أحزانهنَّ وأفراحنـا
زيد الشهيد
1 سلوى وسيليا
لحظةَ كنتُ أسيرُ أنا في دربِ السرد أغدقتُ عليها فيضاً من البهاء بينما أجزَلت هي عليَّ وسيعَ بسمتِها التي تذوقتُها عسلاً..دنوتُ منها فاقتربتْ إلي .وهممتُ بالهمسِ أبغي تفريطَ هيامي على خمائلِ انتظارِ البوح فوجدتها ترفع سبابةً وتكبح سيلَ الإفضاء الذي شارفتُ على سكبِهِِِ، موصدةً شفتيَّ بـ
_ اتركْ ذلكَ لوقتٍ آخر، ودعني اترجَّلُ في مهمَّةِ القول..لماذا تريدون الكلامَ دائماً لكم، يا مهيمنون؟
لم أرغب في صدمِها وأعلانِ أنَّها فتاةٌ على الورق وأنَّ عليها الا تعترض ؛ وما سعيتُ لايلامِها بالتصريح أنَّها مجرَّد ُمفرداتٍ تشكلت لترسم روحاً تفيض وجسداً يتحرك، وأني قادرٌ على شطبِها وابعادِها عن فضاءِ القص .لكني قلت
سلوى.. أنتِ غيمةٌ تركتُها تتسللّ من سهوبِ روحي .وعندما هبطتُ بكِ على أرضِ الورقةِ شعرتُ أنّني أخسر ما لا يمكن تعويضَه .نحن نمنحُ شخوصَنا أجزاءً من حياتِنا ونهِبها اعواماً مهمّةً من ملكيةِ اعمارِنا .فيوم رسمَ سيلانباً سيليا من جموحِ خيالهِ كانت مجردَ طيفٍ، ويومَ سكبَها على الورقِ صارت حياةً تمورُ بالهياج .تمرّدت عليه وراحت تُلبّي نداءَ الطبيعة التي أفردَت لها ذراعي الحبور .زرعَ فيها جموحَ أمٍّ كانت تعشق جِنان الغنى هروباً من يباب الفقر وعنفوانَ أبٍ خرجَ عن طورِ العائلة وأعرافها فتزوَّجها خادمةً أجيرةً تعمل في بيت الأبِ لساعاتٍ ثم تعود إلى كهفِ الحرمان .وما كانت البنتُ تلك التي اسمُها سيليا آبهةً باصولِ أمِّها الوضيعة ولا عارفةً بعناد الأبِ نحو اتخاذ قرارٍ يخالف ألاعراف، فاندفعت بغريزةِ الانطلاق، وعاشت عشرينَ عاماً .وفي المحطة الواحدة والعشرين قالت لسيلانباً ازرق صدري بعدوى السل ودَع السعال يتعالى لأموتَ ميتةً صامتة لا يشيعني فيها غيرَ حبورِ الغابة وزقزقةِ طيور السنونو كمكانٍ منعزلٍ بكوخٍ في غابةٍ، تماماً كما مات أبي كوستا في كوخٍ مستأجَر، ومثلما ماتَ جدي سالميلوس تلك الميتة الصامتة المنعزلة في مخزنِ الغلال .
سلوى شخوصُ أعمالِنا تعيشُ فينا، ونعيشُ نحن على سعادةِ تحركّها…الغرابةُ في الأمرِ أنَّ السعادةَ التي نجنيها تأتي مستخلَصةً من سعاداتِهم وعذاباتِهم على السواء .سيلانباً كان سعيداً لموتِ سيليا لأنها انهت له الحكايةَ وقدّمته روائياً منقطعِ الإعجابِ في النجاح .و…..
نهضت نافرةً يتعالى في صدرِها خفقُ قلبٍ عليل لم تعهده، وجالت في ذاكرتِها أيامُ فقدِ الاب مرتحِلاً في مدنٍ بعيدة لا تصلها منه غير تحيات وشوق وعهد عودة قريبة ؛ وعادت إليها لحظات موتُ الأمِّ بعدما انهكتها اعوامُ الحصارِ وضيّقت عليها أيامُ خيبةِ الأملِ في شعبٍ نسي أرضَه بعد مََقدمِ النورِ وزوالِ مسببّات الكَمدِ وراحَ يحرث في ثرى الاقتتالِ ويبابِ الضغينة وآهاتٍ ترتفع من صدورٍ احتشدت بحسرةِ خِسرانِ الآمال .رمقته بعينين تتوهجان غضباً، قائلة
أطلق عليَّ رصاصَ سردِكَ، وارتقي إلى الذروة فأنا انتظرُ لحظةَ التنوير وخاتمةً اريدها تقول تبّاً لكم .
2 نظيمة وانطوانيت
أترعت من وعوده اقداح الجذل ومشت على خميلة التدوين تستقرىء مباهجَ وأحزاناً، نهارَ مسراتٍ ولياليَ تعاسةٍ .تكتب مساراتِ حياتِها مرتديةً ثوبَ بطلةٍ تتلقَّف مساحاتِ الورق بأقدامِ قلمٍ شرعَ يسكُب جذوتَه بانتظارِ اكتمالِ سردٍ مُقنـِعٍ يغري لذاذةَ القارىء سعياً لحيازتِها امتلاكاً وهيمنة .وكنتُ أنا أتابعها على خطوِ القراءة التي تبتغي مآل وتهدُف لادراكِ نتائج .أبوها تلك التي كان اسمها جين ريز ويلزياً من انكلترا، وأمها من الكريول سكان جزر الهند الغربية وأمريكا اللاتينية المنحدرون من أصل أوربي أو اسباني .وأبي كان بصرياً عربياً وأمي سيلمانية كردية جمعتهما خيمةُ الاقتران رُغمَ تفاوت الطباع وبُعد المسافات .رسمتْ تلك التي اسمها جين ريز بطلتها على هويةٍ جديدةٍ سمتها انطوانيت كوسوي وفضلت أنا لشخصيتي اسم نظيمة .الغريب أن الاثنتين لهما طباعٌ سمّاهما علمُ النفس طِباعاً وراثية وصاحبهما مَرضاً لا مرئياً قال عنه الاطباء عصابياً .
عندما التقيتُ جين ريز في احدى حانات لندن كانت قد استلمت جائزة و .هـ .سميث لتوّها .لم تكن سعيدة باستلام الجائزة .قالت لقد تأخرت عليَّ كثيراً .مافائدة أن استلم جائزةً وأنا بعمرٍ أرى الموت يلوّح بمنجلهِ المشحوذ اللميع ليحصد السبعين من الأعوام في حين كنت أستحقّها وأنا في الاربعين .كلماتها أدمعت عيني وتراغى داخلي شعور البوح .قلت تماماً هذا شعوري سيدتي .إنني آمل بحيازة جائزة نوبل لما كتبت وما أكتب .ما فائدة أن استلمها وأنا سأكون بعمر الثمانين ولا استلمها وأنا في الأربعين مثلك ؟ .قالت أنا سأرحل وفي فمي غصّة اللافرح .لكن عليكَ أنتَ أن تنتظر قليلاً فقد تأتيك جائزةُ نوبل قريباً وبلا رجاء .إنها لا تُعطى إلا للمبدعين الحقيقيين. توقفت تتأملُ ما كتبتُ وطافت عيناها على رواياتي وقصصي وأشعاري وترجماتي والرسائلِ المتهافتة التي تردني من قراء معجبين وكتاب باهرين يثنون على تجاربي في التدوين والتجريب قبل أن تُكمل كلامها وأنتَ كذلك، تستحقّها باقتدار . .كنتُ أبغي شكرها وأبدي تواضعي أمام جائزة كبيرة كتلك التي نالتها أو التي اشارت عليَّ باستحقاقها .كنتُ أريد أن أفوه لها بأني من عالمٍ يقولون عنه ثالثاً بعرف التقسيم الحضاري عندما غابت عن ناظري ؛ ولندن أعادتني إلى السماوة أقارن انطوانيت بـ نظيمة فأجدهما يعجاّن بالبراءة، سائحتين على غيمة مشتركة من النقاء وسط فضاء اجتماعي لا يرحم .يسحق المرأة بأقدامِ العَتَهِ، ويقودها باتجاه هوّة الظلام رامياً عليهما صفةَ الغباء .رأيتهما يتقاربان في العمر الثلاثيني وقد أنهكمها المرض العصابي وجعلهما خيطين من دخان يتسللان ليتعانقا ثم ينفصلان .انطوانيت تذهب راحلة إلى دومنيكا لتعاني من نظرة التخالط الاجناسي المُعيب في نظر الجميع فيما نظيمة عراقية وسط كيان إرتضى الجناة خلطَ أوراق المذهبية لتمزيق لُحمته الاجتماعية .الاثنتان تعيشان براءةَ الحياة بقلبينِ تحتشدُ فيهما أمواجُ الصفاء بعيداً عن زَبَد الحقدِ البغيض .هكذا خلَّدَت جين ريز بطلتها في بحر ساركاسو العظيم وهكذا أردتُ لبطلتي أن تُخلَّد في روايتي التي لم أضع لها عنواناً لحد الآن .
3 سناء وسوزانا
تراكمٌ فيضي جَموح من آهاتٍ ألفاها الجالس على أريكة السرد تكبرُ وتتَّسِع .تغور، فتفيض .وتضرعاتٌ من حنينٍ جارفٍ ترجمها توالياتٍ لمسرّةٍ غائبة وأفقٍ يحتشد بالضباب .يجاسدُ الافكارَ فلا يحصد غيرَ رغبة التعبيرِ الهطول عن آلامِ الانسانيةِ المعذبة ؛ تلك التي ولَجت متاهاتِ وعيهِ فأفرزت حُقباً من ضياعاتٍ وتوالياتٍ من هَمٍّ مستديم، ثم استكانت أخيراً إلى مبرراتِ الجدوى الزائفة .
تقيّده تابواتُ الماحَول هكذا عندما يكون خارج الورقة ، وتعيق انطلاقته في البوح حين يفكر في إرتداءِ غيومِ الحرية فلا يجد غير أن يصرخ أيها الحزن..ما لكَ على الدوام تطرق أبوابَ هجوعِنا الشحيح ..لا يسمع غير قهقهاتِ الصمت تدوّي في بريّةِ انتظاراتِه التي استطالت فغدت تلك الحبيبة كثكلى قيل لها سيأتي الغالي العزيز وهي لمّا تزل تنتظر وتنتظر، صارخةً بعد توالي يأسٍ مرير لقد مزّقتَ أيامي، وأخذت معك كلَّ الهناءات..آآآآآآ..
الكلماتُ التي يُمطرها على الورقة تتقافز أمامَ عينيه اللتين سرعان ما يغشيهما دمعٌ دفيق يشكِّل غُلالةً من غشاوةٍ، وحشرجةً صارت ترسم وجودَها في حلقهِ تساوقاً مع ألمِ بَطلِه الذي دفعَ به إلى خضم السرد ليتولّى مهمّة حصاد الفراق الأليم والنأي الثقيل لبؤرةِ وفاءٍ سمّاها سناء قالت له يوماً وهي في عزِّ الشغف به والوَلَه إليه أحبُّك، فلا تسحقني فمارس بحقّها فعلَ التجني وارتمى بين ذراعي الهجر ليُشبِعها من مائدةِ الفراق صحونَ اللوعة، وأرغفةَ التجنّي تماماً كما بطل بيدرو بارامو الذي رمى به خوان رولفو على أديم كومالا هامساً في أذنه تُه في ثنايا البحث عن سوزانا التي هجرتك راحلةً إلى العالم البعيد..وها هو الآن يهمس في ذاكرة بطله جُس حالة الضياع الابدي التي لفّتك وقِفْ عند زاوية الاختلاس لشبيهِكَ الذي اسمه بيدرو..انظر إليه يطل من نافذة غرفته يتطلع علَّ سوزانا تعود إليه من عالمٍ غدا غيبياً ، وتأملْ كيف أهملَ كومالا كاقطاعي مهيمن فجعلها تستحيل قريةً من قِفرٍ ويباب، لا يسكنها إلا الريحُ والصفيرُ ولا يرتادُها غير الغارقين في رمالِ الوهم، والتعثُّرِ، والسراب.
يترك بطلَهُ بين أسطر السرد ويتَّجه لمهمّة إحكام خيوطِ الحِبكة وتشابك الأحداث…وإذ يعود يروح يبحث بين الثنايا عمّا حصل لذلك الموبوء بالترحال .ما جرى له، وما لاقاه من اهوال .يجدّهُ يلفَّ أزقةَ السماوة بحثاً عن سنائهِ التي تركها يوماً قبل رحيله صوبَ بلدان نائية لا تربطه بحركةِ العالم سوى طيورٌ راحلة تزحف جماعاتٍ جماعات في سماء تحتضنُ اجسامَها المغزلية وأجنحةً تتيحُ لها حرية الهفهفةِ . سنوات الرحيل تجاوزت العقد، وانتظار الحبيب له مدى من الصبر ..الأزقةُ تستقبلُه بجفاءٍ، والآرائج التي حلُمَ بشمِّها وأمِلَ اغتراف أمواجِها ما كان لها أثرٌ على أديمِ الفضاء .فقط كانت رائحةُ عِتابٍ وبقايا دموعٍ جافّة تتشربها خثرةُ هواءٍ كتيم ؛ ثم على بابٍ صاجي لبيتٍ مقفلٍ حُفِرت عليه مفردة انظر ..فنظر سهامٌ عديدةٌ تتوجّه إلى قلبٍ فقدَ حيويته وشحِبَ وجودُه ولم يبقَ من الوضوحِ سوى آهة مديدة آآآآآآآ .قال بلسان السرد المُضمَّر هذه سهامُ هجرِه ولامبالاته تجاه مَن توشَّحت برداءِ الوفاءِ أعواماً وأعواما سيُدركُها المتلقي وسيعذرها بينما سيصبُّ جامَ غضبه على هامةِ الجاحد النكور..كذلك قال سأترُك بطلي في جزيرة الضياعِ والفقدِ يعيشُ وحيداً قميئاً منبوذاً يتطلّع علََّ سناء تأتيه فتُعيد إليه ثراءَ روحِه التي شرعت في رحلةِ العذابِ واتَّجهت صوبَ جعلِ دواخلِه تستحيلُ قِفراً يباباً وخواء، منتظراً ريحاً ستأتي وصفيراً يقصُّ حالةَ سردٍ يتوازى وسرد بيدرو بارامو المُعذَّب، الضائع، الحسير.
سيليا أو موت في ريعان الشباب رواية الكاتب الفنلندي سيلانبا الحائز على جائزة نوبل ترجمة د.سلمان الواسطي دار المأمون 1985
بحر ساركاسو الواسع رواية جين ريز ترجمة فلاح رحيم جاسم دار المأمون 1987
بيدرو بارامو رواية الكاتب المكسيكي خوان رولفو ترجمة مروان إبراهيم دار المأمون 1990
/5/2012 Issue 4214 – Date 31 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4214 التاريخ 31»5»2012
AZP09
























