقلب –
وعندما حصل ما لم يكن في الحسبان في تطبيق الاستراتيجية الدولية مثل الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة في الربيع، او انهيار الجيش الأفغاني المباغت خلال الصيف، بدا الرئيس الأميركي للوهلة الأولى مشتتا وكما لو أنه مستاء من تطورات تجعله يحيد عن المسار الذي رسمه.
ومن منظار واشنطن لا يتناقض التحالف في المحيطين الهندي والهادئ بالضرورة مع النهج متعدد الأطراف الذي روج له جو بايدن.
ورأى والتر لومان مدير الدراسات الآسيوية في مؤسسة «هريتدج» المحافظة أن هذا التحالف «يركز على الأهمية التي تولى للتحالفات والشراكات».
واعتبر أن مواجهة «التحدي الصيني» تحتاج «إلى كل الإرادات الطيبة».
في هذا الإطار يشكل تزويد أستراليا غواصات تعمل بالدفع النووي قادرة على الإفلات بسهولة أكبر من رقابة بكين، «تطورا بغاية الأهمية» يبرر بنظره هذه الطعنة الصغيرة الموجهة إلى العلاقة الفرنسية-الأميركية.
وأوضح لوكالة فرانس برس «في نهاية المطاف الفرنسيون لديهم خبرة ويدركون كيف تحصل صفقات بيع الأسلحة أكثر من غيرهم. وسيتجاوزون هذا الأمر».
وأضاف «لكن من المهم الاحتفاظ بدور مستقبلي لفرنسا في استراتيجية الولايات المتحدة في تلك المنطقة، بشكل مواز ربما».
وقد تضطر الدول الغربية إلى التكيف مع هذه العلاقات المتقلبة.
وحذر بنجامان حداد من أن إدارة بايدن ستعطي الأولوية «لتحالفات متقلبة وفقا لمصالحها» لكنه تخوف من أن تتراجع «أوروبا أكثر فأكثر عن صدارة الاهتمام».
رغم أصوله الإيرلندية وتأييده للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يبدو أن الرئيس الأميركي يكرس أكثر من أي وقت مضى «التحول» باتجاه آسيا الذي باشره قبل حوالى عقد من الزمن الديموقراطي باراك اوباما الذي كان بايدن نائبا له في الرئاسة الأميركية.



















