

رقصة الفالس على محيا الزمكان
في ديوان ” لا أقبل إلا بثوابل موطني” للشاعرة التشكيلية هناء ميكو
الرباط – الزمان
«لا أقبل إلا بتوابل موطني»، ديوان يقرأ من عنوانه، صادر عن دار منشورات النورس التي يديرها الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، تنساب فيه الكتابة كالأنهار، والموسيقى ترقص رقصة الفالس في الروح، تزرع جذور الوجود في صمت الزمن، ويستقر الوطن إيقاعًا كونيًا ينساب في الجسد والوعي، فيتجسد الانتماء وعيًا بالموسيقى الخفية للأرض، والحب تردّدًا للضوء، والكتابة رحلة متواصلة بين النجوم والذاكرة، كأورورا على محيا الزمكان تعبر فيها القزحيات عن نشوة الوجود والوجدان، تقدّم الشاعرة والتشكيلية هناء ميكو تجربة شعورية تقوم على علاقة خفيّة ومتأنية بين الذات والوطن،
تتفلّت من التعريفات المسبقة لتصير فضاءً حسيًا ووجوديًا للانتماء، حيث تتحوّل الكتابة منذ اللحظة الأولى إلى فعل وعي ورغبة في تسمية ما يُعاش حقًا، والفكرة تخضع للتأويل، والشعور ينطوي في الخفاء، ويتشكّل الانتماء عبر اللغة كجسد قائم بذاته، وعبر الجغرافيا كذاكرة حيّة، فالوطني صورة مكتملة وآصرة تُستأنف صياغتها مع كل تجربة، فتختبر الشاعرة ثوابله كحاصل لا يزول، ومعرفة تمشي على قدمين، ويصبح مفهوم «توابل الموطن» كثيفًا شعريًا، يحيل إلى الذاكرة الحسية وما يستقر في الجسد قبل أن يتشكل في الوعي، وتتحرّك القصائد في فضاءات جغرافية متعددة من فسيفساء البحر إلى تخوم الاستواء دون أن تفقد مركزها الأول كحسّ جسدي للغة، حيث يتكشّف الانتماء كاختيار أخلاقي وجمالي، ويستحضر صوت محمد الماغوط كناقد يذكّر أن حب الوطن، حين ينفصل عن شروط الحياة الكريمة، يتحوّل إلى وهم لغوي، فتصير الكتابة فعل مساءلة يعمّق صدق التجربة، وفي قلب هذا التصوّر تتبلور صورة «الثابلة» كموقف إنساني ومعرفي صبور يحمل الجمال كعبء نبيل ويحوّل الوجع إلى حكمة والاحتمال إلى شجرة تعرف اتجاه الضوء، لتصبح الأم والأرض والذات الكاتبة فيها متجسدة، حيث العطاء فعل بقاء، والحب مشاركة مصير، والحضور مسؤولية واعية، والأرض مرآتها الكبرى:
تُفلح، تُجرح، ثم تُنبت، فتصير الندبة ذاكرة والذاكرة طريقًا، ولغة الديوان مشحونة بطاقة تصويرية عالية، تميل إلى التأمل وتعمل في العمق حيث تنمو الجذور قبل أن تظهر الأغصان، فتتحول القصيدة إلى مساحة عبور وإنصات وفعل مقاومة ناعمة للنسيان والتشابه،
ومع نهاية الرحلة تطرح الشاعرة سؤالًا مفتوحًا: هل الوطن وعد نصدّقه أم علاقة تُعاد صياغتها باستمرار؟ هكذا يقدّم الديوان الانتماء كإمكانية دائمة للكتابة والاختلاف، ولمواصلة السير، بوعي يجعل من الشعر بيتًا تركض فيه موسيقى الروح بنغم وجمال، وبذرة إنسانية تُحرَس بثقة هادئة، وإبداع قابل للانفجار في أي وقت.


















