لعبة سنوية بإضاءة باهرة فاضل ثامر والمبنى الميتاسردي في الرواية -1- سمير الخليل تشتغل (ما بعد الحداثة) على قضايا عديدة في فرض أطروحاتها النظرية وإرسائها وهي تضع نهاية للوجودية وتقويض المركزية (الميتافيزيقية) والمظاهر الابسمولوجية الشائعة ويشكل (الميتا/ الماوراء) إحدى هذه القضايا في تجلية اهتماماتها لاسيما في الأدب والفن ، فقد ارتبط مفهوم (ما وراء السرد) “بالبنى الشكلية في الكتابة الروائية أي الاهتمام الملحوظ جداً بالشكل أو بالتكنيك الروائي وذلك على حساب الحكاية ودلالتها، فما وراء السرد يعيد النظر بماهية الكتابة وإشكالية التمثيل الأدبي والتشخيص الواقعي عبر بيان الدوافع الكامنة وراء التأليف والكتابة ونظم صياغة المرويات وتتابعها ونظام ظهورها” لأن دوافع السرد الروائي أصبحت مستهلكة على حد تعبير الباحث حسن مجاد. وقد سمته (لندا هتيشون) بـ (ما وراء القص) وعرفته بأنه “السرد النرجسي الذي يتضمن تعليقا على سرده وهويته اللغوية” وميزته عن (ما وراء القص التاريخي) الذي عدته “أحد أنواع الرواية (المابعد حداثية) التي ترفض إسقاط المعتقدات والمعايير الحالية على الماضي، وتؤكد على خصوصية وفردية الحدث الماضي… [مشيرة] إلى إن الماضي كان موجوداً يوماً ما ولكن معرفتنا التاريخية عنه قد انتقلت لفظياً أو سيميائياً، إذ يشير ما وراء القص التاريخي إلى الحقيقة الكامنة في توظيف الاتفاقات المناصية للكتابة التاريخية من أجل تسجيل وتقويض سلطة المصادر وموضوعيتها والتفسيرات التاريخية”، فشيوع (ما وراء السرد) هو شيوع لظاهرة (المابعد) التي طالت جميع الأشكال التعبيرية والفنية كـ (السينما) و(المسرح) و (الفنون التشكيلية) لأن تجليات (ما بعد الحداثة) تتحقق في صورة عرقلة الخطاب وطرائق التمثيل وتقويضها، وعلى الرغم من أن مصطلح (ما وراء السرد) أو (ما وراء الرواية) يعد جديداً في صياغته التي ظهرت منذ السبعينيات على يد (وليم غراس) عام 1970 غير إن مظاهره وممارساته قديمة قدم الرواية ذاتها ولكن من غير مقصدية ذاتية أو رؤية واعية للمفهوم. يعرف الناقد عباس عبد جاسم (ما وراء السرد) بأنه “هو السرد الذي يعمل دالاً على سرد آخر هذا السرد هو مدلول عليه” وقد جاء تيار (ما وراء السرد) كرد فعل لمظاهر “الإقصاء والإلغاء التي حلت بالمؤلف ولإبراز دوره في عملية الخلق الأدبي إذ سيكون المؤلف طرفاً في التأليف ويضع في روايته إرادته وتصوره ويترك فراغات للآخر” فالروائي يلج عالم الرواية متحدثاً عن آلياته السردية التي تدلنا على كيفية نشوء القصة ونموها واكتمالها وفق برمجة دلالية واعية، وفي ذلك محاولة من الروائي (المؤلف) كسر الإطار التجنيسي للرواية بهدف خلخلة قواعد السرد المألوفة ونظم الكتابة وشرائط التلقي، “ويبقى على امتداد الرواية يفكر في صياغة المرويات الممكنة في التصنيف”. وعليه فإن (ما وراء السرد) يتجلى في أكثر من تقنية وظهور المؤلف واحدة منها، فهناك التنوع الأسلوبي بين (أسلوب ما وراء الرواية) الذي ذكرناه والذي يظهر فيه “انشغال الرواية بموضوعها وشكلها لتكسر الحبكة القصصية بإدخال (المخطوط) والوثائق النصية [الأوراق، الرسائل، الدفتر، سجل المكالمات الهاتفية…الخ] في النص الروائي بظهور المؤلف أو غيره، و(أسلوب ما وراء القص في كتابة التاريخ) و(أسلوب ما وراء المسرح) أو ما يعرف (بالمسرح داخل المسرح). لقد تنازعت المفهوم مصطلحات كثيرة جداً منها (رواية الوعي الذاتي أو الانعكاس الذاتي) و (الرواية داخل الرواية) و(ما وراء النص) و(التسارد) و(الانصراف السردي) و(الحكاية داخل الحكاية) و( ما وراء النص) و(رواية الضد) و(الرواية النرجسية) أو (السرد النرجسي) و(رواية التمثيل الذاتي) وعشرات غيرها، ولكن مصطلح (ما وراء السرد) رسخ نفسه مصطلحا منتخبا ومثله هيمن (ما وراء القص) و(الميتاسرد)، وكان لـ (ما وراء السرد) حضور في أدبنا العربي (إبداعا سردياً ونقداً) ، فقد تمثل في الروايات العربية والعراقية بعد منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، وإن كان بلا مقصية أو رؤية عميقة لتلك التقنية. وليس غريباً أن نجد ناقداً عراقياً نابهاً ومثقفا مثل فاضل ثامر الذي عرف بحرصه الثقافي وثرائه المعرفي المتعدد ونقده المتتبع لما يصدر في الغرب تنظيراً وترجمة أن يتخذ من الاتجاه (الميتاسردي) في الرواية العربية مادة لكتابه (المبنى الميتاسردي في الرواية) الصادر عن (دار المدى) نهاية عام 2013، ومن تفحصنا للكتاب الفيناه عملاً إجرائياً بامتياز، إذ يغلب عليه الجانب الإجرائي الثر وهو أكثر ما يعوزنا في النقد العراقي والعربي، وفي واقع الأمر أن التطبيق هو الجانب الذي يبرز قدرة الناقد على الإبداع كون التنظير مادة متوافرة في متون الكتب والدراسات، فنلحظ على الكتاب إجراءاته التي غطت أكثر من خمسين عملاً روائياً عراقياً وعربياً وهو جهد طيب في المدونة النقدية العربية وإضافة نوعية في حقل (ما بعد حداثي) غير شائع، وعلى الرغم من أعطاء المؤلف تصوراً عن كيفية تأليف كتابه وإنه عمل على ملاحقة موضوعة (الميتاسرد) لأكثر من عشرين عاما، وأنه لم يخضعه لمنهج أكاديمي تنظيمي بقوله “لم ألزم بكتابة كتاب أكاديمي أو منهجي منضبط لتجليات الميتاسرد في الرواية العربية”، ونحن وإن تلمسنا له العذر في أن ولعه النقدي بالجديد وليبراليته الثقافية ومتابعاته الثرة، تشغله عن المنهجية التأليفية المنضبطة، فإننا بوصفنا أكاديميين نحاول سحب المؤلف إلى اشتغالاتنا الاكاديمية- وهو غير بعيد عنها- ونسائله ونحاوره فيما نراه برؤيتنا النقدية المتواضعة أمام ثرائه النقدي، حرصاً منا في جعل كتابه- شاء أم ابى- مرجعاً للدراسات الأكاديمية- وهو كذلك- ينهل منه الباحثون وطلبة الدراسات العليا بما يسد حاجتهم العلمية. ينطلق الناقد فاضل ثامر في تكوين دلالة مصطلح (الميتاسرد) من أفق المقاربة المعجمية “لتلمس تفسير يبدو فيه المصطلح خارج مدار معناه وهي مقاربة تضمر التضاد في سبيل تكوين المعنى الاصطلاحي، فثمة فرق بين مصطلح (السرد) و (ما وراء السرد) فرق يتجلى في العنصر العالق به وليس فرقاً في الرؤية، ويحدد فاضل ثامر مدى المشكل الدلالي للبادئة الاصطلاحية بقوله: والبادئة أو السابقة الأولية meta التي تتقدم بعض المصطلحات تثير اشكالات كثيرة في مجال النقد والسرديات”. وشرع فاضل ثامر إلى الوقوف على ماهية المصطلحات المجاورة والمتعددة لـ (ما وراء السرد) وتصبح المقاربة الاجرائية شواهد وأمثلة دالة على المفاهيم النظرية، ومهما يكن من شيء فأن محاولة فاضل ثامر في تقريب المصطلح ومفاهيم (الميتا – سرد) للقارئ العربي تفصح عن مسعى جديد في الكتابة الروائية وتعيد النظر في مفهومي (الواقع) و (المتخيل). نبدأ محاورتنا من العنوان، فالكتاب في أصل عنوانه على ما صرح به المؤلف هو (المبنى الميتاسردي في الرواية العربية)، ولا ندري لماذا غيره برفع مفردة (العربية) منه؟ مع أن الكتاب ينفتح على روايات عربية كثيرة فضلاً عن العراقية، كما أنه خرق العنوان بتناول بعض القصص القصيرة مثل (اهتمامات عراقية) لجمعة اللامي، مع أنه وضع تذييلاً في كتابه وخصصه للمجاميع القصصية القصيرة التي تشتغل على (الميتاسرد) وهي التفاته ذكية ومهمة من الناقد من أجل لملمة كل ما كتب في هذا الاتجاه الميتاسردي على المستويين الروائي والقصصي مع إن الشائع من هذا الاتجاه في الرواية فقط. دأب الناقد في كل كتابه على أن يفرد عنوانا مستقلاً للحديث عن رواية واحدة ما عدا ثلاثة مواضع جمع فيها الحديث عن روايتين في عنوان واحد وهي (بصرياثا لمحمد خضير و المقامة البصرية/ لمهدي عيسى الصقر) و (أوتار القصب/ لمحسن جاسم الموسوي والسواد الاخضر الصافي/ لعباس عبد جاسم). في وقفة تعريفية بالكتاب والمصطلح واشتغالات الناقد باتجاه ما بعد الحداثة ولاسيما اهتمامه بالميتاسرد منذ عقد التسعينات، جاء التمهيد مختصراً جداً وبأربع صفحات فقط بعنوان: (البنية الميتاسردية بوصفها نزعة ما بعد حداثية) قدم فيه إضاءة لبعض مفاهيم (الميتاسرد) مجترحاً مفهوماً بديلاً أسماه (المرجعية الذاتية)، فنحن نقترح على الناقد أن يكون ذلك التمهيد مقدمة لكتابه، ويجعل عنوان المبحث الذي يليه (الميتا سرد ونرجسية الكتابة السردية) تمهيداً يليق بالكتاب مادة وحجماً، لكي يخرجه من الدراسات الإجرائية لكونه مدخلاً تنظيرياً يستعرض فيه المصطلح وترجماته والمصطلحات المجاورة له وتمثلات (الميتاسرد) في الرواية العراقية والعربية حسب التسلسل التاريخي. والمقترح الذي قدمناه يفترض معالجة ما وقع فيه من خلخلة في التناول إذ بدأه الناقد باستعراض تمثلات (الميتاسرد) في الأدب العراقي بدءاً من (سابع أيام الخلق) لعبد الخالق الركابي و(كراسة كانون) لمحمد خضير و(ظلال على النافذة) لغائب طعمة فرمان و(الخراب الجميل) لاحمد خلف وغيرهم، وصولاً إلى الأدب العربي مبتدئاً من محمد برادة في (لعبة النسيان) ومؤنس الرزاز في (اعترافات كاتم صوت) وغيرهم. ثم بانتقالة غير ممهدة يعود ثانية إلى مفهوم مصطلح (ما وراء السرد) أو (ما وراء الرواية) من بدايات ظهوره في الرواية العالمية الأمريكية والأوربية خلال ستينيات القرن الماضي، ومن ثم يعاود الحديث عن بدايات التوظيف الروائي العراقي مبتدئاً من جبرا إبراهيم جبرا في (صراخ في ليل طويل) نزولاً إلى غيره. ما يثير الاستغراب أن المؤلف وهو يستعرض مفهوم الميتاسرد ومن اشتغل عليه من الغربين في عنوانه الذي اقترحناه تمهيداً للكتاب (الميتاسرد ونرجسية الكتابة السردية) أهمل تماماً من اشتغل عليه من العرب والعراقيين ولاسيما الناقد (عباس عبد جاسم) الذي كان رائداً في إصدار كتابه الموسوم بـ (ما وراء السرد ما وراء الرواية) الصادر عن دار الشؤون الثقافية 2005 وهو كتاب تنظيري فيه بعض الإجراءات النقدية النابهة واللافتة لبعض الروايات التي تمثلت المفهوم واشتغلت عليه، وكنا نأمل من الناقد فاضل ثامر إبداء الرأي بالكتاب ودقته في فهم الظاهرة وتمثلاتها ما دام قد استعرض مجمل الدارسين الغربيين. انطلاقاً من رغبتنا الأكاديمية في تصنيف منهجي لعمله الكبير كنا نأمل لو أنه جمع الروايات التي تنضوي تحت ثيمة ميتاسردية واحدة ذات تقنية محددة بعنوان منفصل ثم تنضوي الروايات المعنية بتلك الثيمة تحته، تسهيلاً للدارسين وتنظيماً للعمل النقدي الذي يعد جديداً في حقله، مثلما فعل في مبحث (الهوية السردية للمدينة) مثلاً. كأن يفرد عنوانات مثل: (المخطوطة لعبة ميتاسردية) ويتناول الروايات التي تحمل تلك التقنية وتنضوي تحت تلك الثيمة بتفصيلاتها المتعددة: المخطوطة، الأوراق، الكتاب، الدفتر، السجل…الخ، أو (الميتاسرد والمدونة الصحفية) أو (الميتاسرد والسيرة الذاتية) وغير ذلك، علماً أنه تتوافر اكثر من رواية للثيمة الواحدة المدروسة في الكتاب. كم تمنيت من الناقد فاضل ثامر لو ألقى بظلاله على التأليف الروائي النسوي وأفرد عنواناً خاصاً مثل (الميتاسرد لعبة نسوية) بإضاءة باهرة للابداع النسوي العراقي والعربي في هذا المجال تتيح للمتلقي رصدها بشكل منفصل ويميزها عن ابداع الرجل بدلاً من جعلها في أماكن متباعدة من كتابه وبشكل محدود، وبعداً للرتابة وبعثاً للطرافة كان باستطاعة الناقد أن يجعل الروائيين العرب تحت عنوان موحد ليتجلى لنا المقارنة بين الأدب العراقي والعربي. يخرج القارئ للكتاب بفهم محدود للميتاسرد على أنه: “انفلات من القيود والأعراف الكتابية [السردية] عبر الإعلان عن العمل الكتابي بالتصريح به أو من خلال مخطوطة أو مدونة رقمية أو صحفية أو مذكرات ويوميات ورسائل” فهو بذلك يحجم القارئ ويجعله متلقياً سلبياً غلق عليه ميدان الميتاسرد بهذه التقانات المرصودة مع أن توجهات ما بعد الحداثة جاءت لتخلق عالماً بلا حدود في هذا الشأن، فلو أن الناقد نشر جناحي ثقافته الممتلئة على كل تقانات الميتاسرد ومظاهره مع أن عيناته المدروسة وغيرها مما لم يدرسها تحتوي تلك التقانات، لجعل المتلقي يسوح في ميدان المعرفة الميتاسردية ناقداً واعياً لاجراءاتها ونود أن نشير إلى بعض تلك التقانات منها ما توافر في كتاب الناقد من غير أن يربطها بالميتاسرد ويجلى توظيفها فيه من مثل: (التناصية) التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالميتاسرد كونها أوسع وأشمل من التناص، حسب ما أشارت إليه سوزان أونجا وغيرها، فالنصوص الميتاسردية “تتضمن تلميحات تناصية واقتباسات من نصوص وخطابات أخرى” إذ توافر التناص بشكل كبير ولافت في كتابه من خلال ربطه للرواية المدروسة برواية أخرى لروائي سابق عربي أو أجنبي، وذلك يدل على ثقافة واسعة وشاملة للمؤلف لكن من غير أن يربط ذلك بالميتاسرد بشكل جلي أو يجعله من آلياته، والتناصية تقوم على ربط العمل باعمال اخرى “لأن النص والشخصيات المتضمنة تشير دائماً إلى نصوص أخرى لمؤلفين اخرين… إذ لا نص موجود بوصفه كلاً مستقلاً ومكتفياً بذاته عن النصوص الأخرى” والتناصية “تستبدل العلاقة المرتابة بين المؤلف والنص بالعلاقة بين (القارئ والنص) تلك التي تموضع المعنى النصي ضمن تاريخ الخطاب نفسه، ولا يمكن اعتبار العمل الادبي أصيلاً لأن أي نص هو جزء من خطابات سابقة”. تناول الناقد في مجمل إجراءاته النقدية (السرد الذاتي) بضمير المتكلم و(المونولوج) من غير أن يكشف عن الطريقة التي تفهم المتلقي كيفية الفصل بين التوظيف الميتاسردي لها وبين ما يدخل في السرد عامة. ومما يمكن عده آليات ميتاسردية لم يقف عليها مؤلف الكتاب (تنظيراً واجراء) مثل: التمثيل الذاتي، السخرية والتهكم، من الماضي، العصاب الذهني، اللغة الكنائية فضلاً عن أسلوب (ما وراء المسرح) في المتن الميتاسردي الروائي، الذي تناوله الناقد بابتسار شديد في تمهيده إذ جعله عملاً يخلو من وعي ذاتي ذي مقصدية ما بعد حداثية في روايتي (ظلال على النافذة) لغائب طعمة فرمان و(الخراب الجميل) لاحمد خلف غير أنه لم يربط رواية (حديقة حياة) للطفية الدليمي لهذا الاتجاه الذي فيه وعي ذاتي للاشتغال على ما وراء السرد. لم يفض الناقد الاشتباك بشكل جلي العلاقة بين السيرة الذاتية الروائية أو الرواية السيرية واللعبة الميتاسردية وهو يتناول رواية (الحلم العظيم) لاحمد خلف، واشواق طائر الليل لمهدي عيسى الصقر، وغيرهما. ومع أن الناقد اشتغل على التقنيات (الميتاسردية) غير التقليدية المتمثلة بتوريط المؤلف نفسه مع الشخصية الروائية ونبذ الحبكة التقليدية ورفض أن تصبح الحياة حقيقية وتدمير الميثاق الروائي في تحويل الحقيقة إلى مشتبه به بدرجة عالية لاسيما عند انتهاك المؤلف للمستوى السردي وبالاسم الصريح من خلال؛ الوثائق، والأوراق، والدفتر، والرسائل، والتحقيق الصحفي، وسجل الهاتف…الخ في إطار حديثة أي المؤلف عن الآليات السردية أو الانظمة الروائية عن وعي وزيف أدبية العمل والانحراف عن الاسس السردية غير إن الناقد لم يقف جلياً عند (السيرة الذاتية لكتاب متخيلين) وعرض مناقشة (الاعمال الروائية لكتاب وردت اسماؤهم الصريحة) في متنهم الروائي، و(التعليق النصي/ التطفل بالتعليق على الكتابة) و(اعادة كتابة تمثل الماضي في الرواية وفي التاريخ) لأجل كشفه أمام الحاضر ومنعه من أن يكون حاسماً مع انه تحدث عن البعد الحاضر في النصوص الروائية بوصفها الوظيفة التي يمكن القارئ من أن يفهم العملية التي تمكنه من قراءة العالم بوصفه نصاً. ولم يشر إلى قضية مخاطبة القارئ مباشرة تجاوزاً للمروي له النصي ولهذا سموا الراوي بالراوي (الابعادي) أو يسمونه (التقريبي) في بعض الأحيان كونه يبعد الأول ويقرب القارئ. مع علمنا بأن ما وراء السرد “فضاء يعمل على تأطير السرد ليكون البناء الروائي بناءً طبقياً تتعدد فيه المستويات السردية وتتداخل” نلاحظ على تحليلات الناقد استطراداته بعيداً عن (الميتاسرد) من مثل الوقوف على العنوانات ودلالاتها، وبالتعريف بالروائي واعماله السابقة وملخص عن سيرته الذاتية أحياناً كما فعل مع شاكر الانباري وفهد الاسدي وموسى كريدي وعبد الستار ناصر وجمعة اللامي واخرين، وحديثه عن (السرد الذاتي) و(السرد الموضوعي) والراوي العليم، وانشغالاته بالزمن السردي في استباقاته واسترجاعاته فإن لم تكن تلك من آليات (الميتاسرد) الجديدة فلماذا الوقوف عليها بهذا الاتساع الكبير الذي غطى اجزاءً وافرة من الكتاب تقريباً؟ ومن ذلك ما تناوله في عنوان (الهوية السردية للمدينة) إذ غاب الربط الواضح بين النصين الممثلين للثيمة في أثناء التحليل كأن يعمل مقارنة بينهما مثلاً وهما (بصرياثا لمحمد خضير والمقامة البصرية لمهدي عيسى الصقر) إذ انتقل لتنظيرات عامة عن الزمن السردي وبناء الحبكة مع غياب الربط بين تلك التنظيرات السردية والنصين المختارين. وكذلك فعل مع روايتي (تقاطع الازمنة) لمحمود الظاهر (أشواق طائر الليل) لمهدي عيسى الصقر فالأولى رواية فنتازية والأخرى رواية سيرة تشتركان في الحصول على مخطوط يقوم الراوي فيها بنشره، وفي النص الروائي لموسى كريدي (أصوات في المدينة) أعطى صورة عن التطور القصصي عند الروائي وقام بتحليل سردي لروايته واستطراده في ذلك من غير أن يوضح العلاقة مع الميتاسرد، وكان باستطاعته أن يقف على (الملامح الكنائية) فيها والتي تندرج ضمن آليات الميتاسرد ويقف عندها بجلاء لا أن يكون حديثه عنها غامضاً. ومثل ذلك تناوله لرواية (دروز بلغراد) لربيع جابر من زاوية تاريخية جعلها بعنوان (التاريخ بوصفه حاضراً في الخطاب الروائي) عرض فيه لأحداث الرواية والحركة السردية ذات المنحى الخطي والأفقي من الماضي إلى الحاضر والتلاعب بالسرد والزمن التتابعي الحقيقي وتنوع أساليب السردوالمونولوج…الخ. ولم يكشف عن زاوية التناول الميتاسردي فيها، بمعنى كان عليه أن يوضح تقانات الميتاسرد المتمثلة فيها، فنحن بذلك يمكن ان نعد تحليله للمونولوج والاستباقات والاسترجاعات ومستويات السرد والرواة من آليات السرد المتداولة. ففي رواية (اسمه الغرام) لعلوية صبح هناك استطرادات في التحليل السردي، ولكن اللافت استعماله لأول مرة (الزمن) بوصفه بنية ميتاسردية تقوم على المراوحة بين الماضي والحاضر الزمنية في الرواية الأخرى كونها لعبة ميتاسردية. لم يتناول الناقد روايات عراقية مهمة ذات مبنى (ميتاسردي) يمتلك وعياً ذاتياً ولم يشر في مقدمته إلى سبب اهمالها أو عدم الإشارة إليها، منها: (حكايتي مع رأس مقطوع) و(بعل الفجرية) لتحسين كرمياني، و(ترنيمة امرأة.. شفق البحر) لسعد محمد رحيم، و(خسوف برهان الكتبي) للطفية الدليمي، (اسمها الصريح وارد فيها)، و(محنة فينوس) لاحمد خلف، و(اليوسفيون) لحسن كريم عاتي، و(غسق الكراكي) لسعد محمد رحيم و(مستعمرة المياه) لجاسم عاصي و(متاهة ادم) لبرهان شاوي، و(انزياح الحجاب بعد الغياب) لجاسم عاصي، و(حارس التبغ) لعلي بدر، و(حديقة حياة) للطفية الدليمي و(غرفة الفراغ) لمحمد مزيد و(خضر قد والعصر الزيتوني) لنصيف فلك و(الأسلاف في مكان ما) لسعد هادي و(يواقيت الارض) لميسلون هادي، و(قراءة في أوراق هاني بن عبد الرحمن الطائي) لهلال البياتي، و(عالم النساء الوحيدات) للطفية الدليمي. غابت عن الفهرسة والعنوانات الداخلية عناوين الروايات المدروسة أو أسماء الروائيين، الأمر الذي يشكل عبئاً على القارئ الباحث، لأنه قد يكون بحاجة إلى متابعة روائي ما أو رواية بعينها مما يضطره إلى مراجعة الكتاب بأكمله تصفحاً للحصول على غايته. وبنزعة أحسبها n نرجسية- جعلته مكتفياً بذاته عن الآخرين حتى غابت في أغلب الدراسات النقدية n في الكتاب الإحالات والهوامش ولم نجد له إشارة لدراسة سابقة للروايات التي تناولها غيره وهو يشتغل عليها ولاسيما الروايات العربية. ومما يلحظ على الناقد تضمينه نقداً (أيديولوجياً) كثيراً للنظام السابق بطريقة مبالغ فيها بوصفه نظاماً دكتاتورياً وشمولياً وتسلطياً قامعاً في معرض تحليله للروايات وهذا برأيي يحول التوجه النقدي الموضوعي إلى شخصيته فكرية سياسية تظهر فيها (الايديولوجيا) بشكل لافت، وكأنه يتخذ من النصوص المدروسة أداة للإدانة مما يبعده n حاشاه- عن الحيادية النقدية أو الموضوعية التي يتسم بها، والمتجلية في كتاباته النقدية ودراساته المتعارف عليها. بعد تقصينا القرائي للكتاب نلمس غياب تعليل نقدي لتبني الروائيين العراقيين بالأخص لهذا الاتجاه ما بعد الحداثي في زمن متقدم أي قبل بلورة المصطلح بعقدين من الزمان، فهل كانت تلك التقنية مجرد لعبة فنية جمالية أو تجريب سردي يختبئ وراءه مغزى آخر أو ظروف سياسية واجتماعية استدعت الكتابة على هذه الشاكلة؟ وأخيراً فكتاب (المبنى الميتاسردي في الرواية) ينم عن حس نقدي متقدم وثقافة معاصرة ثرة وشغف علمي بتطوير النقد الأدبي نحو آفاق (ما بعد حداثية) تنظيراً واجراءً ، بما ينفتح على المسيرة النقدية الكونية من غير أن يجر اذيال التقليد والقولبة الذهنية، فقد تمثل ذلك في إجراءاته المنفتحة على مختلف الاجيال من الروائيين العرب والعراقيين والقصصين المحدثين، وللناقد فاضل ثامر الفضل في رصد ظاهرة التوجه (الميتاسردي) المبكر في نتاجات المبدعين ومتابعته الدقيقة لأعمالهم وتطورهم الروائي، بما يجعله قريباً منهم في نقوداته الحفية بهم وعنهم مما يعطي انطباعاً طيباً عن تطور تجربتهم الإبداعية في مجال السرد، أنه بحق مشروع لفتح افاق النظر النقدي العربي على تشكيل أنماطه الإبداعية، وإن كل ما طرحناه هو تساؤلات وملاحظات نابعة من إعجابنا بهذا العمل النقدي الجديد ورغبتنا في الافادة الكبيرة منه في مجال الدراسات الأكاديمية.






















