أصوات‭ ‬عراقية‭ ‬خارج‭ ‬التغطية- د.نزار محمود

هناك‭ ‬مئات‭ ‬ممن‭ ‬يكتب‭ ‬آلاف‭ ‬المقالات‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والثقافة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والاجتماع‭ ‬وغيره‭ ‬ويتكلم،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬أو‭ ‬يسمع‭ ‬كثيراً‭ ‬منها،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬من‭ ‬يأخذ‭ ‬بأفكارها‭.‬

من‭ ‬هم‭ ‬أولئك‭ ‬العاملون‭ ‬بصمت،‭ ‬المنزوين‭ ‬بين‭ ‬طيات‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان؟

لقد‭ ‬توزعوا‭ ‬أولئك‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬وخارجه،‭ ‬وانتشروا‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الله‭ ‬الواسعة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬قراهم‭ ‬ومدنهم‭ ‬وأزقتهم‭ ‬وحاراتهم‭ ‬وأماكن‭ ‬عملهم‭  ‬وحلقات‭ ‬تسامرهم‭ ‬بين‭ ‬شرقية‭ ‬وغربية‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭. ‬يعيشون‭ ‬الغربة‭ ‬وينظرون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نوافذ‭ ‬شققهم‭ ‬الصغيرة‭ ‬الى‭ ‬أوطانهم‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬بعيدة‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬أخلاقها‭ ‬وثقافة‭ ‬عيشها‭ ‬وعلاقات‭ ‬أهلها‭ ‬وأمانة‭ ‬أبنائها‭ ‬ورائحة‭ ‬طينها‭ ‬وأصوات‭ ‬خرير‭ ‬مائها‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬الكثيرين‭ ‬من‭ ‬المغتربين‭ ‬الى‭ ‬الكتابة‭ ‬والحديث‭ ‬إذن؟

رغم‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬نريده‭ ‬بأصوات‭ ‬عراقية‭ ‬خارج‭ ‬التغطية،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المغتربين‭ ‬من‭ ‬العراقيين،‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬في‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أصوات‭ ‬المغتربين‭ ‬فيهم‭ ‬لخصوصياتها‭ ‬في‭ ‬الدوافع‭ ‬والمحتوى‭ ‬والغايات‭ ‬والتداعيات‭.‬

هذه‭ ‬الخصوصيات‭ ‬ربما‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬الاغتراب‭ ‬وظروف‭ ‬المكان‭ ‬وهواجس‭ ‬العيش‭ ‬وسرابات‭ ‬الأمل‭ ‬ومشاعر‭ ‬الحنين‭ ‬الى‭ ‬ماض‭ ‬أو‭ ‬حاضر‭.‬

إن‭ ‬أوضاع‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬سيادة‭ ‬الدولة‭ ‬وهشاشة‭ ‬وحدة‭ ‬شعبه‭ ‬وأرضه‭ ‬وظروف‭ ‬تسلم‭ ‬سلطاته‭ ‬وريعية‭ ‬اقتصاده‭ ‬وضحالة‭ ‬ثقافته‭ ‬وعقم‭ ‬تعليمه‭ ‬وامراض‭ ‬صحته‭ ‬وفوضى‭ ‬معاملاته‭ ‬وما‭ ‬ينخر‭ ‬في‭ ‬اخلاقياته‭ ‬المعاشة‭ ‬يومياً‭ ‬وعلى‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭ ‬من‭ ‬فساد‭ ‬ورشاوى‭ ‬يدفع‭ ‬بالكثيرين‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الغربة‭ ‬الى‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬تألماً‭ ‬وأملاً‭! ‬انهم‭ ‬يعيشون‭ ‬البعد‭ ‬بأجسادهم،‭ ‬لكنهم‭ ‬ما‭ ‬انفكوا‭ ‬يفكرون‭ ‬بالعراق‭ ‬ويتحسسون‭ ‬آلامه‭ ‬ويعيشون‭ ‬أمانيه‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الزمن‭ ‬يمضي،‭ ‬حيث‭ ‬تتعاقب‭ ‬الأجيال‭ ‬وتبور‭ ‬سجايا‭ ‬الماضي،‭ ‬وتضيع‭ ‬الأصوات‭ ‬بين‭ ‬ضجيج‭ ‬الذوبان‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الجديدة‭!‬

أتوجه‭ ‬بسؤالي‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬عراقي‭ ‬ومسؤول‭ ‬فيه‭: ‬كم‭ ‬هي‭ ‬خيانة‭ ‬وطنية‭ ‬وجريمة‭ ‬إنسانية‭ ‬أن‭ ‬يتلاشى‭ ‬ملايين‭ ‬العراقيين‭ ‬ويضيعون‭ ‬في‭ ‬أمواج‭ ‬الغربة‭ ‬العاصفة؟‭ ‬حتى‭ ‬الانتخابات‭ ‬“الشكلية”‭ ‬سرقوها‭ ‬منهم‭! ‬انهم‭ ‬بهذا‭ ‬أعلنوا‭ ‬بدء‭ ‬قطع‭ ‬صلتهم‭ ‬بوطنهم‭ ‬وعرضهم‭ ‬لسلب‭ ‬حقوقهم‭ ‬الوطنية‭ ‬وقرض‭ ‬جذورهم‭. ‬لكنهم‭ ‬ينسون‭ ‬مكانس‭ ‬التاريخ‭ ‬كيف‭ ‬ألقت‭ ‬الى‭ ‬مزابل‭ ‬التاريخ،‭ ‬ودون‭ ‬رجعة‭ ‬ولا‭ ‬كرامة،‭ ‬من‭ ‬أراد‭ ‬خيانة‭ ‬وطنه‭ ‬وإلغاء‭ ‬دور‭ ‬ووجود‭ ‬الغيورين‭ ‬عليه‭! ‬

برلين،‭ ‬05‭.‬11‭.‬2024