
إحتفاءً بالمبدعة الكبيرة عالية ممدوح
الولع المميت.. والأنوثة المشروخة
حسين سرمك حسن
إشارة تمهيدية
فازت المبدعة الكبيرة الروائية عالية ممدوح بجائزة نجيب محفوظ لعام 2004 عن روايتها المميزة المحبوبات وهي جائزة مهمة ولكن فوزها الأكبر كان بهذه البصمة السردية الفريدة التي طبعتها على خارطة الإبداع العراقي والعربي عبر عشر –حتى الآن- روايات رائعة مثل الولع والتشهّي وحبات النفتالين والأجنبية والغلامة والتانكي وغيرها. واحتفاءً بها وبمنجزها أقدّم هنا صفحات من أحد فصول مخطوطة كتابي عن منجزها الروائي.
المياه النظيفة جدا لا تحتوي على أسماك .
إحذر المرأة التي تتحدث كثيرا عن الشرف
مثل فرنسي
منذ الصفحة الأولى من رواية «الولع المميت» للمبدعة العراقية الفائزة بجائزة «نجيب محفوظ» للرواية «عالية ممدوح» ومنذ أسطر الاستهلال، يصدمك الأسلوب ونبرته النفسية الهادئة – ظاهراً – التي تسيطر على رسالة ” هدى ” بطلة الرواية / الراوية الموجهة إلى صديقتها «بثينة» – صديقة الستينات إلى التسعينات – وهي تخبرها بمجيء زوجها «مصعب» وزوجته الرابعة الشابة «وداد» إلى إنكلترا لقضاء مدّة معها – والراوية زوجة مصعب الثالثة – ومع ابنهما «مازن» طالب الهندسة في «كاردف».
تقول «هدى»: «بثينة.. علينا عدم نسيان أن المستقبل هو الأهـم، وليـس الماضي ، لابدّ أن يجد المرء بعض الأمور كي ينتسب إليها. يريد التخفي كي يزداد اطمئناناً، فأكون مثلاً بين المستقبلين للسيّد «مصعب» زوجي الذي مازال الشرعي، وزوجته الرابعة السيّدة «وداد..» – ص5 – وهو أٍسلوب «يعقلن» القلق و«يمنطق» الإحباط سردّياً لاسيما حين نتأمل – لاحقاً – طبيعة العلاقة العاصفة التي جمعت بين «هدى» ذات الثمانية عشر عاماً والموظفة في دائرة السكك الحديدية وبين «مصعب» ذي الأربعين عاماً آنذاك ومديرها في العمل ، تلك العلاقة التي وسمها «الولع» الجامح الذي دفعها إلى أن تلحقه إلى بيروت وتتزوج منه ، شاقة عصا الطاعة على عائلتها المعارضة لهذه الزيجة، وبرغم فارق العمر بين الاثنين، والأهم برغم معرفتها بأنه متزوج من امرأتين قبلها . لم يكن فيها – كأنثى – شيء متفرد يجذبه إليها. لا يذكّرها هو فقط بهذه الحقيقة كثيراً «أنت النحيلة، الهزيلة»? «أنت لست جميلة»? بل هي نفسها تتحدث عن نفسها بشعور فاضح بالنقص، تتحدث عن بنيتها الغلامية، ونحافتها ورقبتها الطويلة وأسنانها المفروقة..إلخ. حتى أصدقاء عمره ومنهم قريبه «رامي» كان يقول له: «ألا ترى كم هي شاحبة وضعيفة وصفراء، إنها ليست جميلة يا مصعب». ولا يصعب عليك أن تمسك بالروح الإنقاذية – وعقدة الإنقاذ نتاج المركب الأوديبـي – في ارتباط مصعب بهدى وذلك حين نستمع إليه وهو يصف وقفتها الأولى أمامه: «تقف أمامي في غرفة الاجتمـاعـات، بحـذائهـا العتيق المترب، كان خصرها ناحلاً، صغيراً سيقطع بعد ثوان، جذع طويل، وحوض متسع، وساقين غير متناسقتين، لكن كان هناك شيء ما في إطلالتها، في وجهها، في عناصر تركيبتها الفيزيائية، شيء ترقبه وتريد التفوّه به حرفياً لكنك لا تستطيع. أمر بين الجرأة والبداوة، والخوف والعداوة، شيء خارج الرداء البسيط والجسد الناحل ولا علاقة له بالجمال أو الدمامة.. هو أمر يكشف عن المشاعر الخاصة.. وهو مفرط في الوقت نفسه بالشراسة … لا أعرف أين هو موجود، أفي قبضتها وهي تشير بها، وكفها الكبيرة، وأصابعها الطويلة، وأظافرها متسخة على الدوام، أم كان في حركاتها ككل؟. فألحظ ذلك وأطلق عليه منذ ذلك الوقت: «العصيان» ص 98 – 99 وحسب «شيء» غير معلن تماماً وغير قابل للتحديد ركّب له مصعب إطاراً نظرياً ظاهراً أسماه الصدق مرة، والشراسة مرّة ثانية، والعصيان ثالثة، وغالباً ما تخفي لعبة الاحتمالات التفسيرية بين تلافيفها دوافع لا شعورية ماكرة وشديدة التعقيد قد يكون من أبعدها غوراً اللعب على الوتر المحارمي والذي يتمظهر في صورة دوافع إنقاذية – قد تكون مباركة جمعياً أحياناً ومن قبل الضمير الفردي أيضاً – والذي تنسرب عبر مساراته دوافع سادية مدمّرة . يقول مصعب: «كانت شخصيتها تتوهج، ومواهبها تتأسى، فكنت أنتشي بنفسي فعلاً. ستصغي إلي.. ستنتظرني بكلّ الشكوك والصراخ، سأدفعها للزحام للبحث عني بين الغرف المقفلة في فنادق الدرجة الأولى في بيروت وغيرها، وأنا ألاحق – صبيحة – صديقتها من مدينة إلى أخرى.. سأدعها تزحف ورائي مهرولة بين المطارات ومحطات القطار، ويجـب أن أقيهـا كل شيء، العائلة، الأخوة، الأصحاب، الصديقات. سأقيها من الجميع إلا مني» ص99 .وفي تعهده الحازم الأخير – سأقيها من الجميع إلاّ مني – كان يقوم بسلوكات شديدة الأذى والغرابة أفصحت عنها جزئياً إشارته إلى أنه سيجعلها تطارده من مكان لآخر في الوقت الذي يلاحق فيها صديقتها – صبيحة – وهي صديقة طفولتها وشبابها التي لا يتوّرع عن الحديث لها عن اتصاله بها ومضاجعتها. لا يتورع عن دعوة إحدى النساء الولوعات به إلى البيت بحضور زوجته هدى. هدى التي تستقبل كل ذلك بروح مازوخية صارخة فتعلن رغم كل هذه الأفعال أن مصعباً هو موضوع حبّها الأول والأخير وأنّها، على استعداد لارتكاب جميع الجرائم للوصول إليه» وكأننا هنا أمام صورة من الجدل «الهيغلي» يجري في الكواليس الخلفية للذات الإنسانية. فأطروحة «مصعب» السادية يقابلها «طباق» هدى المازوخي الذي ينتج عنه «تركيب» سادومازوخي تلعب في أحشائه الصراعات المتضادة – المتكاملة التي تعود «كتركيب» الآن لتشمل بمضاعفاتها «الخلاقة» والمدّمرة حياتي الطرفين : مصعب وهدى. تقول هدى بعد أن جاء مصعب بضرّتها الرابعة – الشابّة – تقول لنفسها في مونولوجاتها المدوية – والرواية بأكملها عبارة عن مونولوج طويل متفجّر – : إذا وصلنا إلى الدار فسأنزل إلى «قدميه» أجرّهما إلى صدري، أنزع جوربيهما واحداً بعد الآخر وأمسك بالقدمين أقبلهما بين يدي» – ص 23 – هذه المشاعر الاستخذائية الطافحة تأتي بعد أكثر من عقدين من علاقة عذاب وضنى متأججة . وإلى الآن تحدّث هدى صديقتها «بثينة» – وتحدثنا – عن أنموذجها الحبي الذي استحوذ على وجودها مضلّلة البصيرة ومغيبة القدرة على الحكم النهائي الحاسم. إنها تحاول أن تضللنا نحن المتلقين أيضاً . فهي تتحدث بحماسة عن مصعب الإنسان والعاشق والمناضل والإداري الناجح كأنه هبة أو لقية فيعبر انبهارها الملتهب – مثلما هو الحال لدى مصعب – عن دوافع لا شعورية ماكرة وشديدة التعقيد قد يكون من أبعدها غوراً اللعب على الوتر المحارمي الذي يتمظهر لدى الأنثى – في كثير من الأحوال وبخلاف الذكر – في صورة استقبال مازوخي باهر يتكفل الإبداع في تقديمه في أعظم التشكلات الباذخة – رواية الولع في “تركبيها” السادمازوخي العشقي تذكرنا – مع اختلافات كبيرة جداً سنحلّلها لاحقاً ببطلي رائعة «إميلي برونتي» «مرتفعات وذرنغ» حيث العلاقة العاطفية المميتة بين «كاثرين إيرينشو» و«جون هيثكليف» الذي يعده النقاد صورة لمكبوتات المؤلفة شديدة الشراسة التي كانت تسمّى في حياتها بـ «الميجور» لشراستها وسلوكاتها السادية في إحدى المرات ظلت تضرب كلبها على عينيه حتى أدمته والتي تذكرنا بمؤلفة «الولع» من خلال «مقلوب» معادلها الرمزي وهي «هدى» – هذا الاستقبال المازوخي يربك استقبالاتنا الإدراكية ويجعلنا نصوغ البنى الواقعية وفق ما نتمناه وتفرضه رغباتنا اللاّئبة دون اعتبار للشروط الملموسة وكأننا نعيش وسط لعبة عقلية متصدّعة بل فصامية . حين تسمع هدى وهي تتحدث عن الميزات الأصيلة لمصعب إنساناً وعاشقاً ومناضلاً وموظفاً كبيراً يجرفك – مثلها – الانبهار بهذا الرجل العصامي صاحب لإرادة الحديدية والشخصية المؤثرة والإيحائية الأخاذة.. لكنها – ومن حيث لا تدري حيناً وبفعل ربكتها اللا شعورية أحياناً – تقدم لنا – وبصورة مهادنة – التفصيلات السلبية المناقضة – ويبدو أنّ هذه الطريق هي السبب المبطن لكلّ كوارث الحياة البشرية – فالإنسان – وهذا من أعظم كشوفات التحليل النفسي كائن تبريري – rationalizing human being – وليس كائنا منطقيا كما يشيع الفلاسفة المتفذلكون ، الإنسان يرى الأشياء بعين لا شعوره لا بشعوره ولا بعقله . فبرغم كل السمات الإيجابية التي تطرحها ليلى ومازن ووداد – الزوجة الرابعة – فإنّ مصعباً لم يكن ذلك الأنموذج الذي يستحق أن يحبوه ويخشوه إذا حاكمناه عقلياً . فهو كإنسان مكتظ بالمساوئ ، لا نعلم مثلا ما الذي أجبره على الزواج من امرأة تكبره بخمسة عشر عاماً ويغمض عينيه حين يمارس الجنس معها أو يقوم بواجبه الزوجي معها في الظلام . في سلوكه كان «حامياً، عصبياً، مرتاباً، وشكاكاً، ويريد أن يرى نفسه مركزاً للكون وبشكل خاص بين النساء. وكرب أسرة تكفينا الإشارة إلى محاولات إبنه «رياض» المتكررة للانتحار والتي انتهت بموته والذي يصفه بـ«انفصال» نفسي غريب.
هبوط بطيئ
بدا لعيني وهو مسجّى أمامي في غرفة الصالون الفسيحة وكأنه عاد إليّ على نحو ما . هبط ببطء، ونحن في الليل، أنا والآنسة نغم بجواري» ص99 إنه لا يتذكر بالضبط حتى عدد المرّات التي حاول فيها إبنه الانتحار . لقد كان السبب في دفع هدى التي أحبته بجنون إلى الانتحار ثلاث مرّات وكان الطفل رياض شاهداً على محاولتها الأولى . أمّا كـ ” مناضل ” فقد كان يكره الجميع ويشك في كلّ من حوله من رفاقه ولا يتورع عن تقديم الرشى لضمان انتخابه.. كان يحتقر العامة وهم مادة نضاله المفترضة. وانظر إلى الكيفية التي تشكل فيها الصراعات والرغبات الفردية/ اللا شعورية ما هو سياسي عام يؤمن به ويدعو إليه بحماسة ولكنه يتشكل بصورة ضدية – Reaction Formation – فيحلّل بصوت عالٍ أحد الأسباب الحقيقية الكامنة وراء قيام الحرب على العراق بأنها «لإبادة جزء متنام من السكان العرب لا يطبق سياسات تحديد النسل ولا يخضع للتعبئة والشروط الأمريكية. إن النمو السكاني في دول العالم الثالث يؤدي إلى زيادة القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية لتلك الدول، وهذا يهدّد انسياب المواد الخام لأمريكا والغرب، خاصة أن تلك الزيادة تكون مرتبطة دائماً بالاتجاه نحو تأميم الاستثمارات الأمريكية..إلخ» وكلنا نعرف أن الزيادة السكانية في العالم الثالث أصبحت عبئاً على اقتصاديات تلك الدول وأن الحروب صارت تجري عن بعد – بصواريخ عابرة للقارات تطلق من البحار والميحطات..إلخ – ومع ذلك لنلاحظ انعكاس هذا المبدأ النظري على سلوكه الحياتي. إنه يطلب من زوجته وداد أن تربي الطيور وأن لا تفكر بإنجاب الأطفال وهو خلاف ما يعلنه كـ “مناضل” !! أما كمدير عام فقد حوّل غرفته وسلطته في الدائرة إلى مصيدة لاصطياد العشيقات. و في مجال العلاقات العاطفية كانت هدى أول من شخّص نرجسيته المرضية في هذا الإطار . نرجسيّة ممزوجة بسلوك هستيري استعراضي «بدأ السيّد مصعب بارتداء الثياب الزاهية الألوان، وبأشكال سريالية، وكلما كان يرتديها كان يزداد ضجيجاً وزهواً، هل كان يريد مواجهة سنّي بتلك الثياب؟ أم كان يودّ إيصال حيوته للأخريات… ليقول: «أنا الصانع وهذه هباتي.. وهؤلاء قططي يتقافزن على الشرفات.. هن في قبضتي.. ولتلك الراكعة وهي تغصّ بالدمع، إنني الإمبراطور»-ص52- مع كل هذه المساوئ وهدى تراه حلماً وهدف حياة كاملة.. تحبه إلى حدّ أن تحاول الانتحار ثلاث مرّات بسبب سلوكه السادي تجاهها . كان يقصّ عليها – وهي جلسات تعذيب في واقعها – غزواته الغرامية مع عشيقاته- معلنة له
: «كم أحبّ أن أبادلك الحبّ عن طريق نقل الدم، دمي إليك» – ص101 –
كانت تردّد دائماً :
«لا يجوز انتصار أي أمريء عليك – يا مصعب – لا امرأة ولا حزب، لا زوجة ولا عشيقة، لا وظيفة ولا سلطان» – ص 84 – . «تلقائياً أفهمك، أصير جزءاً منك من ذكورتك وأقنعتك وعجرفتك، أمّا ذكاؤك فهنا أعترف لك أنه مصدر الخطر – ص94 – فمن أي مادة ” أولية ” شكلت هدى تلك الصورة المثالية المتعالية لمصعب؟ إنه يعلن حتى عن ممارساته المثلية : «سرعان ما أُصاب بالسأم من النساء فأنتقل إلى الغلمان الذين لم يصنعوا ماضياً لهم، والذين كانوا يبدون نوعاً من التخبط والتشوّش يمكنني من بلوغ أعلى درجات الشفافية واللّذة» – ص73
ثم ينتقل مباشرة من المثلية إلى الحديث عن القومية العربية وبعث الأمّة اللذين يمنحانه العزيمة!! ومن جديد يعود التساؤل الملتهب ليفرض نفسه : من أي مادة أولية تشكلت صورة مصعب المثالية التي سحرت لبّ هدى وأوصلتها إلى هذه الدرجة المغيبة من الولع المميت؟
قد يبدو مفارقاً لطريقة التحليل التقليدي أن نقول إن تلك المادة الأولية / العجينة قائمة في اللاّ شعـــــــــــــور / لاشعور هدى .
إنّها المادة التي تصاغ منها صورة الأب الرمزية التي يتسامى بها طموحنا التعويضي إلى مرتبة إله بعد سلسلة من النقلات المضلّلة التي يوغل الإبداع – إبداع عالية ممدوح الآسر – في تعقيد جسامة تضليلها الأخاذة . قد تكون هامة الملاحظة التي ذكرتها هدى في رسالتها الأولى إلى بثينة، ملاحظة عن أبي هدى من المؤكد أن لها دوراً في تصميم صورة ” رجل المستقبل ” التي تختزن في أعماق كلّ فتاة مثلما تشتق صورة «فتاة المستقبل» التي تختزن في أعماق كل فتى من صورة موضوع الحب الأثير – الأم . تشتق عادة إما بالمطابقة أو المناقضة. قالت هدى لبثينة وهي تكتب لها من المطار حيث تنتظر مصعباً وزوجته :«بثينة هذا حصاد الساعات الأولى، قبل اقتراب الجميل، كلا، ليس السيّد جميل أبي، الذي أقعده السكر والخبال والطيبة الحمقاء ولم يقعده المرض من الزواج بأربع ، هو الآخر كمصعب . ألا ترين أن أبي يستحق بعض الثناء، بل أكثر من عشر مرّات عن باقي أسياد العائلة ؟ جميل أبي هو الآخر كمصعب ، أمّا الجمال فها هو يردّد: يبدو أقل جـــــمالاً من قبل» – ص16 – . من الممكن أن نحتمل انغراس تلك الصورة المفرطة في الاستحواذ في وجدان الطفولة الهشّ . قد تشعل مزواجية الأب غيرة عميقة لكنه تستثير – في طبقة أعمق من الاحتدام النفسي – «أملاً» في نفس البنت في سهولة منال الأنموذج الذي أصبح متاحاً لأنه قام بتكثير الولاءات لتحل محل الولاء الواحد للأمومة المنافسة. هذا ليس شرطاً أساسياً فقد تتشكل الصورة الذكورية الأنموذجية على ركائز هي نقيض سمات الأبوة المشخصة فعلياً. تقول هدى لمصعب : «أنت أحد أعظم من أنجبته البشرية». إن اختفاء القدرة الكلية Omnipoternce – هو من نتاجات الموقف الطفلي المؤلّه لسطوة الأب . فالأب هو – بالنسبة للاشعور البنت – هو أعظم من أنجبته البشرية وليس واحداً منها . وهو «الفهد الذي يريد العودة إلى الغابة».. اللورد البريطاني.. فارس القرن السابع عشر.. فارس من مرحلة ما قبل التاريخ.. إنهم هكذا منذ الطفولة، وما قبل التاريخ، ودون أن يدوّن ذلك في الكتب.. هكذا وجوه وفقاقيع لم تتشكل بفعل الضغط أو الكبت، أو الانحراف، أو بفعل تجارب الماضي. إنهم هكذا بفعل الطبيعة، والله، والألواح، والأوامر، وبلا وعي دقيق بطباعهم، نراهم فيشوشوننا بصرياً وجمالياً وروحياً، فلا نعود نعرف الطمأنينة لا بصحبتهم ولا في التواري عن طريقهم» – ص82 – قوّة واحدة فقط – نختزنها في لاشعورنا الطفلي – قادرة على تفتيتنا وإعادة تشكيلنا، إعادة خلقنا، قوّة تحيي وتميت. هو الذي «يتبرعم» و«يتفرع» و«يتورم» في الجذور :
«ليس هو العضو الجديد في جسدي، ولا القطرة التي تريد التشكل وعلى مهل على سمائي. لا، عليّ اتخاذ شكله، عليّ الفوحان به وأنا بجواره، وأنا معه. وعليه إحالتي إلى تفاصيل متناهية في الصغر. وإعادة تجميعي وانتزاع ما يكسوني من حشائش متوحشة» – ص82 – .
سم محارمي
إنّ السمّ المحارمي الذي تنفثه أفعى اللاّشعور في شرايين الحركة الحبية اللاواعية لهدى هو واحد من أهم الأسباب التي جعلت علاقتها بمصعب تكون – في نهايات «نضجها» – أكثر تألقاً وتأججاً – وحسب شاهد شبه محايد هو ابنهما «مازن» – حين يتم تواصلهما عبر التلفون.. حب المحارم هو حبّ عن بعد.. بعد يتمادى في أبعاده.. حتى ليدفع بالطالب /الضحية إلى أن يتوه هارباً في عواصم الدنيا – وهو حال هدى – يقترب فتشتعل مشاعر الإثم التي لا تمنع الالتحام الأولي الحامي والإشباع المتأجج عبر تصافق مع سلطة الأنا الأعلى المراقبة المعاقبة التي تغيّب انتباهتها تحت أغطية إرادة التحمل ولعبة «الإنقاذ» المقابل . لكن سلامة هذا التحليل وسلاستها سوف تُجهض ، إذا لم نضع في حسابنا النقدي التحليلي الأنوثة المشروخة لهدى وميولها المثلية تجاه بثينة وصبيحة ودفعاتها المحارمية تجاه ابنها «مازن»… ولهذا وقفة تحليلية تحمل الكثير من التحدي.
عندما تقول هدى لبثينة إن «هذا الورق هو أول وآخر المنافي» ص50 فإنها تحيلنا من جديد إلى ظاهرة النجاح في «التواصل عن بعد» في الإفصاح المقتدر والصريح على الورقة في الوقت الذي لا تستطيع فيه هدى أو مصعب التواصل الخلاق والمسترخي في اللقاءات المباشرة . ولنتذكر أنهما كانا يتفاهمان بصورة جيّدة عبر صراع الإقدام والإحجام في علاقة حب مدّمرة . تقول هدى :هذا مصعب أمامي، الذي زيّن لي شجرة الحياة بالأشواك.. أما الحقائق فها هو يردّد: إنها في الأوراق ينبئ كم أن الحياة بين النساء والرجال شفيفة ودافئة في الكرّاسات، أمّا ذلك العالم الحيّ المشترك، الحامي والفريد الذي كوّناه يوماً، فما كان إلاّ تمويهاً» – ص78- وهذه عادة «المعصوبين» الذين يمتهنون الخسارات وتعذيب الذات وجلدها . وها هما هدى ومصعب لا يتحدثان بأيّ شيء حين يخرج مازن ووداد ويبقيان وحدهما في البيت . كان حوارهما عبارة عن مونولوج داخلي يراجع فيه كل منهما خساراته مع الآخر. جلسا وبينهما حزم الأوراق مربوطة بشريط فضي. حتى مصعب كان يكتب كل شيء لها ويحتفظ به لهدى في صيغة اعترافات . وحتى عندما كانا يعيشان في بيت واحد كان كل منهما يعيش في غرفة منفصلة . كانا وهما متجاورين في حالة حرب دائمة لا يهدأ أوارها . طرف يوجه الألم وآخر يستقبله ليهضمه ويتمثله ويعيد تصديره إلى الطرف الأول الذي يستقبله بطريقته .. وهكذا. يقول مصعب: «.. سبع سنين وأنا لا أعرف إلاّ ذلك الهوى والسعير معاً . شجار وموت وخبال، لكننا بعد ذلك يتكئ أحدنا على الآخر وندري أننا نشعر بلذة أشد عندما يطرد أحدنا الآخر من روحه وبالتالي نعود أشدّ وأعنف. كانت مسرورة أن تتحدث عن نفسها عني ، وكنت أستطيع نطق اسمها مجدداً حتى لو قطعته من الحقد عليها، فكانت تكتب إليّ بعد أن تغادرني : ها أنا أتمرّد عليك يا سيدي وأفرّ من فردوسك. إن الطغاة يزرعون الحرية والتمرد داخل الضحية من حيث لا يدرون » – ص105 –. لكن هدى تتناسى الحقيقة المكملة وهي أن الضحية تبحث أحياناً عن جلادها .. وتلتحم به وتستثيره ، حتى إذا أوقع بها الإيلام المطلوب وتسلمت جرعة العذاب الكافية ، فكت الاشتباك منهكة لكن مشبعة . تبتعد لتمارس عدوانها الخاص وبطريقتها الخاصة وهي أن تحرم الجلاد من الضحية .. فيتصاعد غليان الإحباط في أعماق الأول.. ويتعذب فعلاً من ألم الخواء الذي يعصف بحياته.. ولكن تراكم شحنات العدوان يعدّه – في الواقع – لمجابهة التحام جديدة.. وهكذا. ولكن هذا لا يعني أننا أمام طرفين تاميّ النقاوة من ناحية الشحنات المرسلة – السادية – والشحنات المستقبلة – المازوخية –. إننا أمام «تركيب» جديد – هيغلي نفسي إذا جاز التعبير – كما قلنا سابقاً – والتركيب الجديد سيكون له فعل راجع في تشكيل نتاج التحام الدوافع السابقة. إن الطرفين يقفان الآن وسط مجال نفسي جديد على كليهما لكنه يمارس تأثيراته الحاكمة في كل منهما. إنه ينمي مواضع استقبال من جهة المرسل ونقاط إرسال في سواتر الذات المستقبلة . فالقول إنّ مصعب كان سادياً ومولغاً في إيلام هدى لا يعني أنه لم يمر بلحظات كان يبكي فيها حين تخبره هدى أن الانفصال والطلاق هو خيارها النهائي والمناسب لحسم مصير علاقتهما المضطربة . وينطبق هذا الأمر على هدى أيضاً فلم تكن تلك الضحية العزلاء الكسيرة الجناح . كانت بدورها – في جوانب من سلوكها تجاه مصعب – نمرة صعبة الترويض وقادرة على اصطناع وتوجيه الأذى ضد الطرف الآخر. ولعل أفضل وصف لحالة «التركيب» الصراعي الجديد هو الحيرة التي يبديها مازن الشاهد /الضحية/ أيضاً من علاقة أمه وأبيه العاصفة : «لم أعرف حتى اللحظة ما يفرقهما أصلاً ؟ هل لأنهما متماثلان في القوة والخذلان، في التسلط والأنانية، في الحنان والمرارة، في النذالة والشرف ولم أعد أدري ولا أفهم، وكلما حاولا، كلّ من جانبه، إفهامي، بدت المسألة، أشد تعقيداً، فتركت الأمور كما هي» -ص47.
تصيب الدهشة أي مراقب يحاول رصد طبيعة العلاقة المدّوخة بين الطرفين لأنه لن يتعامل مع وجهين متقابلين حادّين قاطعين . نحن هنا أمام «الوجه الثالث للعملة» وهو الوصف الأكثر دقّة . وقد انعكست دوامة هذه العلاقة الشائكة بين هدى ومصعب على طبيعة المفردات التي تستخدمها الكاتبة لوصف تلك الصلة والتي تنثرها بين ثنايا أفكار وحوارات ومونولوجات شخوص روايتها ، فهي مفردات ذات مضامين «حربية». فقد تكاثرت ألفاظ الشظايا، التفجيرات، الدم، البتر، العدو، فرق المشاة، الاشتباك، طلقات النار، تقول هدى :
«إنّ هذا التلاقي في البيوت لا يتم دائماً عبر الحبّ، بل على العكس، إن ذلك سيكون أجمل عبر الحرب.. حانت ساعة الوصول إلى الثكنة . ها نحن الأربعة نبدو كصف من جيش لا نظامي» – ص37 –.
ويقول مازن :«أحتمي من طلقات النار التي يطلقانها على بعضهما ، كأنهما في أرض الأعداء عدوان يبتدعان كل ثانية أساليب في الإخفاء والتغطية. ينظمان طرق المواجهة، ويلتقطان النفس للجولة القادمة. هي الحرب في الداخل، أما فرق المشاة فإنها.. تتصدر الواجهة» – ص 46 – وراجع ص 82 ، 83، 86، 106، 112، – وغيرها . إنّ الأمر الذي جعل علاقة هدى بمصعب هادرة متذبذبة ومربكة ومضطربة هو أنوثة هدى المشروخة وخصوصاً اختلال هويتها الجنسية الذي انعكس على دورها الجنسي . ولا يتمثل هذا الشرخ في إعلان مصعب لها وبصورة تكشف عدم قدرته على الإمساك بـ «هوية» الشريك وذلك حين يهجس أمامها بتردّد أول الأمر أن لديها رجولة لا يدري أين تكمن وأن أنوثتها لا تعود إلى الجنس إطلاقاً بل إلى اتقاد المواهب والشخصية العنود.. وهذا الإفصاح وغيره الذي ترسمه الكاتبة يعبّر عن قلقها هي نفسها ووقوعها في شباك مصيدة صراع البطلة هدى ، لأن الشخصية العنود – مثلاً – لا تضفي أي مسحة أنثوية على الزوجة في نظر الزوج – الذي يجب أن لا ننسى ميوله المثلية – الذي كان يردّد بعد المشاجرات والنكد: «أنت قطعت عليّ نظام الجنس السليم معك . لعلك خلقت رجلاً، لعلّك تتسلّين بكونك أنثى. ولعل جسدك يخفي تحت الثياب جميع الحشرجات. وبفضل هذا فأنا لا أستطيع لمسك ثانية. أنا لا أعرفك. من أنت؟ لم أكن أقترب منك إلاّ أتعبني ذلك الشعور. كأنك تحملين رشاشاً تريدين إطلاق رصاصه كلّه على رأسي وبدني وأعضائي» – ص80 –.
وليس هذا حسب وهو ما يؤكده قولها إنها لم تصل الذروة معه ولم ينتظرها ليصلا معاً أبداً حيث تكون البرودة من نتاج الأنوثة المشروخة ، وليس لأنها تعلن عن دهشتها لأن مصعباً كان يقفل عينيه وهو يقبلها في حين أنها لم تنـزع بصرها عنه وهو يقبلها ، وهو سلوك مناور يقلب طبيعة الاستثارة السمعية للمرأة ويجعلها بصرية ذكورية من ناحية ، ويجعل دورها الاستقبالي للاختراق الفموي – والقبلة عملية جنسية مصغرة – راصداً ومبادراً من ناحية أخرى ، ولكن لأنها ” أدركت ” محنة الأنوثة المشروخة منذ وقت مبكر من حياتها . كانت عمتها تقول لها :
«أنت مثل الرجل. انظري إلى مشيتك وألوان قمصانك، لا أدري من سيروق له الزواج بك؟» – ص 132 –.
وهي نفسها تتحدث عن طبيعتها الغلامية وهيئتها الوقحة وقدرتها على توجيه العدوان وضرب أي أحد، ولعل من أكثر متنفسات التعبير الماكرة عن الصراعات والرغبات الدفينة التي يلجأ إليها اللاّشعور هي استخدام صيغة «لو» حين يمارس الفرد ما يتمناه من خلال مزاولة ” تمني التمني ” . تقول هدى لبثينة :
«لو أنني رجل سأكونه حقاً. لا أبالغ في فحولتي ولا أرتاب في رغباتي . عليّ الاسترسال في صداقة جسدي وكشف الفجوات التي تحيط به، وأذرع المدينة ذهاباً وإياباً وأنا غارق في التأمل : هل أنا رجل حقاً ؟ أم أنّ لدي ميولاً مثلية؟» ص 132.
وفي هذا الموضع، من بين عشرات المواضع الأخرى ، تكشف الأسلوبية المتضادة التي تجهض نتائجها مقدماتها ، وتشوش تساؤلاتها المهتزة يقين التمنيات والوقائع على حدّ سواء ، التحام الكاتبة المبدعة ببطلتها في «محنتهما» المشتركة . ولا يوجد غير هذه الطريق : طريق يكون فيها الشخوص في العمل الإبداعي قطعاً حية من لاشعور وحياة المبدع وذاته الفعلية أو المتخيلة ، من وسيلة لتحقيق مصداقية الكاتب ولا أدري وفق أي مبرر يموت المؤلف وبمن يرتبط شخوص أي نص ومن أيّ طينة يتشكّلون إن لم تكن طينة لاشعور المبدع الساخنة الخلاقة ؟ ولا ينبثق التساؤل الإنكاري الأخير: هل أنا رجل حقاً ؟ أم أنّ لديّ ميولاً مثلية ؟ من «فراغ» الذهن، بل هو ينطلق حييّاً من حقيقة ممتلئة في الداخل تتململ تحت قبضة الكبت . وإذا كان التعبير الصارخ عن الميول المثلية يتجسد في علاقة هدى بصبيحة، تلك العلاقة التي تقدّمها لنا الكاتبة – من خلال ذكريات وأحاديث هدى التي تطرح بصورة «بعدية» حيث تتكفل «المسافة الزمنية» بالكثير من التحريف لأن هدى تنقل لنا عبر «مصفاة» كبوتاتها ومقاوماتها لمحات تفصيلية عن اندفاعات صاحبتها الأثيرة «صبيحة» ? تلك اللمحات التي سنجد – مع عناء الربط والتحليل ولعبة «القلب» التي هي تقنية حلمية أصلاً تتكفل بإشباع الرغبة الدفينة – أنها وفي كثير من الأحيان «مُسقطة» من الراوية / الناقلة بطريقة تقترب كثيراً من لعبة تاريخ الوقائع التي ينقلها مؤرخ عن «مصدر» ميت أو مغيّب، ولكي نكشف مقدار صلة – أو «تلاعب» – الناقل، علينا أن نجمع القرائن على توفر «مصلحة نفسية» له في ما ينقله إلينا من تلك الذكريات والوقائع. كانت صبيحة – حسب ما تنقله لنا هدى – تندفع باستماتة نحو الأخيرة كموضوع حبّ برغم أنها تمارس الجنس مع زوجها مصعب في الوقت نفسه ، وكان الثلاثة يعرفون ما يجري بينهم. تقول صبيحة لهدى : «أحبّك يا هدى.. أحبّك أنت.. كل شيء سدى سواك. كلّ مضاجعة معه ومنذ البداية كانت باطنياً معك لأنه سبق أن نام معك.. وحين يضمني بذارعيه.. أستعيدك وأنا بين ذراعيه.. إذا قبلته فلأن شفتيه بدأتا بك» ص142. هذا الولع الصريح المدوّي تقابله استجابات «شعرية» حسيّة مناورة من قبل هدى برغم أنها توصل تحت بصيرة المحلل النفسي الثاقبة إلى النتيجة نفسها حيث تقول لبثينة بأن عرقهما – هي وصبيحة – كان يسيح ويكشفهما وهما تقفان في الممر :«في تلك اللحظة لم يعد جسدها هو الذي ينقشع أمامي، زادت سمرتها وبدا من تحت الجلد شسريانها والدم سينبثق منه، يتماوج، حتى إ نه كان على وشك أن يحدثني وبصوت مسموع» ص143.























