إفسحوا الطريق أمام المتعقلين

إفسحوا الطريق أمام المتعقلين
لا ادري لماذا تُصر الاحزاب والتظيمات التي تشكلت قبل سقوط النظام السابق وحتى التي ظهرت الى النور بعد ذلك على التمسك بانظمتها الداخلية القديمة والالتزام بها من دون النظر الى المتغيرات والمستجدات التي تشهدها الساحة السياسية العراقية وتحسب حسابا للتقلبات الكبيرة التي تعصف بالمنطقة عموما.
ان بعض الاحزاب والتيارات السياسية ما زالت تتصرف حتى الان بعقلية المعارض المطارد والمشرد في اصقاع الارض من قبل النظام السابق متناسين ان الانظمة الحزبية يمكن لها ان تتطور ايضا وفق نظام يخضع لمصالح البلاد واتجاهات الاغلبية.
لقد سقط النظام السابق وذهب ادارج الرياح منذ عشر سنوات؟؟ اذن لماذا ما زلتم تصرون على الالتزام باهدافكم البالية وشعاراتكم الخيالية؟؟ بدلا من ان تنفتحوا على الاخرين وتبدلوا مناهجكم الحزبية وفق متغيرات العصر والمرحلة.
أن ما يواجهه العراق منذ عام 2003 ترك بمجملة تداعيات كبيرة على المستويات الامنية والاقتصادية وحتى المنظومة الخلقية ما جعل المواطنون يتساءلون بغضب وحيرة من أمرهم … هل ان هذا الشعب هو ذاته الذي عاش وتعايش مع بعضه منذ مئات والاف من السنين ؟؟ أم ان هزات كبيرة جعلت من الناس تخلع جلودها وتتجه الى الانكفاء نحو الطائفية والتطرف والاثنية والعنصرية والتحزب الضيق الذي اجبر المكونات بل حتى ابناء المكون الواحد الى الانقسام والانشطار وفق منهجية عجيبة غريبة واسماء ومسميات ما انزل الله بها من سلطان.
لقد تمييز العراق بالعشائرية وربما احتل اعلى المراتب في سلمها وزخر اهله بالحكمة والتعقل التي عدها العرب والعراقيين بمجملهم متلازمة لاتفارق الشجاعة والمرؤة والكرم واغاثة الملهوف وغيرها من القيم.
وعلى الرغم من ما تلاقيه العملية السياسية والشارع السياسي العراقي بسلطاته التشريعية والقضائية والتنفيذية من هجمة ونقمة شعبية مستمرة كنتيجية طبيعية للفشل الذريع في ملفات الامن والاقتصاد والخدمات وتوفير فرص عمل مناسبة تحفظ كرامة العراقيين، الا ان ذلك المجتمع لا يمكن له ان يخلو من عناصر وسياسيين يتحلون بالحكمة والتعقل والانصات الى صوت المنطق من دون ان يتأثروا بالماكنة الاعلامية للمعسكر الاخر تلك الاعلى صوتا ـ مع شديد الاسف ـ والتي مثلت مجاميع من السياسيين الانفعاليين المتسلطين والمتربعين في شاشات الفضائيات وكأنهم ممثلين سينمائيين يؤدون ادوارهم ببراعة وحرفية ويندمجون باداء حركات “الاكشن” سعيا الى نيل اعجاب الجمهور والاستحواذ على عواصف التصفيق وحصد الجوائز إرضاءً لنرجسيتهم في نهاية المطاف.
ولو تتبعنا نماذج عدد من السياسيين العراقيين المعتدلين الحكماء على سبيل المثال الا الحصر كالدكتور ابراهيم الجعفري او السيد فؤاد معصوم أو السيد خضير الخزاعي أو الدكتور صالح المطلك او الدكتور سليم الجبوري او السيد عمار الحكيم وحتى السيد مقتدى الصدر بمواقفه الوطنية الاخيرة التي قدمت درسا بليغا في مراجعة الذات والثوابت السياسية واثبتت بالملموس ان التعديل والتغيير وتقديم التنازلات من اجل مصلحة الوطن قوة ما بعدها قوة يمكن لها ان تفتح آفاق جديدة لترسيخ هوية وطنية عراقية جديدة وموحدة وتلمسنا الكثير من تلك المواقف التي عبرت عن نضج سياسي جيد من خلال الرسالة الاخيرة التي قدمها سماحته الى الشسعب العراقي.
ولو امعنا النظر جيدا في تلك الشخصيات الانفة الذكر لوجدنا ان القواسم المشتركة بين اولئك السياسيين ليست الحزبية او القومية او الطائفية بقدرما ما يجمعهم التعقل والهدوء السياسي والحكمة في اتخاذ القرارات والمواقف التي تؤدي بالنتيجة الى تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الاخرى عند الضرورة القصوى.
وبشيء من الاختصار سنتناول اهم سمات تلك الشخصيات على سبيل السرعة وايمانا منا بان التاريخ لن يغفل شاردة ولا واردة الا ويحصيها وكجزء من انصاف اولئك السياسيين الذين دفعهم قدرهم لئن يكونوا جزء من عملية سياسية يشوبها الكثير من اللغط والاخطاء والاخفاقات.
الدكتور ابراهيم الجعفري يتميز هذا الرجل بهدوء الاعصاب والميل الى فلسفة الامور وايجاد تخريجات للمشكلات العالقة والتي يمكن من خلالها التفاهم معه بسهولة ويسر كونه لا يعوّل كثيرا على المستشارين الا النوعيين منهم فحسب، قبل اتخاذ القرارات المصيرية ولان الكثير من مستشاري اليوم تم اختيارهم وفق ترضية الخواطر او رد الجميل ما اوقع السياسيين في شراك غبائهم وقصر نظرتهم.. غير ان ما يؤاخذ على الجعفري قبوله بمنصب رئيس الوزراء في مرحلة شائكة لم تنفع معها حكمة الحليم ولا سعة صدر العاقل المتعقل ما اوقعه فريسة سهلة امام خصومه واولهم رفاق النضال القديم .
السيد فؤاد معصوم .. لم يكد ان يُسجل على معصوم خلال تاريخه في البرلمان ولو لمرة واحد تصريحا او شطحتة خلفت وراءها ازمة سياسية او حتى لغطاً اعلامياً، اذ دائما ما يحاول معصوم اختيار كلماته ومفرداته وكأنه ينتقي قطع الحلوى من صحن انيق ولا اغالي بالقول ان قلت ان الرجل يمتلك كاريزما تؤهلة ليشغل منصب رئيس الجمهورية اذا ما بقي هذا المنصب شاغرا واصر الاخوة الكرد على ملئه بعراقي وطني كردي من ابناء جلدتهم اذا ما تجاوز داء المحاصصة الداخلية ” الكردية” التي اصابت العراق من اقصاه الى اقصاه.
خضير الخزاعي .. ان الخزاعي لم يكن موفقا سياسيا ولا مهنيا عندما تسلم منصب وزير التربية في الحكومة السابقة غير انه اليوم يحمل العبء الاكبر في مهامه كنائب لرئيس الجمهورية بل انه خلو رئاسة الجمهورية من طارق الهاشمي وعادل عبد المهدي ومن ثم لحاق رئيس جمهوريتنا بهم شفاه الله.. حمل الخزاعي عبئا مهولا من المسؤولية ناهيك عن نضاله لشهورا عديدة من اجل اقناع الاخرين بمشروعه الوطني القاضي بتهدئة النفوس وتغليب لغة الحوار وافشاء السلم والامن المجتمعي على لغة الموت والهمجية حتى صار يعرف الخزاعي (كصالح في ثمود).
الدكتور صالح المطلك ان لهذا السياسي وضع خاص جدا فهو رجل اعمال متمكن وقد تعلم من مهنته السابقة الهدوء والصبر وضبط النفس وقطف الثمار في اوانها وليس قبل ذلك .. ان المطلك يمتلك روح المجازفة تلك المجازفة التي ضمت للوطن والشعب مستقبلا واعدا دق ركائزه على حساب بعض من سمعته ومستقبله السياسي .. والحق ان المطلك يكاد ان يكون السياسي الوحيد الذي عمل على انقاذ البلاد مع عودة الفتنة والشحن الطائفي الى الواجه كع ما رافق التظاهرات والاحتجاجات التي اشتعل اوارها في عدد من المحفظات الغربية واغتنم الكثير من السياسين فرصة ركوب موجتها واعتلاء منصاتها سعيا لتحقيق مكاسب دعائية وانتخابية ، الا المطلك فقد اصر على السباحة ضد التيار وواجه غضبا جماهيرا (جاهلا بخبايا الامور) وصل الامر حد اتهامه بالخيانة والتراجع عن الثوابت العقائدية.. الا انه استطاع اخيرا ان يثبت للجميع صواب موقفه وحكمته في اتخاذ قرار التحاور مع الاطراف الاخرى سعيا للملمة البيت العراقي الكبير وتحقيق جزء لا بأس به من مطالب المعتصمين التي عجزت الخطب الرنانة والمحرضة عن تحقيق شيء يذكر منها.. وبذلك استطاع المطلك وحده تجنيب البلاد ويلات حرب كان من الممكن ان تحرق الاخضر واليابس وتقسم البلاد الى دويلات متناحرة ابد الدهر ولاسيما مع اشتداد الازمة السورية وانعكاساتها على الداخل العراقي.. ويتوقع ان يقود المطلك التيار اللبرالي في المرحلة المقبلة ويسجل نجاحات كبيرة في طريق ارساء قواعد الدولة المدنية الحديثة اذا ما توفرت له الظروف والامكانات المعنوية ولقي الدعم الكافي من القوى الحالمة بدولة تعبر حواجز الطائفية وتئد الفتنة.
سليم الجبوري على الرغم من انه برلماني ينتمى الى الحزب الاسلامي العراقي بل انه احد قيادييه الذين طالما اتسم اغلبهم بالحدية والشدة في المواقف الا ان الجبوري يصر ومن منطلق القوة على اتخاذ موقف المتعقل والمحاور والاهم من كل ذلك انه مستمع جيد للطرف الاخر حتى يكاد ان يعطي اكثر مما يأخذ املا باصلاح ذات البين وفض النزاعات التي قد تؤجج روح الفرقة والطائفية على العكس تماما من قيادات حزبه وبرمانيوه التي تأثر بعضهم حد النخاع بالعشائرية واعتقدوا ان البرلمان يمكن ان يكون مضيفا او ربعة يديرها الشيوخ المتنفذون وأبنائهم المدللون الرعناء.
السيد عمار الحكيم .. لا يخفى تاريخ هذا الرجل النضالي والعقائدي فهو من اسرة عراقية كريمة اتسمت بتقديم كوكبة من العلماء والفقهاء والمجتهدين والشهداء ويكفي انه حفيد ايه الله العظمي السيد محسن الحكيم الذي طالما تودد اليه الحكام والرؤساء وقدموه عليهم في كثير من المحافل.. ان السيد عمار الحكيم يعد اليوم فلته جديدة من فلتات العراق التي تتميز بالحكمة والشجاعة.. ولقد استطاع هذا الرجل في مدة قصيرة ان يخلع جلباب ابيه وعمه وجده من دون ان يتنكر لهم تماشيا مع مبدأ (علموا ابنائكم على غير طباعكم لانهم خلقوا لزمان غير زمانكم). من هنا فان السيد الحكيم عمد الى انتهاج خط خاص به فرضته عليه متطلبات المرحلة ومستجدات الحوادث التي اهلته الى تحقيق نقلة نوعية في تعامل رجال الدين مع الملفات السياسية بعيدا عن التزمت والعناد والتمسك باحكام العقائد التي قد تكون منطلقا للفرقة وليس مدعاة الى الوحدة والسلام والتعايش.
وفي نهاية البحث .. رب سائل يسأل اذا كانت عمليتنا السياسية تعج بالكثير من العقلاء فلماذا هذا التناحر والتغالب والانحدر في كل شي؟؟ اقول ان هؤلاء السياسيين الذين ذكرنا او الذين لم نذكر ما زالوا اسارى مكوناتهم الحزبية والعقائدية وهم في صراع مع ذاتهم من جهة ومع احزابهم ومكوناتهم من جهة اخرى وهي دعوة صادقة نوجهها اليهم لخلع ثوب الفرقة والتشرذم والعمل على التقارب والانطلاق من المشتركات وما اكثرها وفي مقدمتها ايقاف نزف الدم العراقي والحفاظ على وحدة البلاد وثروة الشعب من المتربصين الذين مازالوا ـ اسفاًـ يمتلكون مقدرات الامور ويمكن لهم سحب البساط من تحت اقدامكم ليلعبوا اداور البطولة من جديد ويرمون اليكم بسيناريوهات الادوار الثانوية فحسب.
عقيل محمد الجاسم – ستوكهولهم
AZPPPL