


مروان ياسين الدليمي
لَمْ نَكُنْ نَبْتَسِمْ
كُنَّا نَتَمَسَّكُ بِالْمَكَانِ
كَمَنْ يَخَافُ أَنْ يُطْفَأَ فِي اللَّقْطَةِ.
هِيَ . . . جَذْرٌ يُخْفِي تُرَابَهُ فِي مَنْدِيلٍ
وَأَنَا. . . بِذْرَةٌ تَنْظُرُ إِلَى الأَعْلَى
تَسْتَشِيرُ النُّورَ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ.
الكَامِيرَا كَانَتْ مِرْآةً غَافِلَةً
تَتَظَاهَرُ بِالتَّثْبِيتِ
وَهِيَ تَخْلُقُ شَقًّا
يَمُرُّ فِيهِ الزَّمَانُ بِلا أَصْوَاتٍ.
فِي تِلْكَ الثَّانِيَةِ الَّتِي لَمْ تُحْسَبْ
كُنَّا نَقِفُ كَتِفًا إلى كَتفٍ بِظِلٍّ واحدٍ
هِيَ تَحْمِلُ وَقْتًا لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ ،
وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَتَذَكَّرَ مَنْ أَكُونُ.
عَيْنَاهَا… صَدَفَتَانِ تَحْرُسَانِ سِرًّا بَعِيدًا
وَعَيْنَايَ …مَاءٌ يَجْهَلُ فِيمَ يَنْعَكِسُ.
هِيَ لَا تَنْظُرُ نَحْوَ العَدَسَةِ
إِنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُفْلِتَ مِنْهَا
كَأَنَّهَا تَخَافُ
أَنْ يُعِيدَهَا الضَّوْءُ
إِلَى مَكَانٍ تَرَكَهُ الحَنِينُ مَفْتُوحًا.
يَدُهَا كَانَتْ عَلَى كَتِفِي
وَلَكِنَّهَا تُمْسِكُ بِعُمْرٍ لَا يَظْهَرُ فِي الصُّورِ.
كُلَّمَا رَفَعَتِ الكَامِيرَا جَفْنَهَا
سَقَطَ ظِلٌّ جَدِيدٌ فِي الزَّاوِيَةِ الَّتِي نَنْسَى أَنْ نُطَالِبَهَا بِالذِّكْرَى.
لَا أَعْلَمُ إِنْ كُنَّا نُوَثِّقُ شَيْئًا ،
أَمْ نَتَخَلَّى عَنْهُ فِي هَذِهِ اللَّقْطَة
كَمَنْ يَضَعُ خُطُوَاتِهِ فِي فُوَّهَةِ قَمَرٍ
وَيُوَزِّعُ النُّسْخَةَ عَلَى نِسْيَانٍ سَيَأْتِي.
بَعْدَ أَنْ طُبِعَتِ الصُّورَة
لَمْ تَبْقَ هِيَ…
بَل بَقِيَتْ مَسَاحَةٌ بَارِدَةٌ تُشْبِهُهَا.
أَتَطَلَّعُ فِي المِلَفِّ
كَمَنْ يُفَتِّشُ فِي صُوتٍ مَسْبُوق
عَيْنِي عَلَيْهَا
وَلَكِنَّ نَظَرَهَا كَانَ عَلَى شَيْءٍ لَا يُطْبَعُ.
رُبَّمَا كَانَتْ تَرَانِي
وَأَنَا لَا أَزَالُ نِيَّةً
صُورَةً سَتَكْبَرُ عَلَى نَقْصٍ لَا يُقَال.
فِي كُلِّ صُورَةٍ نُوقِظُ شَخْصًا مَا مِن نَوْمٍ لَمْ يَنَمْهُ
وَنَسْأَلُهُ : هَلْ كُنْتَ أَنْتَ،حِينَ نَظَرْتَ نَحْوَ العَدَسَة ؟ .
عِندَمَا تَمُوتُ الصُّورَةُ لَا يَتَبَقَّى مِنْهَا سِوَى الحَوَافِّ
تَتَآكَلُ مِثْلَ ذِكْرَيَاتٍ قَدِيمَةٍ كَأَنَّهَا هَشَّةٌ،
مِثْلَ عِظَامٍ خَائِفَةٍ مِنَ الزَّمَنِ.
أَنَا أَرْكُضُ فِي المِرآةِ الَّتِي تَرَكْتُهَا وَرَاءَنَا
وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ
أَجِدُني أَكْثَرَ وَحْدَةً فِي الفَرَاغِ الَّذِي تَرَكتْهُ هِيَ بِيَدٍ فَارِغَةٍ
وَرَأْسٍ يُعِيدُ سَرْدَ مَا كَانَتْ سَتَقُولُهُ
لَوْ كَانَتْ قَدِ التَقَطَتْ نَفْسَهَا
قَبْلَ أَنْ تَهْرُبَ مِنْهَا الكَامِيرَا.
هَلْ نَحْنُ فِي الصُّورَةِ أَمْ نَحْنُ فِيهَا ؟
هَلْ كَانَ وَجْهُهَا هُنَاكَ فَقَطْ ،
أَمْ أَنَّ كُلَّ مَلَامِحِي هِيَ مَرَايَا مُغْلَقَةٌ عَلَى لَحْظَةٍ سَابِقَةٍ ؟
مَا الفَرْقُ بَيْنَ أَنْ نَكُونَ مَرْئِيِّينَ ،
وَأَنْ نَكُونَ فِي لَحْظَةٍ تُكْتَبُ وَلَا تَعُودُ ؟.
الصُّوَرُ لَا تَسْأَلُ عَنِ الكَلِمَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَتَقُولُهَا
وَكُلَّمَا مَرَّ الزَّمَنُ تُصْبِحُ الجُمَلُ أَكْثَرَ ضَبَابِيَّةً
مِثْلَ أَصْوَاتٍ تَائِهَةٍ
بَيْنَ طَيَّاتِ الثِّيَابِ القَدِيمَةِ.
كُنَّا نَرْكُضُ مَعًا نَحْوَ لَحْظَةٍ
لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُعِيدَهَا إِلَّا فِي الخَيَالِ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مِرْآتِهِ الخَاصَّةِ
يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ مَنْ ظَلَّ هُنَاكَ
لَكِنَّ الصَّوْتَ كَانَ دَائِمًا غَرِيبًا عَلَيْنَا.
هِيَ،
بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتِي لَمْ تَحْتَفِظْ بِهَا الكَامِيرَا
وَأَنَا،
بِجَسَدِي الَّذِي يَزْدَادُ هَشَاشَةً
كُلَّمَا اقْتَرَبَتِ اللَّحْظَةُ مِنِ انْقِشَاعِهَا.
هَلْ يُمْكِنُ لِلصُّوَرِ أَنْ تُحَاكِيَ الرحيل ؟
أَمْ أَنَّنَا نَخْلُقُ الرحيلَ فِيهَا بحثا عَنْ وَجْهٍ ضَاعَ ،
ولربما لَمْ نَكُنْ نَبْحَثُ أَصْلًا ؟ .
الصُّوَرُ تَخْتَفِي أَوَّلًا فِي دَاخِلِنَا
ثُمَّ تَخْرُجُ إِلَى الضَّوْءِ كَجُثَثٍ مَجْهُولَةٍ
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ كَيْفَ وُلِدَتْ
وَلَا مَتَى بَدَأَتْ تَتَنَفَّسُ فِينَا.
لَكِنَّنَا نُؤْمِنُ أَنَّهَا هُنَاكَ
تَحْتَفِظُ بِحَقِيقَةٍ
كَانَتْ قَدْ حُلَّتْ فِي لَحْظَةٍ غَامِضَةٍ.
أَلَمْ يَكُنِ الهَدَفُ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ أَنْ نُثَبِّتَ وُجُودَنَا أَمَامَ الزَّمَنِ ؟
لَكِنْ،
مَا الَّذِي نُثْبِتُهُ حِينَ تَمُوتُ الصُّورَةُ ؟
هَلْ نَحْنُ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ بَقُوا
أَمْ نَحْنُ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ رَحَلُوا فِي اللَّقْطَةِ ؟
أَمَامَ الكَامِيرَا
لَمْ تَكُنِ الكَلِمَةُ هِيَ الوَحِيدَةَ الَّتِي تُنْطَقُ
كَانَتْ هُنَاكَ كُلُّ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا نَعْرِفُ كَيْفَ نَرَاهَا
فِي عُيُونِ مَنْ يَخْتَفِي عَنَّا.
الغَرِيبُ أَنَّنِي كُلَّمَا عُدْتُ لِلصُّوَرِ
كُنْتُ أَجِدُنِي أَبْحَثُ عَنِ الوُجُوهِ
لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِي.
هَلْ كَانَ الزَّمَنُ فِعْلًا غَائِبًا فِي الصُّورَةِ ؟
أَمْ أَنَّنِي كُنْتُ أَرَاهُ يَتَنَاثَرُ بَيْنَ يَدَيَّ ؟
هَلْ تَتَنَاثَرُ اللَّحَظَاتُ كَمَا يَتَنَاثَرُ الرَّمْلُ
عِنْدَمَا نُحَاوِلُ الإِمْسَاكَ بِهِ؟ .
لَمْ تَذْهَبْ جَدَّتِي
لَمْ تَذْهَبْ حَقًّا
هِيَ الآنَ تَلْمَسُ يَدَيَّ
فِي كُلِّ خُطْوَةٍ أَكْتُبُهَا
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ.
هَلْ كَانَ وَجْهُهَا يَوْمًا عَلَى الكَامِيرَا ؟
أَمْ كَانَتِ الكَامِيرَا مُجَرَّدَ فَخٍّ لِلذَّاكِرَةِ ؟
أَوْ أَنَّنِي، كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهَا فِي عَالَمٍ لَا يُشْبِهُهَا،
فِي صُورَةٍ غَيْرِ مُكْتَمِلَةٍ؟ .
لَمْ تَتْرُكْ لِي سِوَى الكَامِيرَا
لَكِنْ كُلَّمَا ضَغَطْتُ عَلَى الزِّرِّ
لَا أَلْتَقِطُ شَيْئًا سِوَى الفَرَاغِ.
تِلْكَ الصُّورَةُ
الَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تُثْبِتَ الوُجُودَ
هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي تَهْدِمُهُ
وَتُذَكِّرُنِي كَيْفَ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَرَى وَجْهَهَا
بَلْ كُلَّمَا حَاوَلْتُ التِّقَاطَهُ
غَابَ عَنِّي أَكْثَرَ.
وَأَنَا أَمَامَ الكَامِيرَا
لَمْ أَعُدْ أَخَافُ مِنَ الوُجُوهِ البَاهِتَةِ.
لَقَدْ رَحَلَتْ
لَكِنَّ ظِلَّهَا يَمْلَأُ المَكَانَ
كَأَنَّهَا تَمْتَدُّ إِلَى الحَوَافِّ كُلِّهَا .
فِي كُلِّ لَحْظَةٍ أَعُودُ إِلَيْهَا
أَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُمْسِكَهُ
أَبْحَثُ عَنْ ضِحْكَتِهَا فِي صَوْتِي
عَنْ يَدِهَا فِي يَدِي
عَنْ الحُلْمِ الَّذِي كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ عُيُونِنَا
وَأَنَا أَعِيشُهُ وَحْدِي الآنَ.
هَلْ كَانَتْ هِيَ الوُجُودُ ؟
أَمْ كُنْتُ أَنَا الحُلْمَ الَّذِي تَحْمِلُهُ ؟ .
إِنَّهَا الآنَ هُنَاكَ
فِي كُلِّ زَوَايَا اللَّحْظَةِ الَّتِي هَرَبَتْ
تَجْعَلُ مِنْ غِيَابِهَا فَجْرًا لَا يَغِيبُ.
الصُّوَرُ تَذُوبُ فِي اللَّحْظَةِ
الوَقْتُ يُصْبِحُ زُجَاجًا
تَسْقُطُ عَلَيْهِ أَصَابِعُ الرِّيَاحِ
تَكْتُبُ عَلَى حَافَاتِهِ كَلِمَاتٍ لَنْ تُقْرَأَ أَبَدًا.
الوَقْتُ،
يَسْحَبُ ظِلَّهَا بَعِيدًا
وَيَتْرُكُنَا فِي مَكَانٍ لَمْ يُذْكَرْ
هُنَا، حَيْثُ لَا لَحَظَاتٍ تُجَسَّدُ
وَلَا شَيْءَ يَحْدُثُ إِلَّا فِي العَدَمِ.
هَلْ كُنَّا هُنَاكَ حَقًّا ؟
أَمْ كَانَتْ كَامِيرَتِي تِلْكَ المِرْآةَ الَّتِي لَا تُجِيبُ؟ .
عِنْدَمَا تَتَسَاقَطُ الوُجُوهُ كَخُيُوطٍ سَائِلَةٍ
هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ الوُجُودَ كَانَ يَوْمًا هُنَا،
أَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ ضَبَابًا يَتَدَفَّقُ بَيْنَ الأَيْدِي وَلَا يُمْسَكُ ؟ .
كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنَ الصُّورَةِ ابْتَعَدَتْ ،
وَكَأَنَّنِي أَبْحَثُ عَنْ جَسَدِي فِي جَسَدٍ آخَرَ ،
فِي المَكَانِ الَّذِي تَرَكْتُهُ حِينَ رَحَلَتْ .
لَكِنَّنِي لَا أُدْرِكُ،
هَلْ هِيَ مَنْ رَحَلَ ،
أَمْ أَنَّنِي أَنَا الَّذِي غِبْتُ ؟
صَمْتٌ…
هُوَ مَا يَبْقَى عِنْدَمَا لَا نَعْلَمُ كَيْفَ نَمْلَأُ الفَرَاغَاتِ
هُنَاكَ حَيْثُ لَا أَحَدَ مَوْجُودٌ فِي الصُّورَةِ
وَحَيْثُ تَتَدَاخَلُ الوُجُوهُ فِي الضَّوْءِ
تَذُوبُ الذِّكْرَيَاتُ
لِتُصْبِحَ طَيْفًا يَحُومُ عَلَى أَطْرَافِ الحُرُوفِ.
هَلْ كَانَ وَجْهُهَا أَكْثَرَ مِنِ انْعِكَاسٍ
أَمْ كَانَ هُوَ السُّكُونَ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ وَنُحَاوِلُ تَلَمُّسَهُ ؟
هَلْ نَحْنُ جُزْءٌ مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي نَنْقَضُّ عَلَيْهِ
أَمْ أَنَّ الزَّمَنَ هُوَ الَّذِي يَلْتَهِمُنَا
لِكَيْ يُعِيدَنَا إِلَيْهِ فِي صُورَةٍ مَبْتُورَةٍ ؟
أَمْ تَظَلُّ الصُّورَةُ مُجَرَّدَ حُلْمٍ
يُعَادُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ
وَلَا نَجِدُ لَهُ تَفْسِيرًا؟
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ
أَقِفُ أَمَامَ الفَرَاغِ
أُحَاوِلُ أَنْ أَتَذَكَّرَ
كَيْفَ كَانَ الصَّوْتُ الَّذِي يَسْكُنُهُ ؟
أَسْتَرْجِعُ نَفْسِي فِي غِيَابِهَا
تَتَحَدَّثُ إِلَيَّ بِكَلِمَاتٍ لَمْ أَسْمَعْهَا
وَيَخْتَفِي الصَّوْتُ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ.
هَلِ الغِيَابُ هُوَ الَّذِي يَعْلُو؟
أَمْ أَنَّ الوُجُودَ هُوَ الحَقِيقَةُ فِي هَذَا الغِيَابِ؟
























