الآيزيدية .. إختبار التسامح في مجتمعاتٍ قلِقة

الآيزيدية .. إختبار التسامح في مجتمعاتٍ قلِقة

كفاح محمود

ليست الإيزيدية تفصيلاً هامشيًا في فسيفساء العراق والشرق الأوسط، بل مرآةٌ قاسيةٌ لمدى نضج الدولة والمجتمع معًا: هل نستطيع حماية المختلف لأنه مختلف، أم نُعيد إنتاج سرديات الإقصاء كلما اشتدت الأزمات؟ الإيزيديون جماعة دينية – ثقافية ضاربة في الجذور، تتركز تاريخيًا في سنجار (شنگال) ضمن محافظة نينوى شمال غرب العراق، وفي مناطق من دهوك داخل إقليم كوردستان، مع امتدادات في سوريا وتركيا والقوقاز وأوروبا بفعل موجات اضطهادٍ ونزوحٍ متعاقبة، وقصتهم ليست قصة مكون ديني يبحث عن الأمان فقط، بل قصة مواطنةٍ تُختبر يوميًا في بلدٍ تتنازعه الهويات والسلاح والذاكرة الثقيلة، بينما يُفترض بالدولة أن تكون مظلة الجميع لا ساحة صراع عليهم.

  الإيزيدية ديانةٌ ذات خصوصية روحية واجتماعية، لا تعتمد التبشير، والانتماء إليها محكومٌ بقواعد داخلية صارمة، هذه الخصوصية، بدل أن تُحترم بوصفها تنوعًا، استُخدمت عبر التاريخ ذريعةً لشيطنة أصحابها؛ فخرافات مثل تحريم أكل طعامهم أو مقاطعة منتجاتهم الزراعية والحيوانية ليست مجرد سلوك اجتماعي عابر، بل تربة ثقافية تُطبّع الإهانة وتُسهّل الانتقال من الإقصاء الرمزي إلى العنف المادي، ومع ذلك يبقى الإيزيديون، بشهادة من عاشرهم، مجتمعًا مسالمًا مجتهدًا في عمله، لافتًا في الزراعة والحِرف، حسن الجوار، كريم المعشر، وما يحتاجه اليوم هو حماية حقه في أن يعيش كما هو، لا كما يريد الآخرون أن يعرّفوه.

حملات الاضطهاد

وتحضر في ذاكرة الإيزيديين مفردة (الفرمانات) لوصف حملات الاضطهاد المتكررة عبر قرون، ويشيع رقمٌ رمزي (72 أو 73) للدلالة على تتابع المآسي، ليس المقصود من الرقم إحصاءً نهائيًا بقدر ما هو تلخيصٌ لذاكرةٍ جماعيةٍ تعلمت أن الخطر قد يعود حين تضعف الدولة، وحين تتقدم الخرافة على القانون، وحين تتحول الأقليات إلى وقودٍ لصراعٍ أكبر منها.

  في 3 أغسطس (آب) 2014 وقع الحدث الذي حوّل اسم سنجار إلى جرحٍ مفتوح بعد هجوم تنظيم (داعش) وما تبعه من قتلٍ جماعي وتهجيرٍ قسري وخطفٍ واسع، وتحويل النساء والفتيات إلى الاستعباد الجنسي، وتجنيد الأطفال ضمن منظومة التنظيم، تقارير أممية متعددة وصفت ما جرى بأنه إبادة جماعية إلى جانب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب؛ أي أن المسألة لم تعد «رواية ضحايا» بل توصيفًا قانونيًا وأخلاقيًا لجريمةٍ مكتملة الأركان، لكن الاعتراف وحده لا يشفي مجتمعًا مُحطمًا إذا بقيت العدالة بطيئة، الناجون يحتاجون كشف مصير المفقودين، وحفظ الأدلة وفتح المقابر الجماعية وفق إجراءات علمية، وتعويضاتٍ منصفة، ومحاكماتٍ تصل إلى شبكات الاتجار والتمويل لا إلى المنفذين وحدهم، وفي الداخل العراقي شكّل قانون الناجيات والناجين الإيزيديين لعام 2021 خطوة مهمة في الاعتراف والإنصاف، غير أن تنفيذ الالتزامات على الأرض هو معيار الجدية الحقيقي، لأن القوانين التي لا تُنفّذ تتحول إلى عناوين بروتوكولية لا إلى ضمانات حياة.

الهوية والخرائط: حين تُستهدف الجماعة لتعريف الأرض

  قوميًا، يرى كثير من الإيزيديين أنفسهم جزءًا أصيلًا من الشعب الكردي، وتتحدث الغالبية الكردية الكرمانجية، ويقول أبناء سنجار إن لهجتهم من أكثر اللهجات الكردية محافظةً على مفرداتها القديمة؛ وهو تعبيرٌ وجداني يفهم في سياق التمسك باللسان بوصفه وثيقة هوية في وجه التشتت والتهجير، غير أن الدين هنا يتقاطع مع السياسة، فثمّة محاولات – قديمة وحديثة – لانتزاع الإيزيديين من جذورهم القومية وإعادة تعريفهم بما يخدم خرائط النفوذ في المناطق المتنازع عليها، وقد عرفت نينوى وكركوك وأجزاء من ديالى في عقود سابقة سياسات تغيير ديموغرافي واسعة عُرفت بالتعريب، قامت على ترحيل سكانٍ أصليين وإحلال آخرين مكانهم، بهدف تغيير البشر لتغيير الخرائط، وما لم تُعالَج آثار ذلك التاريخ بالقانون والإنصاف، سيبقى خطر إعادة إنتاجه قائمًا بأسماء جديدة، وستظل الأقليات الحلقة الأسهل في لعبة الأرض والسلاح ما لم تُحسم بالمواطنة والقانون، لا بالمساومات والسلاح.

  أما أعداد الإيزيديين، فالدقة الإحصائية صعبة بسبب النزوح والهجرة، لكن تقديرات متداولة تضع عددهم في العراق قبل 2014 أكثر من نصف مليون نسمة، ومنذ الإبادة تسارعت الهجرة إلى أوروبا وأميركا وأستراليا؛ ويُقدَّر أن نسبة كبيرة قد غادرت البلاد، بينما بقي عشرات الآلاف في نزوحٍ طويل، الأمر الذي غيّر الخريطة السكانية وأضعف القدرة على ترميم المجتمع داخل موطنه الأصلي.

مسار العدالة

ما نحتاجه اليوم هو الوقوف مع الإيزيديين ليس خطابًا عاطفيًا، بل سياسة دولة ومجتمع: تجريم خطاب الكراهية والتمييز الاجتماعي، وتحويل الاعتراف بالإبادة إلى مسار عدالةٍ فعّال، وتسريع التعويضات والتمكين النفسي والاقتصادي للناجين، وإعادة إعمار سنجار بما يضمن عودة آمنة وكريمة، والأهم تحصين الجغرافيا من هندسة السكان: فلا تعريب ولا أي صيغة أخرى من التغيير الديموغرافي يمكن أن تبني استقرارًا؛ إنها تؤجل الصراع وتُعمّق الجروح.

  وفي السياق الإسلامي والعربي، من الضروري التمييز بين الإسلام كدينٍ عرف قيم العدل وحماية المستضعف، وبين التطرف الذي شوّه الدين وحوّله إلى وقود للكراهية، إنصاف الإيزيديين لا يحتاج تحميل ديانةٍ وزر عصاباتٍ مسلحة، بل يحتاج استعادة المعنى الأخلاقي للتعايش وتثبيته في القانون والتعليم والإعلام.

  الإيزيدية، في النهاية، ليست قضية فئةٍ صغيرة فحسب؛ إنها اختبارٌ لضمير الدولة ولمناعة المجتمع ضد الخرافة والاستقواء، وحين يصبح إنصاف الإيزيديين معيارًا لحداثة العراق، عندها فقط يمكن القول إن كارثة سنجار لن تتكرر.