
إضاءات حول العيد الوطني العراقي – نديم الجابري
في الواقع ، لا تمثل الأعياد الوطنية أياما اعتيادية عابرة يتم اختيارها بشكل عفوي غير مدروس ، انما تمثل مناسبات شهدتها الدول و المجتمعات خلال حقبة زمنية معينة ، و يتم تحديدها بعناية ، لتصبح مناسبة وطنية يجمع عليها الشعب و الدولة.
و على ضوء ذلك ، تشرع الشعوب و الحكومات و الدول في الاحتفال بها عن طريق الإعلان عن تعطيل عمل الدوائر الحكومية ليوم واحد احتفالاً بالمناسبة. و تتخلها أعمالا فنية و خطابات وطنية و العابا و افراحا كل حسب طريقته و تقاليده.
وتختلف مناسبات الأعياد الوطنية لدى الدول بحيث يصعب حصرها وفق ترتيب معين ولكن غالباً ما تكون هذه الأعياد متعلقة بإحدى المناسبات التي تدور حول نيل استقلال الدولة ، أو ذكرى قيام ثورة وطنية ، أو ذكرى تأسيس الدولة ، أو ذكرى معركة شهدتها الدولة و ما شابه ذلك.
العيد الوطني لدى شعوب العالم :
و يلاحظ أن الشعوب فى مختلف بلدان العالم تحتفل بأعيادها الوطنية . وكل دولة لها احتفالات خاصة بها ، ولها طريقة أيضاً خاصة بالاحتفال.
لأن تلك المناسبات تعكس ثقافة الشعوب وتاريخهم السياسي وعاداتهم الاجتماعية والدينية بل وتعكس جغرافية المكان الذين يعيشون فيه وطبيعته وكل هذا يمثل فرصة للمعرفة الثقافية التى تشحذ العقول و تنورها .
سعادة ومرح
ويبدو ان القاسم المشترك بين هذه الاحتفالات يكمن في مشاركة السعادة والبهجة والمرح التى تجدد الحياة بين المواطنين و تعزز من الهوية الوطنية .
و على سبيل المثال لا الحصر ، تحتفل فرنسا في عيدها الوطني الموافق 14 تموز احياءا لذكرى اقتحام سجن الباستيل و انتصار الثورة الفرنسية على النظام الملكي الذي كان قائما في حينه عام1789 .
و تحتفل المانيا في عيدها الوطني في 3 تشرين الأول بمناسبة اعادة توحيد المانيا عام 1990 . و تحتفل مصر في عيدها الوطني في 23 تموز من كل عام بمناسبة ذكرى استقلال مصر عن الاحتلال البريطاني و إعلان جمهورية مصر في 23 تموز 1952 . و تحتفل المملكة العربية السعودية في عيدها الوطني في 23 أيلول بمناسبة ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية و تأسيسها عام 1932 .
و تحتفل الولايات المتحدة الامريكية في عيدها الوطني في 4 تموز بمناسبة اعتماد الكونغرس صيغة اعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776 .
اشكالية العيد الوطني في العراق :
و في العراق الحديث بقيت قضية اختيار العيد الوطني محل جدل و خلاف . لذلك كانت تحسم هذه القضية من رأس السلطة لتفرض على المجتمع و الدولة .و خلال الحكم الملكي (1921 – 1958) لم يتم الاتفاق على يوم وطني جامع، على الرغم من أن الملكية شهدت حالة استقرار شبه كامل، مع حكومات تتداول السلطة سلميا طبقاً لقواعد العمل الديمقراطي الذي قوامه الانتخابات و الأحزاب السياسية القائمة . ومع ذلك فإن اعتماد العيد الوطني تراوح ما بين ذكرى تتويج الملك فيصل الأول في 23 آب 1921 و يوم 9 شعبان ذكرى انطلاق الثورة العربية الكبرى بزعامة الشريف حسين بن علي ضد الدولة العثمانية عام 1916. و بعد واقعة 14 تموز 1958 أصبح يوم 14 تموز عيدا وطنيا للبلاد ، بوصفه اليوم الذي اسقط الملكية و اقام الجمهورية العراقية ، على الرغم من أن هذا اليوم كان يوما دمويا شهد مقتل جميع أفراد العائلة المالكة , و أسس لقواعد الدم في العراق الحديث .
و بعد 10 سنوات وصل حزب البعث إلى السلطة في العراق في 17 تموز 1968. الذي أبقى يوم 14 تموز عيداً وطنياً حتى عام 1990، وكان يقيم الاحتفالات ويتلقى التهاني من الرؤساء والزعماء في العالم . و في عام 1990 تم اعتماد 17 تموز عيدا وطنيا بوصفه المناسبة التي استلم فيها البعث مقاليد الحكم في البلاد ، مع الإبقاء على يوم 14 تموز عطلة رسمية دون احتفالات.
و بعد احتلال العراق في 9 نيسان 2003 لم تتمكن الطبقة السياسية الجديدة من وضع عيد وطني تحتفل به سنويا . و ذلك للأسباب الآتية :
1- انها لا تمتلك رؤية ناضجة في الادارة و الحكم لكي تستمد منها رؤيتها للعيد الوطني .
2 – ان تجربتها في الحكم ولدت من رحم الاحتلال الأمريكي و تحت اشرافه . لذلك كانت لديها أول حركة نكوص فكرية عندما حاولت ان تجعل يوم الاحتلال في 9 نيسان عيدا وطنيا . و هي سابقة لم يقدم عليها أي سياسي حصيف .
3 – انها طبقة سياسية لم تتمكن من صنع حدث تاريخي يمكن تخليده ، و لم تقدم منجزا ممكن ان يسعفها لتحديد عيد وطني خاص بها . و لذلك انصرف تلك الطبقة الى البحث عن عيد وطني بين طيات التاريخ لعلها تجد ضالتها .
و بقيت تدور في تلك المتاهة
الى أن حسمت حكومة رئيس مجلس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي هذا الجدل عندما قررت خلال عام 2020 اختيار 3 تشرين الأول 1932 عيدا وطنياً، بوصفه يوم دخول العراق عصبة الأمم كدولة مستقلة كاملة السيادة رغم أن البرلمان لم يقر قانوناً يعتمد هذه المناسبة بشكل رسمي .
عظمة الدولة
مع ذلك ، يبدو أن يوم 3 تشرين الأول ( ذكرى دخول العراق عصبة الأمم المتحدة) لا يصلح أن يكون عيدا وطنيا للعراق . و ذلك للأسباب آلاتية :
1 – لأن هذه المناسبة لا ترتقي الى مستوى عظمة الدولة العراقية . فالدولة العراقية تستمد شرعيتها من سياقها التاريخي الذي يمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة و ليس من عملية انضمامه الى عصبة الأمم المتحدة عام 1932 .
2 – لأن هذه المناسبة لم تدخل في ذاكرة العراقيين و ضمائرهم ، و لم تتحول الى ثقافة شعبية ملموسة . بل أن أغلب العراقيين لا يعرفونها .
3 – لأن هذه المناسبة سوف لن تتحول بكل الأحوال الى مناسبة شعبية يحتفى بها انما ستبقى عيد سلطة بامتياز .
و يبدو ان ذكرى انطلاق ثورة العشرين ( 30 حزيران) هي المناسبة الأرجح لتكون عيدا وطنيا للعراق . و ذلك للأسباب آلاتية :
1 – لأن هذه الثورة الوطنية التحررية هي التي انتزعت بقوة السلاح عملية اعادة تكوين الدولة العراقية الحديثة عام 1921 . و دفعت في سبيل ذلك مئات الشهداء و الجرحى .
2 – لأن هذه الثورة محل اجماع وطني لا خلاف حولها كونها ثورة امتدت على بقاع العراق من جنوبه حتى شماله ومن شرقه حتى غربه .
3 – لأن هذه الثورة استقرت في ذاكرة العراقيين و ضمائرهم لدرجة أنها أصبحت جزءا أساسيا من ثقافة العراقيين و دلالة على بطولاتهم . لذلك يحتفي بها العراقيون كل عام بدون تدخل أو دعم من الدولة . و يستذكرون فيها رموزهم الوطنية من أمثال ( عبد الواحد سكر ، و شعلان أبو الجون ، و ضاري المحمود ، و محمود الحفيد ، و محمد مهدي البصير ، و الشهيد الأخرس ، و جعفر ابو التمن ، و حبيب الخيزران و غيرهم ) . كما يستذكرون بطولاتهم في ( معركة الرارنجية ، ومعركة البواخر و غيرها ) .
4 – ان هذه المناسبة ستكون عيدا وطنيا شعبيا بامتياز و ليس عيدا وطنيا شكليا للسلطة .
و نخلص من ذلك كله ، الى القول أن الخلل في تحديد العيد الوطني العراقي نابع من أمرين أساسيين هما :
1 – ان تحديد الأعياد الوطنية في العراق لم ينبع من قناعات اجتماعية انما كان يفرض دائما من أنظمة الحكم الغالبة . لذلك فأنها تمثل أعيادا لأنظمة الحكم و ليست للدولة العراقية و شعبها .
2 – أغفلت تلك التحديدات عمر الدولة العراقية الذي يتجاوز سبعة آلاف سنة و الذي تخللته وقائع كثيرة تصلح أن تكون عيدا وطنيا مجمع عليه . و انحصر بحثها في المائة العام الأخيرة من حياة الدولة العراقية رغم اضطرابها السياسي و عدم استقرارها .
استاذ دكتور






















