أفكار وتأملات الوردي

أفكار وتأملات الوردي
أنقل فيما يلي مقتطفات من كتاب الدكتور علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) انصر اخاك ظالما كان او مظلوما ! قال الوردي (يظن بعض الناس خطأ ان هذا حديث نبوي . والواقع انه مبدأ بدوي قديم . وقد حوله النبي الى مبدأ إسلامي حين قال : (اذا كان اخوك ظالما فأردعه عن ظلمه ، ففي ذلك نصره) ولكن هذا المفهوم الاسلامي لم يدرك البدو مغزاه بل ظلوا على دأبهم القديم ينصرون ابن قبيلتهم في الحق والباطل على السواء) ان الحكومة الجائرة خير من الفوضى التي تنتج من عدم وجود الحكومة . وهذا في الواقع رأي يصدق على المجتمع العراقي عندما بلغ الخراب فيه اسفل دركاته في القرن الثامن عشر حيث انتقل الحكم فعليا من يد الحكومة الى ايدي رؤساء الاتحادات القبائلية . لذا اخذ بعض الولاة في القرن الثامن عشر يتبعوا سياسة الشدة . فأكثروا من سفك الدماء في سبيل فرض السيطرة الحكومية على السكان . ان تلك الشدة كانت ضرورية للإضعاف الروح العشائرية والقيم البدوية في الشعب ولولاها اي (لولا تلك الشدة ) لبقي الشعب يأكل بعضه بعضا حتى يومنا هذا . (انتهى قول الوردي) . ودعني اضيف اللآتي : هذا ما اراه في ايام الناس هذه التي بدأنا نعيشها في اوائل القرن الحادي والعشرين (سنة 2003 وما بعدها) بعد ان زالت الشدة التي كانت مفروضة وسائدة في نظام صدام .. حلت محلها الفوضى التي نتجت عن الحرية المطلقة غير المقيدة الى درجة لم يعد يشعر المواطن بوجود حكومة . فأصبح القوي يأكل الضعيف والغلبة للأ قوى ان ما اراه يحصل في العراق بعد سقوط نظام صدام سنة 2003 وما بعدها من قتل ونهب واختطاف واغتيال وسرقة اموال الدولة او حرق عقاراتها ما هو إلا صورة متكررة لما حصل في العراق في اوائل القرن الثامن عشر . وكذا في إبان الحرب العالمية الاولى فقد حصلت إذاك فترة خلت فيها بعض المدن العراقية من اية سلطة حكومية فأنسحب الجيش العثماني منها قبل ان يدخلها الجيش البريطاني وعند هذا إنهال الناس على دوائر الحكومة وبعض الدور والدكاكين ينهبونها ويبعثرون اوراقها وينتزعون ابوابها وشبابيكها وقد يولعون النار فيها . ومثل هذا حصل فعلا في 14 -15 تموز سنة 1958 عندما إقتحموا قصر الرحاب في بغداد وقضوا على العائلة المالكة . ولا تزال تتكرر هذه المشاهد بين الحين والآخر على ارض الواقع منذ سنة 2003 وما بعدها . إذن الشدة في نظام الحكم _ اذا كانت تحقق للشعب الأمان والاستقرار وسلامته من الفوضى والقتل ومن السلب والنهب _ هي في كل الح الأحوال افضل من حرية مطلقة بلا قيود تؤدي الى الفوضى والقتل والسرقة واضطراب امن المواطنين .
حنا يلدا
AZPPPL