آدم وحواء – نعيم عبد مهلهل

الروايات والأنبياء

آدم وحواء – نعيم عبد مهلهل

(1)

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ )

صدق الله العظيم

أول رواية تؤرخ للخليقة وكانت خارج النطاق الأرضي هو اللحظة التي تم فيها الاعلان عن خلق آدم وحواء ، فنشعر بثقة تلك الرؤية أن الرواية ترتهن بخلق ولا ترتهن بولادة ، فكان ما يروى أن هذا الخلق كان مكانه الفردوس وتم من خلال الرؤى السرمدية وفيه مشاهد خلابة عن جمالية المكان وتصاحب تلك الدهشة التي تم تخيلها لاحقا كشكل ومكان سرمدي من خلال نصوص كتبها أولئك الذين تناسلوا من هذا الخلق لاحقا .

تحذير واحد رافق تلك المباهج الحسية والجمالية والاوصاف المسكونة بدهشة الروي الذي يتحدث عن الايام الممتعة التي كان آدم يقضيها مع بعله حواء ، وهذا التحذير يطلب منهما عدم الاقتراب من شجرة التفاح وقطف ثمارها.

ومتى خضعت حواء لإغواء ( الافعى ــ الشيطان ) تحولت مسارات سرد يومياتها في نهارات الفردوس ولياليه الى مكان آخر لم يعد فيه هاجس الخلق موجودا ، إذ اتت الولادة كبديل عنه ذلك عندما ولدا قابيل وهابيل ، ومنذ لحظة ولادتهما كتبت تواريخا جديدة للسرد منذ لحظة شجارها وقتل الاخ لأخيه والى اليوم ، وما قبل تلك اللحظة تخيلته انا في رواية صدرت قبل عامين بعنوان ( آدم ــ حواء .الوردتان تهبطان بمظلة ) وفيها اوثق افتراضا  بساطة يوم الزوجين في الحقل واحلام تكوين الذرية على الارض .

ليشكل هذا اليوم صورة الحكي الذي رافق الحياة ومراحله التأريخية وتطور ادوات التعبير عنه شفاها ومن ثم تدوينا ، حيث اصبح الخلق من موازاة الرغبة لنيل الخلود بعد نهاية العمر فيما الولادات هي الواقع المعاش اصلا والذي مهد لتأسيس السرد وصانعيه.

لكن الكثير يعتقد أن ما ينتجه الروائي يعد خلقا جديدا لحكاية تمتلك الحدث الحياتي ومتغيراته كلها ، ولكنه كما ارى لا يخلق إنما هو يصنع . والصناعة هي مرتبة ما دون الخلق وتحتاج ايضا الى التجربة والحرفة والاختراع والالهام والموهبة ، وتختلف عن الخلق أن الخلق يقوم على مبدأ ( كن فيكون ) فيما الصنع يحتاج الى مراحله النشأة والفاصلة الزمنية والمعايشة والاجتهاد ، وغالبا من تكون البداية من الصفر .

ايعاز غبي

فالخلق أيعاز غيبي وخارق من اجل تكوين كتلة تتحرك بفعل وبدون كما في تحويل الصلصال والنار الى جسد ، فيما الصناعة هي تجميع وتحوير وافكار وتكوين مواد اولية تنتج لنا ما يساعدنا على تسهيل حياتنا وجعلها اكثر سهولة من سابقاتها كما حدث في تحولات العصر الصناعي في القرون الثلاث التي سبقت القرن الواحد والعشرين.

وهكذا نكتشف أن الخليقة التي هيأت للولادات هي من اوجدت لنا اساسيات سرد ما يحدث في هذا العالم من خلال مدونة تتحدث عن الذي جرى ويجري وما سيجري ذلك لأن الرواية وحدها بين المذاهب الادبية تستطيع ان تعيش المستويات الزمنية الثلاثة في التعبير عن حالة حياتية ما ، وقد يفعلها الشعر او الفلسفة لكن قوالب النظم والاشتراطات الصعبة في الفلسفة قد يعجزان عن تأدية الدور الذي تؤديه الرواية في ان تكون الماضي والحاضر والمستقبل عبر كل تلك التحولات الارضية التي شهدت عصورا حياتية وفسلجية وسلوكية وحضارية مختلفة . ابتدأت الرواية كردة فعل مثل اي جنس ادبي اخر دوافعه حاجة حياتية أو غامضة سكنت الذاكرة البشرية في تعاملها الأول مه البيئة ومتغيراتها وبما يتوفر لها من امكانيات اول بضاعته كان الخيال والتصور والحس وربما تم التعبير عنه شفاهيا او تصويرا ذلك قبل ان تخترع اللغة وتتم صناعة الحرف ومن ثم نشوء التدوين ، وعير تلك الاخيلة كان التعبير يسكنه هاجسا واحدا ، هو رغبة الانسان للوصول الى الما فوق ، وأن كان يدرك انه حفيد لمن كان في العلا ذات يوم ، فهو في هاجسه السردي هذا اراد ان يصل الى هناك ، ولأنه لا يمتلك تدوينا موثقا للاب الاول اشرك في تعداد القوى التي خلقته ،فبدلا من الاله الواحد تعددت الالهة ،وهذا التعدد هو من طور المادة السردية للإنسان لينوع حكاياته بتنوع مصادرها وحاجتها للوصول اليها او طلب مساعدتها لشعورها ان كل الذي ما فوق هو مصدر للفعل الخارق الذي يؤثر بحياته كما في المطر والريح والعاصفة والطوفان.

وهكذا كان السرد نتاج ولادة رحمية ثم تحولت الى ولادات ذهنية ، ارتبطت اولا بهاجس الخلق عبر تدوين قصة الخليقة ومن ثم انتقلت الى سرد الولادة لتبدأ بحكاية جلجامش وما سبقها من افتراض ان جلجامش ولد من نصف بشري والنصف الاخر الهي.

 عند آدم وحواء ابتدأ السرد ، واتضحت مساراته لاحقا وربما بعد عصور ليست ببعيدة ذلك عندما نكتشف في الادب المقارن ان سلالة الانبياء القريبة من ادم كانت موجودة في عهد التدوين كما مع ابراهيم ع الذي ولد في اور او كما مع اوبنشتم الذي يعتقد انه نوح في قصة الطوفان .

وربما تلك الآية الكريم  (( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )) توصلنا الى غرض ما نتمنى الخوض فيه عن علاقة السرد بحياة الانبياء وابتدأنا بأدم لأنه الأول بالرغم من قلة المصادر واغلبها يخضع لمدونات الكتب السماوية او الاساطير أو ما افترضه أنا ككاتب من حقي أن اقول وأن أوجه إن كنت مخطأ او صائبا.

(2)

آدم في ميثولوجيا الروايات وروحانيات الجنوب وأزمنته

نزل آدم وزوجته حواء تحت ظل سدرة خضراء قرب مكان يلتقي فيه نهرا ميزوبوتاميا ( دجلة والفرات) في مدينة القرنة جنوب العراق .

وفي أديم النص السماوي والأسطوري والحكائي الشعبي لقصة النزول تنتشر الرؤية في خيال البشر ، ومنها يأخذ البشر العِبر والرسامون الصور .

وتبقى قصة التفاحة من بعض اسباب هذا النزول. لهذا حين نوى أحد المعلمين على تكملة نصف دينه وجلب صندوق تفاح إلى المعلمين والتلاميذ ليوزعه عليهم لمناسبة خطوبته ، وجدتها مناسبة لأزرع في ذهن التلاميذ البدايات الروحية والقصصية لقصة نزول أبي البشر آدم وفي مكان قد لا يبعد سوى اربعين ميلا عن قرية ام شعثة حيث تقع مدرستنا.

برحمته وبصفاء دمعته الحزينة شاهدت ملامح آدم لأول مرة في عيون أطفال الأهوار ، وثمة سعادة مشتركة بين الاثنين ، ولأنني لا أعلم إن كان الأطفال في قريتنا قد سُمحَ لهم في مناسبة ما أن يقضموا التفاح الأحمر بتلك السعادة واللذة التي اراها في عيونهم عندما قلت لهم :

وانتم تأكلون التفاحة استمعوا الى حكايتها.

فجأة انبرى (مسعد) أذكى التلاميذ فطنة وسألني والتفاحة تملأ فمه :

أستاذ لا توجد امرأة في قريتنا اسمها حواء ولا يوجد فيها رجل إسمه آدم ، وعندما اتزوج مثل معلم القراءة الذي نأكل تفاحة عرسه اليوم وانجب اولادا ، البنت سأطلق عليها اسم حواء والولد آدم.

وحتماً بعد هذه السنوات الطويلة ربما كانت قصة النزول قد منحت أولئك الصغار في شبابهم شيئا ، فهناك من استعان بدمعة النبي يوم أمرهُ الرب بالنزول الى الارض ومغادرة الجنة ، لكي تشفع له وتحميه من شظايا الحرب ، وهناك من استمع الى نصيحة (مسعد) الذي انتحر في يوم ما وغادر الحياة دون أن يتسنى له ان يسمي من يخلِّفهم بأسمى ادم وحواء وربما غيره فعل ذلك .

غير أن تلك التفاحة الحمراء التي كنت اشاهدها تذوب سعادة في افواه التلاميذ الذين لا يرون ويتذوقون الفواكه إلا في المناسبات البعيدة بقيت تعيش في مخيلتي وتعيد اليِّ ذكريات انشداد التلاميذ لتلك القصص والروايات التي كنت أريد بها ان اعبر معهم الى العالم الاخر بعيدا عن غابات القصب والماء وقطعان الجواميس وهي تنسل من لذة الماء لتعود لتشخر الليل كله في زرائبها بعد حلبها.

فسيفساء ملونة

تعيش كلما تصادفني رواية نزول النبي على الارض مرسومة بفسيفساء ملونة في سقف كنيسة أو لوحة في متحف أو تحت اجفان امرأة تحمل اسم حواء حتى لو كانت من بلد افريقي إسمه مالاوي .

النبي بقيَ دالة لنزول الذكريات على رأسي ، وكل قصيدة او اغنية تحمل شيئا من حكايته توراتية كانت أو اسلامية ، أعود مسرعا بمشاحيف الذكريات واتمنى أن اقف أمام البشر الواقفين على رصيف محطة قطار دوسلدورف ينتظرون معي وصول القطار الذاهب الى بروكسل ، وأعيد قص الحكاية ذاتها التي كنت ارويها لتلاميذ مدرستي.

وذات يوم عدت لأزور القرية لمجرد استذكار الامكنة واصحابها لأرى ان اغلب الكبار غادروا الحياة والتلاميذ كبروا وانجبوا ، والمفاجأة السعيدة التي اعادت اليَّ تلك اللحظات الجميلة يوم كنت أقف امام تلامذتي وأنا اروي لهم قصة نزول آدم وحواء اني رأيت ولدَيْ مكسيم ابن طيب الذكر شغاتي ، البنت اسمها حواء والولد يحمل اسم آدم. أول رحلة فضائية هبوطا من السماء الى الأرض كان ركاب الرحلة اثنين فقط . ذكرٌ إسمه آدم ، وأنثى تدعى حواء . هبطا بمظلة او جنح طائر أو بمساعدة ملاك ، لا أعرف ؟

ولكنهما الآن تحت ظل شجرة سدر قريباً من ضفاف نهرين يلتقيان في مكان جنوب أور بحوالي مئة ميل .

اليوم السبت .

لماذا السبت . لكني أشعر أن لحظة النزول كانت في هذا اليوم وبعد الظهر .

أظن أن السبت هو سبات الاشياء ، ولأن الطريق طويلة فإن الهابطَيْن الأولين اخذا غفوة مارسا فيها السبات الى اليوم الثاني ، فشعرا انهما لم يزلا متعبين فأعطا يومهما الثاني ( الاحد ) عطلة ، وفي اليوم الثالث ( الاثنين ) هو إشارة البدء بالنسبة لهما معنى ان يبدآ بالحياة العملية ، فكان التفكير الأول ان ظل السدرة التي هبطا تحتها لا تقيهما من حرارة ظهيرة المكان وشعرا ايضا ان ندى الصباح الهاطل من ورق الشجرة يبللهما ، فكان التفكير الاول لآدم ان يجد ما يسترهما من شعاع الشمس ، فكان بدء حاجة الجسد بعد المجامعة هي الثوب والسقف. وهكذا بدأت الحياة من حاجة ، وتطورت الحاجة الى الحاجات ، واحتاجت الحاجات للتنوع وتغير امكنتها وتتسع ، وتصبح تضاريسَ وجغرافياتٍ ، أسسها هابيل بعد موت قابيل ـ وطورها ابناء هابيل بعد موت ابيهم وجديهم .

هنا في القرنة اتسع المكان ، انتشرت صرائف القصب مثلما ينتشر النخيل على الطين البارد ، أولا قرب ضفاف الانهر والسواقي ومن ثم ذهب جنوباً الى حيث يتحد النهران ويكونا نهرا واحدا ويصبان في البحر العميق. في تلك الامكنة ولد الظل ليصبح ظلالا كثيرا وتحته كانت تقام الشعائر وتتلى الصلوات وتتبادل قبلات الغرام . وتحتها يستريح الجد من لهاث تعب اليوم وهو يشاهد بسعادة ان البساتين تذهب الى الابعد والصرائف تتجمع مع بعضها في إلفه العيش وتصير قرى .

ولهذا فضّل ان يكون بلده الأول وما حوله قرى من القصب فقط .لم يرد لها لتتسع ، وعندما شاهد واحدا من احفاده يبني حائطا من الطين والحجر ، رفسه بقدمه وهدمه وقال :ما دام آدم حيا ، ابقوا على القصب سقفا لأحلام ليلكم . أما الطين فهو بركة لمسح الجباه فقط .

لم يعرف آدم حساب الأعمار لأنه كان يعيش اليوم بحساب رغبته لتأسيس ما يقيه البرد والحر ويصلح بين نزاعات خلفها شجار قابيل وهابيل . يعيش يوماً ليوم آخر يعرف أنه سيأتي بعد اغفاءة ليل . لم يجدول غده ، ولم يضع تصورا لما سيفعله ، لأنه كان يمتلك شعورا غامضا ، إنه هبط بقدر وما سيجيئ بقدر . وكل انشغالاته هو الاعتناء بمستعمرته الصغيرة التي عاش فيها مع بعض من احفاده رفضوا ان يغادروها ويبقوا بصحبة جدهم الكهل وجدتهم العجوز التي جعلت من بيت القصب ومطبخها الصغير سلوى تنسيها السهو الذي جعلها تطيع ابليس وتقضم من التفاحة لتهبط عقابا وغاية ورغبة بإنشاء كوكب للأحياء الذين هم خارج جغرافية الجنة اسمه الأرض. ولم تغادر هذا البيت إلا عندما تذهب هي وبعلها ليقضوا ساعة من الراحة والاستذكار لما كان فوقاً ولم يعد موجودا ، ويتمددا بحميمية ليتلاصقا ظلهما تحت شجرة السدر حيث لا يشاهدهما الغرباء ، ومن يمر وينظر اليهما من الابناء والاحفاد يقول :هذا هو المنظر الجميل ، لنتعلم منه في خلوتنا ، ويقال ان تلك المشاهد الرقيقة هي من صنعت في قلوب البشر الاحساس بالغرام والعشق.