فلسطين في عيني محمود درويش

فلسطين في عيني محمود درويش لا أريد لهذه القصائد أن تنتهي نجاح هادي كبة  بغداد يسترجع محمود شرفات الذاكرة عن فلسطين فهي تقترن بسرده الشعري بمساحات من الأمل والحزن فصارت فلسطين والموت والمجازر كلمات مترادفة في قاموس محمود درويش الشعري وبأسلوب بلاغي “الذم بما يشبه المدح” فإنه ربح من ضياع فلسطين مزيدا من الوعي ولكنه وعي بالمجازر الصهيونية فلقد طبق الصهاينة شريعة الغاب في فلسطين فهم كالحيوانات المفترسة التي تقع بين أيديهم الفريسة إن ذلك يحدث كلمح البصر أو كما قال محمود أن ذلك لا يستغرق لحظات لرمية نرد ولكن اين يحدث ذلك انه يحدث في مكان مقدس كالكنيسة لأن سادية الصهاينة لا تتلذ بالفريسة الا في مكان آمن حتى تستأثر بالغنيمة وتمنع حيوانات الغابة أن تشاركها في افتراس الضحية: عند باب الكنيسة ولست سوى رمية نرد ما بين مفترس وفريسة ربحت مزيداً من الصحو لا لأكون سعيداً لليلتي المقمرة بل لكي أشهد المجزرة وقد تمثل محمود درويش دور كل شهيد فلسطيني بل وكل فلسيطني معرض لشراك الكمائن الصهيونية قي فلسطين، فوجوده حيّا كان استثناء من القدر لأن الصهاينة أرادوا أن يجهزوا على كل الفلسطينيين، فلقد روّعوا العوائل الفلسطينية أن تنقص كل يوم فردا من أفرادها بالكمائن التي نصبوها لهم، وكان يمكن لعائلة درويش أن تنقص فردا عزيزا هو محمود الشاعر الذي يكتب الشعر حرفا فحرفا فنزفا فنزفا:  كان لا يمكن أن لا أكون وأن تقع القافلة في كمين، وأن تنقص العائلة واحداً هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدة حرفا فحرفا فنزفا فنزفا لقد تماهى محمود درويش بفلسطين تماهى الصوفي مع خالقه فطبوغرافية فلسطين حفرت في ذاكرته كل تفاصيل خريطتها البشرية والجغرافية وهو رغم مآسي الهجرة والتهجر ففلسطين عالقة بذهنه بشوارعها وبريدها وبائع خبزها …. الخ هذا الحنين الذي يحز في نفسه يوحى إلى محمود إن الأرض والإنسان والأشياء ذات قيمة واحدة فالوطن ليس أرضا مجردة فقط فرائحته لا يشمها فحسب بل يتذكرها بألم ممض: في وسعنا أن نقول لنا شارع ها هنا وبريد وبائع خبز ومغسلة للثياب وحانوت تبغ وخمر وركن صغير ورائحة تتذكر ويداخل محمود درويش الاغتراب وهو على أرضه ويستوحش حين يسترجع شريط الأحداث والأشياء وخزائن بلده فلسطين المنهوبة ويشبه نفسه كحارس محطة قطار مهجورة الذي ينتظر القطار (الأمل) ليزيل وحشته ولكن محموداً ينتظر أمل العودة ويتسائل عن استلاب كنزة المفقود وحقله وعن الندى الذي يبلل أزهار بلده وعن طفولته وشفافيتها وجسارتها فلقد كان كالفراشة التي تحلق حول الأزهار ولكن ما نفع الذاكرة ان لم تتماه معه وتحفر اسرار طفولته:  ويسأل عن ذلك بأسلوب الاستفهام الانكاري “تجاهل العارف” وقفت على المحطة. كنت منهوبا يطلّ على خزائنه ويسأل عن نفسه: هل كان ذلك الحقل ذلك الكنز لي؟ هل كان هذا اللازوردي المبلل بالرطوبة والندى الليلي لي؟ هل كنت في يوم من الأيام تلميذ الفراشة في الهشاشة والجسارة تارة، وزميلها في االاستعارة تارة؟ هل كنت في يوم من الأيام لي؟ هل تمرض الذكرى معي وتصاب بالحمى؟ ويحمّل محمود درويش الصهاينة أوجاع شعبه وآلامه، فقد فرّق محمود درويش في ديوانه الأخير “لا أريد لهذه القصائد أن نتنهي” بين اليهودي والصهيوني، فاليهودية دين سماوي موحِّد، أما الصهيونية فهي حركة عنصرية ظهرت في أوربا أواخر القرن التاسع عشر نتيجة لعدم اتساق اليهود مع المجتمعات الأوربية، لذلك طالبت الصهيونية بالانفصال وعدم الأندماج مع الشعوب الأوربية، والبحث عن ملاذ آمن لليهود، فوقع اختيار الصهاينة على الارجنتين ثم كينيا لكنهم قرروا من خلال اجتماعاتهم ان فلسطين هي الهدف وقد تمّ لهم ما أرادوا بمعونة الاستعمار واستطاعوا عن طريق توظيف الأموال في فلسطين أن يدعموا مشروعهم الاستيطاني في فلسطين. وكان محمود درويش ذا نظرة إنسانية للآخر اليهودي بحكم تربيته الإسلامية وأيدلوجيتة الماركسية، فقد رأى ان الصهاينة قد تلبسوا شخصية نرسيس، وغرروا باليهود واشبعوهم بالأساطير، ونرسيس كما تقول الأسطورة اليونانية كانت تصيبه الغيرة عندما يرى حتى خياله بله الآخرين، وقد اشتق علماء النفس من اسمه مصطلح النرجسية “حب الذات” فالصهيوني كنرسيس لا يعرف حب الآخرين، ولو كان ذكيا لأحب فتاة تعجب به، لقد ورط الصهاينة اليهود وجعلوهم يتأملون أنفسهم في المرآة ويطيلون النظر فيها ولم يكن بوسعهم أن يروا الآخرين ليكونوا أحراراً. هكذا اتحايل: نرسيس ليس جميلا كما ظنّ لكن صنّاعه ورّطوه بمرآته. فأطال تأمله في الهواء المقطر بالماء لو كان بوسعه أن يرى غيره لأحب فتاة تحملق فيه ولو كان أذكى قليلا لحطم مرأتهٍ ورأى كم هو الآخرون ولو كان حرّاً لما صار اسطورة ولكنٍ درويش رغم نصائحه لليهود أن يتحرروا من التصهين لا يرى أية بارقة أمل في التفاوض مع الصهاينة ، لأن الصهيونية والعرب قد دفنوا في قبر مشترك فهم بين قاتل وقتيل ولا فائدة من الحلول التوفيقية (معاهدة أوسلو) لأنها سيناريو جاهز وعلى شاعر غير درويش أن يتابع ذلك فدرويش قال الحقيقة: قلت على أيّ شيء تفاوضني الآن في هذه الحفرة القبر؟ قال: على حصتي وحصتك من سدانا ومن قبرنا المشترك قلت ما الفائدة؟ هرب الوقت منّا وشذّ المصير عن القاعدة ههنا قاتل وقتيل ينامان في حفرة واحدة ….. وعلى شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو  لذلك يبحث درويش عن المنقذ ولا يجده، أما لخلل في الطبائع أو خطأ في كتاب الشرائع – على سبيل السخرية- فالكتب السماوية كالقرآن والتوراة والأنجيل كلها تبشر بالمنقذ كنوح ومحمد وعيسى وموسى(ع) … الخ. قال متناصدا مع القرآن الكريم: ….. فمن ينقذ الحاضر الدموي من الحرب بين ملائكة طيبين وبين ملائكة سيئين . يقول ملاك: أنا ذكر،  فيقول لهُ آخر انت انثى، ومن ينقذ الغد من خلل في الطبائع أو خطأ في كتاب الشرائع ولابد من الإشارة إلى أن ديوان محمود درويش الأخير “لا أُريد لهذه القصائد أن تنتهي، قد وصف فية مأساة فلسطين والاحتلال الصهيوني من موقع تسجيلي-رومانسي فيه الروعة الفنية ، لكنه كما يرى بعض النقاد يخلو من الالتحام الوجداني والعاطفي مع القضية الفلسطينية ، وان تجاوز فيه الخطابية التي مارسها سابقا في شعره التي اقتضتها القضية الفلسطينية ، واخيرا نقول كما قال شوبنهور “أن الحياة بلا مأساة غير جديرة بالإنسان”.  – صدر ديوان: لا اريد لهذه القصيدة ان تنتهي عام “2009” لبنان –  بيروت ، رياض الريس للكتب والنشر ، ط1