أشرعة منور الوردية ومفرداتها الحالمة

أشرعة منور الوردية ومفرداتها الحالمة
هكذا خط القلم وتعلق بمرساتها في ديوان ( مرافئ ضبابية ) شاعرة كركوك المبدعة منور ملا حسون .
نفس مزدوج ومشاعر زفتها منور في كل قصيدة الى زوجها والى ابنائها حدائق ورد تدخل المسرة الى قلبها المثقل بالمفردات الصارخة والمحتوطبة ، فهي دائما تتمثل بالشاعر المهووس الذي يقود الى مدينة الومضات ومخاضها اللذيذ .
مفردة مبهمة / على ريشة شاعر مهووس / اي ومضة تلك التي تحمل مخاضها اللذيذ؟
فمازالت منور تستذكر ايام الدمعة الموردة والقنديل المكسور
وتحت شجرة الزيتون / تجلس طفلة مكتئبة / تعاتب دميتها الخرساء / في لحظة انتحار .
وسيدة هذه المفردات الصاخبة تنتظر تلك العيون الواجمة والخرساء التي تنظر اليها لتشدها من عنقها الى لحظة انتحار.
هي دائما تصارع الخوف وابوابه المرعبة في زمن مازال في مخاضه العسير فأن مفرداتها الجامحة تجتاح كل القوافي وكل الحروف . فلم هذا الصوت الذي يهز اوتار القلب ؟ فتختل كل الموازين . من الذي افسد عليها سكونها وانطلاقها نحو الابداع ؟ لا بد ان ذاتها المثقلة بالتمنيات المرة تزحف نحو الصعود .
ولان يدي ّ / حمراوتان في فراغ مظلم
هي دائما تحاول ان تكون ذلك الارتياب الذي يجعل من اغصان حياتها شجرة حالمة لم تطاوعها على اجتياز الممرات العقيمة
اذ تضيق بي ّ الدنيا / اعود الى ذاتي احتضنها
اي بوح ذاتي هذا الذي يندلق على صفحات اوراقها الموشمة بلو.. ولماذا ؟ وذلك الذي يموت حسرة من غير شرفة يتسلقها . لقد تجاوزت منور كل الخطوط الزراقاء بمرافئها الضبابية بانتقالها الى حافات رملية اذ يحاصرها الجوع هو جوع الفقراء والمعدمين وتلوذ بثرى الوطن الاسمر الذي لونه هو لون الخبز المر الذي تفتش عنه طرائد البشر .
وهل فيكم احد مثلي / احمل ليلي في نهار بائس..واه يا سيدتي الشاعرة وانت ِ تستلمين نهاراتك ِ بليل مهيض . اي صراع داخلي هذا الذي تتكسر فيه كل الموازين ؟ لا باس من يصل الانسان الى هدفه عبر تلك المسافات السوداء ليتحقق له نهار جميل.
فأغصاني تنتحر / بين عطش البحر / ومرارة الشوق المخذول
الحياة هي الميدان الذي به يفتح الشاعر ابوابه على مبتغاه والشيء الذي يسعده ويجعله يحقق ولو بعض امانيه ، فكم يفصح الانسان عن اسرار ذاته بتلك المفردات المتوهجة والنارية .. اي عطش هذا الذي تمر به الشاعرة ؟ واي غصن هو ذلك الذي ينتحر وكل ابواب الشوق مغلقة؟
ماذا تراني اليوم / كالفجر الانيق / وما دمت لست اغنية / توهب لمجنون
لقد تجاوزت كل محن الذات والمشتهى حتى بدت مثل فجر ناصع البياض فهي الشاعرة وهي المغنية التي تهب كل انشايدها لذلك المجنون الذي يعرفها ويقدر معانيها .
كان قلبي ملاذا / تودع فيه صخب ايامك
ولكن لم تنسف اركانه من اول شظية . انه الزمن الذي لا يروم إلا ان يسدل ستائره الحزينة على ذلك المغني المهووس .
وبخيال لامرتيني الشطحات / زرعتني روحا خضراء / في سحر النبع النشوان
ثم تنتقل روح الشاعر بخيال هذا الشاعر الفرنسي لامرتين للذي زرع لها روحا خضراء متوقدة متوجة بنبعه الهادر المنتشي ويؤلمها الرحيل ..رحيل نفسها وذاتها واسلوب حياتها الذي تستظل فيه كل هذه السنين .
وغدت الايام / تطحن عمر الحاضر الاتي / بعد الرحيل
ثم تنتقل الى مساحتها الداخلية ونجموها المحترقة وتمنياتها ان يلد الفجر صباحا جميل كتلك المياه المتدفقة من اعلى الجبال .لن اعلن الحداد / جسدي المقدس / لن يلمسه السواد
فهي دائما تهوى الفضاءات البيض الخالية من الموت والمساحيق السود التي تنثر في العيون وهي تأن وتوقظ الجراح في نفوس المتتبعين لذلك الشاعر الذي تنفس عطر مدينتها في مساحات جرح الشاعر الغائرة .
لم احوم حول مدينتي / ذلك لان عطر شذاها / في مسامات جرحك غائر
ولم تدري وقد حاورت ذاتها لذلك الصامت الذي يدرك لهاث شاعرتنا اللؤلؤة . فمن يفتش عن لهاثها يجب ان يحرق البحر كي يعتقها من قوقعتها حتى تكون سحابة خضراء وهي تذكر نفسها والذين على مسراها ينتقون المفردات الندية . ان الزمن لا بد ان يداهمهم ان تخضر اغصانهم الخضر وتصير اغصان صفر خريفية وتحترق كل السنوات الفاتنة كما الشمعة التي تخبو .
واذا بي .. اجد احلاها / امر من امرها
وهي لا تجد السكن في هذه المساحة الضيقة التي تحس فيها بالغربة لماذا يا سيدتي؟
ازرع الدنيا ورودا حين اعود / ساعود
وهي تسافر في الليل وتحاول ان تسمك الاقمار والنجوم انها تتنفس تلك الانسام اللذيذة فتتورد منها الوجنتين خفرا وحياء.
نحن نساء / نرتدي في العجاف / ثوب التحدي / وفي احداقنا / يسكن همس الحنين
ثم ترجع فتلبس ثوب المراة التي تحاول ان ترتدي تاج عرسها ولان الانثى هي مملكة الحياة وانها صورة الجمال الالهي في الوجود .
في عينيك ِ الذابلتين / وجدت كبريائي / وفي نداءاتك ِ اليتيمة / لمست قسوة قلبي
ستبقى كركوك مدينتها الجميلة وهي عشقها الامثل والنسيم الذي تتنفسه مدى الحياة فلما هذا الشؤم يا سيدتي يا منور ؟ لم ترتدين سواد الليل وتخلعين عنك ِ فجر الحياة ؟ ألان نجومه عمياء .. وانك ِ تجدين صبرك ِ ينفذ .. وانك ِ تحاورين ايامك ِ التي امتلات بالغيوم وان الزمن الذي تعيشين سلبوا كل مفاتيحه منك ِ وان طغاة العصر الذي فيه يعتصرون الاحلام الجميلة سيستيقظون يوما على زلزلة الجروح . فلماذا هذه الجراح وان كانت هي الطريق الى النقاء والصفاء والابداع .
اي ضمائر تلك التي انتحرت ؟
كم سقيتم جسد الارض بالدم .. فينتشي اديمها !
الا تعلمين ان هديل الحمام سافر وان حمامات اليوم بلا طوق غريبة هي الاخرى في صمتها .
لم احوم حول مدينتي / ذلك لان عطر شذاها / في مساحات جرحك غائر
وهل يتسع القلب الى كل المنافي والاشتهاءات ؟
اراك صامتا / تنتظر لهاثي / ان من يريد لؤلؤة / يحرق البحر
نعم ان الغربة صارت سلوك استثنائي في ذات الفرد نظرا للتغيرات الحاصلة في افكار الناس والابعاد التي تتجه نحونا بشكل غير معقول .
وطني آليت ان لا ابيعه / وفي اعماقي يمور
الموت نعمة يحطم المرايا لا بل يدفن كل الافراح ويطلق اشجار الحزن لتنبت من جديد مع ان الموت هو نعمة البشر اذ لولاه لالتهم بعضـــاً البعض الاخر وبعيون همجية .
هلا عدت لنا / من سفرك المجهول
ما اجمل ذكريات النجوم وما اروع تلك النار الازلية في اض الذهب الاسود في (بابا كركر) فعندما ينكشف الليل تتوهج النيران المستوقدة منذ الازل لتضاحك كل العيون .
كم شاعر تغزل بك ياثرى موطني / حبك تزهي به القلوب والافاق
ان اللغة التي اتسم بها شعر منور هو مثل الاهلة الخضر او هي كالحلم الذي لا تتساقط اغصانه ابدا . لقد اجادت وابدعت وتجاوزت كل مراحل الغسق والاحلام والتمنيات والحب الكبير الذي يجيش في داخلها حب الوطن والمدن الزاهية ولولا ذلك الاحساس المرهف بما يدور حولها لكانت منور هي سيدة المفردة الجميلة .
عبد صبري ابو ربيع – بغداد
AZPPPL