أسلاف البشر صنعوا أدوات عظمية

‭ ‬باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬توصلت‭ ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭” ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬أشباه‭ ‬البشر،‭ ‬وهم‭ ‬الممثلون‭ ‬الأوائل‭ ‬للسلالة‭ ‬البشرية،‭ ‬كانوا‭ ‬يصنّعون‭ ‬أدوات‭ ‬عظمية‭ ‬قبل‭ ‬1‭,‬5‭ ‬مليون‭ ‬سنة،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬أبكر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭.‬

من‭ ‬المعلوم‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأسلاف‭ ‬البعيدين،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬شبيه‭ ‬الإنسان‭ ‬الأسترالي‭ (‬القرد‭ ‬الجنوبي‭)‬،‭ ‬استخدموا‭ ‬بقايا‭ ‬العظام‭ ‬لحفر‭ ‬تلال‭ ‬النمل‭ ‬الأبيض‭ ‬أو‭ ‬حفر‭ ‬الدرنات‭. ‬واليوم‭ ‬مثلا،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قردة‭ ‬الشمبانزي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬تستخدم‭ ‬عيدان‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬النمل‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬موائلها‭.‬

قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليوني‭ ‬سنة،‭ ‬أنتج‭ ‬أشباه‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬افريقيا‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬أولدوفاي‭ ‬في‭ ‬تنزانيا،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مواقع‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬أدوات‭ ‬حجرية‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُعرَف‭ ‬أي‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬المنهجي‭ ‬لأدوات‭ ‬عظمية‭ ‬يعود‭ ‬تاريخها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬500‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬باستثناء‭ ‬بضعة‭ ‬أمثلة‭ ‬متفرقة‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭.‬

‭ ‬وكان‭ ‬لاكتشاف‭ ‬أجرته‭ ‬مجموعة‭ ‬تضم‭ ‬علماء‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬مليون‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.  ‬وحددت‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬وقعها‭ ‬إغناسيو‭ ‬دي‭ ‬لا‭ ‬توري‭ ‬من‭ ‬المعهد‭ ‬الإسباني‭ ‬للتاريخ‭ ‬في‭ ‬مدريد،‭ ‬27‭ ‬أداة‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬عظام‭ ‬الفخذ‭ ‬والساق‭ ‬وعظم‭ ‬العضد‭ ‬لحيوانات‭ ‬كبيرة‭ ‬خصوصا‭ ‬لفيلة‭ ‬وأفراس‭ ‬نهر‭.‬

‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬إلى‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬يقول‭ ‬عالم‭ ‬الآثار‭ ‬فرانشيسكو‭ ‬ديريكو‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬بوردو،‭ ‬والذي‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬الدراسة‭ ‬مع‭ ‬أنجيليكي‭ ‬تيودوروبولو‭ ‬من‭ ‬المعهد‭ ‬الإسباني‭ ‬للتاريخ،‭ “‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬نكتشف‭ ‬فيها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أولدوفاي‭”. ‬

لن‭ ‬ترى‭ ‬عيون‭ ‬غير‭ ‬الخبراء‭ ‬سوى‭ ‬قطع‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬العظام‭. ‬لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الأنتروبولوجيا،‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬العظام‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬قدرات‭ ‬معرفية‭ ‬مميزة،‭ ‬وتؤشر‭ ‬إلى‭ ‬إتقان‭ “‬أنماط‭ ‬ذهنية‭” ‬للغرض‭ ‬الذي‭ ‬رغبوا‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬عليه،‭ ‬واختيار‭ ‬المادة‭ ‬المناسبة،‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬المستخدمة‭ ‬لإنجازه‭.‬

يُظهر‭ ‬تحليل‭ ‬الأدوات‭ ‬أن‭ ‬مبتكريها‭ ‬فضّلوا‭ ‬استخدام‭ ‬عظام‭ ‬الفخذ،‭ ‬المأخوذة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬الجيفة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬فرس‭ ‬النهر‭ ‬مثلا‭. ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬الأفيال،‭ ‬رغم‭ ‬ندرتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان،‭ ‬مما‭ ‬يؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭.  ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬العظام‭ ‬تُشذّب‭ ‬بالحجارة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُستَخدم‭ ‬كمطارق،‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أداة‭ ‬يتراوح‭ ‬طولها‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و40‭ ‬سنتيمترا،‭ ‬ويصل‭ ‬وزنها‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كيلوغرام‭. ‬يقول‭ ‬ديريكو‭ “‬لاحظنا‭ ‬وجود‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬شكل‭ ‬العظم،‭ ‬وإنتاج‭ ‬أدوات‭ ‬ثقيلة‭ ‬جدا‭ ‬وطويلة،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬إنشاء‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الشق‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬العظم،‭ ‬ربما‭ ‬للتمكّن‭ ‬من‭ ‬حمله‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬اليد‭”.‬

‭ ‬

ويُفترض‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العظام‭ ‬الضخمة‭ ‬وذات‭ ‬الرؤوس‭ ‬المدببة،‭ ‬قد‭ ‬استُخدمت‭ ‬لذبح‭ ‬ثدييات‭ ‬كبيرة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬الأدوات‭ ‬الحجرية،‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬المسماة‭ ‬أولدوفاية‭ ‬تيمّنا‭ ‬بموقع‭ ‬أولدوفاي،‭ ‬مشذبة‭ ‬بطريقة‭ ‬بدائية‭.‬

‭ ‬

وبحسب‭ ‬عالم‭ ‬الآثار،‭ “‬ثمة‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الكبيرة‭” ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬أولدوفاي،‭ ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الكوارتز‭ ‬لا‭ ‬يناسب‭ ‬العمليات‭ ‬الوحشية‭ ‬لذبح‭ ‬الفرائس‭ ‬الكبيرة‭.‬

‭ ‬

وكانت‭ ‬الثقافة‭ ‬الأشولية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬نفسها،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬اخترعت‭ ‬قطع‭ ‬الحجارة‭ ‬ثنائية‭ ‬السطح‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬قطع‭ ‬لحم‭ ‬الطرائد‭ ‬وكشط‭ ‬جلودها‭.‬

‭ ‬

ويقول‭ ‬فرانشيسكو‭ ‬ديريكو‭ “‬إن‭ ‬فرضية‭ ‬الدراسة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬العظام‭ ‬في‭ ‬أولدوفاي‭ ‬هو‭ ‬اختراع‭ ‬أصلي،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تحوّل‭ ‬نحو‭ ‬السطوح‭ ‬الثنائية‭”.‬

‭ ‬

ويتابع‭ ‬إنّ‭ “‬الاحتمال‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬استمر‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تحديد‭ ‬هذه‭ ‬العظام‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬أثرية‭ ‬أخرى‭”.‬

‭ ‬

وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬بدأ‭ ‬اعتمادها‭ ‬في‭ ‬أولدوفاي‭ “‬اختفت‭” ‬لمليون‭ ‬عام،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعاود‭ ‬الظهور‭ ‬لاحقا،‭ ‬كما‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬روما‭ ‬الحالية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الصوان‭ ‬ذي‭ ‬الحجم‭ ‬المناسب،‭ ‬فقام‭ ‬السكان‭ ‬بقطع‭ ‬عظام‭ ‬الفيل‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬قطع‭ ‬ثنائية‭.‬

‭ ‬

ويتبع‭ ‬استخدام‭ ‬العظام‭ ‬تطوّر‭ ‬السلالة‭ ‬البشرية‭. ‬انتقل‭ ‬ممثلوها‭ ‬من‭ ‬نحت‭ ‬عظام‭ ‬الفخذ‭ ‬قبل‭ ‬1‭,‬5‭ ‬مليون‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬نحت‭ ‬قطع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا،‭ ‬مثل‭ ‬إبر‭ ‬الخياطة،‭ ‬التي‭ “‬تم‭ ‬اختراعها‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬وسيبيريا‭ ‬ولم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬إلا‭ ‬اعتبارا‭ ‬من‭ ‬26‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬عالم‭ ‬الآثار‭.‬

‭ ‬