أنماط مشفّرة في معرض أجود العزاوي

أنماط مشفّرة في معرض أجود العزاوي

ألوان تستدرج قصصاً عن الذاكرة والوطن والإغتراب

بغداد – علي الدليمي

شهدت قاعة أيقونة للفنون في العاصمة بغداد، افتتاح المعرض الشخصي الخامس للفنان التشكيلي والدبلوماسي أجود العزاوي، الذي حمل عنوان (أنماط مشفرة).

ضم المعرض أكثر من ثلاثين عملاً فنياً تراوحت بين القياسات الكبيرة والمتوسطة، وسط حضور نخبوي من الأوساط الفنية، الثقافية، والدبلوماسية.

يأتي هذا المعرض ليتوّج مسيرة فنية وأكاديمية فريدة، فالفنان أجود (مواليد بلد 1942) لا يقدم فنًا فحسب، بل يقدم عصارة تجربة إنسانية بدأت من دراسته للاقتصاد في جامعة «غرونوبل» بفرنسا، ومروراً بعمله كوزير مفوض في وزارة الخارجية العراقية.

تتلمذ العزاوي في بداياته على يد الفنان الراحل قاسم ناجي، ثم ركّزت تجربته برعاية الفنان الرائد الراحل عطا صبري. ومنذ انضمامه لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، حافظ على خط تصاعدي في نتاجه البصري، وهو ما تجلى بوضوح في معرضه الحالي.

الأعمال المعروضة، عكست شغف العزاوي بالبحث عن الهوية عبر الرموز. فالمعرض – كما يوحي اسمه – يقدم أنماطاً بصرية تتداخل فيها الألوان لتروي قصصاً عن الذاكرة والوطن والاغتراب.  لم تكن لوحات العزاوي هي الحاضر الوحيد، بل استحضر الزوار والنقاد إرثه الثقافي، ومنه الكتاب الذي صدر عن تجربته باللغتين الإنكليزية والفرنسية، بالإضافة إلى كتاب «أجود العزاوي/ نديم البياض والجدار» الذي حرره الناقد الفني صلاح عباس بمشاركة نخبة من الكتاب الأكاديميين عام 2017.

وتعد تجربة العزاوي محطة نقدية هامة، حيث تمزج بين «الصرامة الهندسية» المستمدة من خلفيته الفكرية و»التدفق العاطفي» للريشة التي تتلمذت على يد الرواد. تبرز لوحاته كبنيات بصرية تعتمد استراتيجية «التجريد الرمزي»، حيث تتحول المفردات اليومية إلى عناصر جمالية مشفرة.

سطح تصويري

حيث يظهر ميل واضح لتقسيم السطح التصويري إلى «وحدات هندسية» أو مربعات متجاورة. هذا الأسلوب ليس مجرد خيار تزييني، بل هو بناء معماري للوحة يعكس محاولة الفنان لتنظيم الفوضى وتأطير الذاكرة. كل مربع داخل اللوحة يمثل حكاية أو «شفرة» بصرية مستقلة، لكنها تترابط في النهاية لتشكل وحدة عضوية متكاملة.

وتزدحم لوحاته برموز مستمدة من البيئة واللاشعور، الأشكال الدائرية والمثلثة، توحي بحركية مستمرة بين الأرض والسماء، وبين الذات والمطلق.. الطيور والوجوه المختزلة، تظهر في أعماله كرموز للحرية والارتهان في آن واحد.  الفنان هنا لا يرسم وجهاً بتفاصيله، بل يرسم «ماهية» الإنسان، مما يجعل شخوصه كائنات كونية عابرة للزمان والمكان. كما يوظف الفنان الخطوط والرموز التي تشبه الكتابات القديمة، مما يمنح اللوحة بعداً «أنثروبولوجياً» يستحضر الإرث الرافديني بلمسة حداثوية.

يستخدم العزاوي باليتة لونية ذكية تعتمد على الألوان الحارة والترابية (الأصفر، البرتقالي، البني) التي تشير إلى الانتماء للأرض والبيئة العراقية.

فالتباين النوعي، يكسر الفنان بها المساحات الترابية بومضات من الألوان الباردة (الأزرق أو الأخضر)، مما يخلق «صدمة بصرية» تجذب عين المتلقي نحو مراكز الثقل في اللوحة.

كذلك الملمس يلاحظ وجود كثافة لونية في بعض المناطق تعطي إحساساً بـ «الجدارية»، وكأن اللوحة جزء من جدار تاريخي يحمل آثار الزمن.

أكاديمياً، تنتمي أعمال العزاوي إلى ما يمكن تسميته بـ (التجريد التعبيري المحسوب). هو لا يترك العنان للعفوية المطلقة، بل يسيطر على ضربات الفرشاة لتخدم فكرة «النمط المشفر». لوحاته تعبر عن حالة من «الاغتراب الواعي»، حيث يبحث الدبلوماسي/الفنان عن لغة عالمية تتجاوز الحدود، فوجدها في تجريد الشكل وتبسيطه إلى أقصى حدوده الجمالية.

تتحرك أعماله بين مفهومين: اللوحة كجدار، مصمت، قوي، يحمل رموزاً صلبة وتاريخية، واللوحة كنافذة، تفتح آفاقاً نحو عوالم الحلم والخيال من خلال المساحات اللونية المضيئة.

تجربة أجود العزاوي في هذا المعرض هي محاولة جادة لفك الارتباط بين الواقع الفوتوغرافي والواقع الفني. هو يعيد صياغة العالم من خلال أنماط بصرية مكثفة، محولاً اللوحة إلى نص بصري مفتوح يتطلب من المتلقي جهداً تأويلياً لفك شفراته، مما يجعل من فنه «جسرًا» يربط بين حداثة الأسلوب وأصالة المرجعية الثقافية.