
أولئك أصحابي لحميد سعيد
طبعة جديدة تتخطى السائد والمألوف
شكر حاجم الصالحي
منذ أن قرأت له ((شواطئ لا تعرف الدفء )) أدركت ان نصوصه تشير الى شاعر مهم سيكون له حضوره الفاعل في المشهد الشعري العراقي / العربي الذي شهد وقتها انبثاق موجة التجديد المشاكس على ظهور نصوص الجيل الستيني الذي أحدث نقله نوعية / معرفية في جسد وبنية الشعر السائد ، وكان إعجابي بنصوصه غير مبرأ من موجهات كان لها كبير الأثر في هذا الأعجاب المبرر ، فهو أبن مدينة ننتمي معاً الى ثرائها الحضاري واسهاماتها الكبيرة في الحضور الأنساني مضافاً الى هذا الانتماء المحبب المشتركات في الرؤية الفكرية حد الأندماج والتطابق حتى بلغ الحماس بي أعلى مراحله ، فكتبت في العدد الأول لمجلة الطليعة الأدبية / العراقية الصادر في منتصف عام 1975 ، عرضاً لكتاب الصديق محمود جابر عباس (( الثورة في شعر حميد سعيد )) الذي تناول تجربة الشاعر في بداياتها الجنينية .
قراءة وحياة
وعلى مدى السنوات اللاحقة تعرفت على حميد سعيد الشاعر الانسان وقد أضافت تلك المعرفة الكثير من المزايا وعلمتني المزيد من الدروس في القراءة والحياة ، وتوثقت صلتي بأخي حميد سعيد يوم كنت رئيساً لاتحاد ادباء بابل لدورتين متتاليتين ، اذ أقترحت على الشاعر اعلان جائزة مسابقة سنوية للشعر بأسمه لتكون تقليداً راسخاً للأحتفاء بالشعراء الشباب ورعايتهم ، لكنه إعتذر عن إقتران الجائزة بأسمه الكريم مقترحاً ان تكون باسماء شعراء حليين غيره تواضعاً منه واحتراماً لرموز الحلة وقاماتها الأبداعية ، إلا أن تشبثي بمقترحي وتسويقه بمبررات معقولة جعلت إستجابته وموافقته نهائية وبالأيجاب مع التوجيهات السديدة له عن شروط المسابقة المقترحة واللجنة المشرفة الفاحصة للنتاجات المشاركة ، وعلى مدى أربع دورات لها ، أفاض على إتحادنا برعايته المادية وحضوره الشخصي ولم نستكمل مشوارها بفعل ماجرى خلال الغزو الاميركي وإكتفينا بطبع حصيلتها في أربعة كتب إنيقة نالت في حينها الأعجاب والثناء من قبل المشتغلين في الثقافة الوطنية ، وتواصلت علاقتي الشخصية بأخي حميد سعيد بعد إقامته في عّمان وطناً له عبر وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي والمباشر ومازلت أحظى بحصتي من إصداراته الجديدة التي تصلني عبر البريد ، فأستمتع بقراءاتها التي تزرع الأمل في النفوس وتعيد الثقة بعد أن جرى ما جرى من تدمير وخراب …لوطننا الجميل ، وذات نهار أيلولي قائظ تصلني ثلاثة كتب هي (( سنين عمّان )) لمؤلفه سليم النجار عن تجربة الشاعر (الأردنية ) ، و [ جدلية الشكل والمضمون ــ حفريات نقدية في متن حميد سعيد الشعري ] لمؤلفه نضال القاسم ، و [ اولئك اصحابي ] مجموعة شعرية بطبعة ثانية صادرة عن [ مرسال / ناشرون و موزعون ] عام 2017 ، ومن شوقي ومحبتي لأخي حميد سعيد وتجاربه الأبداعية ، أنهمكت في قراءة [ سنين عّمان ] وكتبت رأياً انطباعياً عنه في مجلة مدارات الأردنية في عددها الثاني عشر ، ونشر موقع الصدى نت الالكتروني ذلك الرأي على صفحاته ، اذ أحدث أصداءً طيبة من قرائه العراقيين الطيبين ، ولشغفي بشعره إنكببت على قراءة مجموعته الشعرية [ أولئك اصحابي ] ورأيت أن أكتب عنها مقالة إنطباعية ترحيبية معجباً بنصوصها الخمسة عشرة ، التي أجد ان الشاعر الكبير حميد سعيد ( قد ) تفرّد في أنجازها متخطياً السائد والمألوف في الشعرية العربية ، فهو كما أزعم لا بل أُأُكد ان ما من شاعر عربي سبقه في مثل هذه التجربة الرائدة باختياره لمتون روايات عالمية وعربية واعادة كتابتها شعراً برؤية وثقافة خاصة خالصة ابتكرها الشاعر وصاغها بمهارة المبدع الراسخ والمثقف العضوي المنسجم مع ما يؤمن به من أفكار إستمدت مقوماتها وإجتهاداتها من بيئته المحلية المفعمة بالتجارب المتراكمة الحية فهو تناول الروايات التالية : موبي ديك لهرمان ملفل ، عوليس بطل ملحمة شاعر الاغريق الاكبر هوميروس ، الشيخ والبحر لأرنست همنغواي ، أنّا كارنينا لتولستوي ، الدكتور زيفاغو لبوريس باسترناك ، مدام بوفاري لفولبير ، وتشرق الشمس ثانية لارنست همنغواي ، لم يجد الكولونيل من يكاتبه لماركيز ، زوربا اليوناني لكازنزاكي ، السي سيد من ثلاثية نجيب محفوظ ، صمت البحر لفيركور ، دون كيخوتيه لسرفانتس ، الأخوة كرامازوف لديستوفسكي ، عشيق الليدي شاترلي لــ د ــ هــ ــ . لورنس ، والأخوة الاعداء كازنزاكي ، ومما يجدر الأشارة إليه ان الشاعر حميد سعيد إختار عملين كبيرين لكل من : همنغواي وكازنزاكي ، ولابد لهذا الاختيار من مبررات موضوعية متروك تقديرها للشاعر ذاته ، وخلال قراءاتـي لـ(( أولئك أصحابي )) اتضح ان جميع نصوصها انتجها الشاعر خلال عام 2013 ، بدأها في [ تجليات الماء] المؤرخة 12/3/2013 واختتمها بــ (( الأخوة الاعداء )) المؤرخة في 8/ 12/ 2013 مما يدل حسب ما أرى ان حميد سعيد كان غزير الانتاج الشعري في هذا العام ، وربما في اعوام أخرى كذلك لم أطلع عليها ، لا سيما وانني حسب معرفتي بالشاعر وقد سمعت منه مرات عديدة انه مقلُّ في الكتابة الشعرية وقد يتوقف احياناً لسنوات عنها ، ولكن لعّمان كما يبدو اشتراطانها ومناخاتها وقلة شواغلها …
اخوة اعداء
على أية حال :
سأحاول هنا تقديم [ الأخوة الاعداء ] ص 143 ، وهي النص الأخير في [ أو لئك أصحابي ] قراءة إنطباعية تذوقية ولا أفشي سراً اذ قلت : وبأعجاب وحميمية ووفاء لقامة شعرية عربية كبيرة وآخ لي لم تلده أمي العلوية ، فأنا قارئ شغوف ومنتج نصوص شعرية متواضعة وليس معي من عدة النقد أي مفردة من المناهج المتداولة ، ولكي لا يقال عني مالا أريده أكرر ما قلته ان قراءتي لهذا النص ولغيره من ابداعات حميد سعيد إنما هو عن حب لا ينقطع ووفاء لا يوازى ما أغرقنا فيه الشاعر من محّبة وتقدير على مدى العقود التي مرت … وله أعتذر عن هذه القراءة القاصرة وأتمنى لتجربة الشاعر أن تنال المزيد مما نالته من دراسة ومتابعة يستحقها عن جدارة حقيقية …
يقول الشاعر حميد سعيد في [الأخوة الأعداء ] :
في كتاب الأساطير تمحو الأساطير / للأزرق الأثيني … / قال …
كل من ألتقيه في هذه المدينة / لِمَ ولماذا … تشوّه هيلين صورة
هيلين / ولماذا … يسفّه هومير أشعار هومير / كنت أقول … من
هي هيلين / وانا ما سمعت بهومير / لم أرَ في ما قرأت من
كتب الأقدمين / أو كتب المحدثين .. أخباره / أو تأكد لي ما يقال /
بعد أن نزلت في البلادِ النوازلُ / أصحو على هرج … /
يكشف حميد سعيد هنا عن مصائر قتيلة وأسماء غريبة أسهمت في خراب المدينة بعد ان وفرّ لها الغزاة أغطية التسلط على الرقاب ومطاردة أهل البلاد الاصليين ، ويمضي في استنكاره وسخريته وادانته لما حدث ( كنت أقول من هي هيلين ) و ( أنا ما سمعت بهومير ) هذه النكرات التي عاثت في الارض دماراً لم يكن لها من جذور في هذه التربة الطيبة ولا في كتب الاقدمين ولا المحدثين ..
غريب اجنبي
انه الوباء الذي وفد مع الغريب الأجنبي الطامع بثروات البلاد وحضارته وتهيأ له من يقدّم له ما يشاء من ( خدمات خيانية ) إنتقاماً من كل ما هو جميل في هذا الوطن العريق ، ويمضي الشاعر حميد سعيد :
هذا الفضاء الذي لا حدود للشعر فيه / للحبَّ والأسئلهْ / صار حقل
رمادٍ تمدّد في كتب السَفهِ / إقترح السفهاء / ان تطرد البلاد بساتينها /
ويكون على كل منعطف مقصلهْ / وتودع أشجاره السود في كل غضٍ تدلّى
على الطرقات / ومسّ حجارتها .. قنبلهْ / وسيزرعه القتلهْ / حنظلاً … /
أوَ كنّا على موعد بالذي كان …
انه نص يفيض بالمرارة والألم ، ففيه نتلمس رقابنا ونحن نعيش في ظل من جاء به الأجنبي وليس سوى الانتقام والنهب هدفهم الحقيقي رغم كل ما قيل من إدعاءات كاذبة واعلام مضلل انتجته آله الحرب العدوانية التي استهدفت كل وطني مخلص ذاد عن أرضه وعرضه … ويلخص الشاعر حميد سعيد توصيف المأساة العراقية الراهنة بما يجعل قلوبنا تقطّر دماً على عراقٍ تناوشته مخالب الغزاة ومن شايعهم وخير ما أراه خاتمة لهذه القراءة الموجعة ما قاله الشاعر الكبير حميد سعيد في [ الاخوة الاعداء ] الذين لم يكونوا سوى بيادق في جيش الغاصب المحتل ، ولا يمكن مقارنة ما فعله هؤلاء بأخوة يوسف الذين لم يفعلوا عشر معشار ما فعله هؤلاء الاذناب:
على هامش من كتاب … الاساطير تمحو الأساطير
يكتب شيخ الطريقة …. يأتي زمان على هذه البلاد
يسفّه فيه المعريُّ شعر المعريِّ
يعمُّ البلاءْ
ويهجرها الشعراءْ
يعتزل الورد أكمامه والحدائق والماءَ
كاّن تبّرأ من عطره
أتُرى سيغادر ألوانه ويهاجرُ … مهتزلاً
ضيقٌ … ضيّق …. ضيّق
في المنافي الفضاءْ
أه أبا بادية يشهد الله لقد أدميت قلبي المتعب في هذه النصوص المعبرة عن ثقة بفجر آتٍ يزيح الظلام الجاثم على الصدور ، وستتسع القلوب لكل المحبين الأوفياء بعد ان تنقشع هذه الأشنات وتعود الحياة الى نبضها وساعدك الله يا اخي على مواجعك لأنك مبدع كبير وتدرك كم هو ضيق فضاء المنافي …
معذرة أستاذي و أخي على هذه القراءة الودودة ولا تهن فلنا المستقبل الوضاء .
























